تعيشُ مجاهداً وتقضي شهيداً، ومتى؟ في شهر رمضان المبارك! أيّ نهاية يمكن أن يظفر بها المرء مثل نهاية الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القوميّ في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة الدكتور "علي لارجاني" وصحبه؟! استشهاد "لارجاني" أتى بعد اقترافه أكبر خطيئة يمكن أن يُقدِم عليها إنسان في هذا العالم الذي نحيا فيه، في هذه اللحظة المُعطاة من الزمان والمكان وحياة الشعوب والأمم! ما هي هذه الخطيئة؟! محاربة أمريكا؟ لا.. دكّ الكيان الصهيونيّ؟ لا.. دكّ المعاقل الأمريكيّة والغربيّة والصهيونيّة على التراب العربيّ؟ لا.. إغلاق مضيق هرمز؟ لا.. تخصيب اليورانيوم؟ لا.. عدم الانصياع لقرارات الشرعيّة الدوليّة؟ لا.. ولا.. ولا.. خطيئة "لاريجاني" التي لا تُغتفر هي أنّه وجّه رسالة يدعو فيها إلى توحيد الأمّة الإسلاميّة، واستنهاض الأمّة الإسلاميّة، واستنفار الأمّة الإسلاميّة! أيُّ ذنب من الممكن أن يُغتفَرَ أو يُغضَّ الطرْف عنه لدي "ملّة الكفر" الواحدة، وأذنابهم من العرب والمسلمين الذين يبتغون العِزّة عند الكافرين، أو الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.. إلّا أن تتوحّد وتنهض وتستنفر هذه الأمّة في سبيل الله! يمكن أن تنفر هذه الأمّة في سبيل أمريكا (ولنا في مجاهدي البترو-سلفي-دولار نموذجاً وقدوة)، أو في سبيل طواغيتها.. ولكن هيهات أن تنفر في سبيل الله، وضدّ العدوّ الصريح والبائن بينونة كبرى لله ودينه وعموم المسلمين! فلتنطبق السماء على الأرض ولكن لا تتوحّد هذه الأمّة! خطيئة "لاريجاني" تذكّرنا بالرسالة التي وجّهها الشهيد "محمد الضيف" صبيحة يوم السابع من أكتوبر المبارك، واقترف فيها نفس "الخطيئة": استنهاض الأمّة واستنفارها. نحن في نهايات شهر رمضان المبارك، الشهر الذي نتسابق فيه للتزيّي بزي التقوى والورع والتمسّك بتلابيب التديّن الشعائريّ الطقوسيّ، ولا أحد منّا يخطر بباله أن يسأل نفسه ولو في سرّه في ضوء "التقوى الموسميّة" التي هبطت عليه: عندما أقف بين يديّ الله، ويسألني الله: ما قولك في الرسالة التي وجّهها "لاريجاني" لك ولعموم المسلمين.. ماذا سأجيب؟! هل أقول لربّ العِزّة: هذا شيعيّ، هذا رافضيّ، هذا صفويّ، هذا يخدعنا، هذه مؤامرة بين الشيعة والصهيونيّة علينا نحن "الفرقة الناجية" أهل "السُنّة والجماعة".. هكذا قال لنا "مشايخنا"، هكذا أمرنا "ولاة أمرنا" ونحن كنّا على آثارهم مُتّبِعون؟! الله لن يسألكَ عن مشايخك وولاة أمرك ماذا قالوا، سيأتي دورهم هم أيضاً وسيُسألون عن أنفسهم لماذا قالوا ما قالوه وفعلوا ما فعلوه، وسيحاسبهم ربُّ العزّة الحساب الوافي. السؤال هنا لكَ، عن نفسكَ، عن العقل والإرادة والتمييز التي وهبك الله تعالى إيّاها وجعلها مناط التكليف شأنك شأن "المشايخ" و"ولاة الأمر"! ثمّ ماذا عن "الضيف"، وماذا عن أهل غزّة، هل هم أيضاً شيعة وروافض وصفويّون؟! أم هذه المرة ستقول أنّهم ينتمون إلي فصيل محظور، وضمن قوائم "الإرهاب"، ولا يخضعون ولا يدينون لـ "الشرعيّة الدوليّة"؟! خُذ ميثاق الأمم المتحدة بيمينك، ودستور بلدك المزعوم بشمالك، وإذا شئت أضف عليهما مجلد "فتاوى" مشايخك وعلماء سلطانك، واذهب بها لملاقاة الله تعالى وانظر هل تشفع لكَ عنده؟! المشكلة مرّة أخرى أنّنا في رمضان، شهر القرآن، القرآن الذي اتخذناه "مزامير" نردّدها ونرتّلها ونجّودها، وليس مرجعيّةً نحتكم إليها، و"ميثاق" و"دستور" حياة، لذا ترانا نتلو قوله تعالى في الآية (159) من "سورة الأنعام"، ونمرّ عليها مرور الكرام (أم تراه مرور اللئام) دون أن تعني لنا شيئاً أو تُلزمنا بشيء: ((إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)). وكذلك الآيات (30 - 32) من "سورة الروم": ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)). ولاحظ كيف قرن الله بين "الشرك" وتفريق الدين، لماذا؟ لأنّه ما فرّق قوم دينهم إلّا لأنّهم أشركوا بالله "شيخاً" أو "إماماً" أو "وليّ أمر" أو "طاغوتاً" أطاعوه في غير ما أمر الله! هاتِ هؤلاء ليجيبوا عنكَ ويدفعوا عنكَ يوم القيامة! .