كتب زياد فرحان المجالي - في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب دائمًا بصواريخ، ولا تُعلن ببيانات رسمية. أحيانًا تبدأ بصمت، عبر أدوات تبدو أقل خطورة، لكنها أكثر تأثيرًا على المدى الطويل. ما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري أو سياسي، بل انتقال واضح نحو استخدام "سياسة الخنق” كأداة رئيسية لإدارة الصراع. هذه السياسة ليست جديدة. كوبا كانت النموذج الأبرز لها، حين تحولت من ساحة مواجهة نووية محتملة إلى دولة مُنهكة اقتصاديًا ومعزولة سياسيًا، بعد أن فقدت عمقها الاستراتيجي مع انهيار الاتحاد السوفيتي. لم تُهزم كوبا في حرب… لكنها خرجت من مركز التأثير تحت ضغط مستمر. اليوم، تُعاد هذه المقاربة في التعامل مع إيران، لكن في بيئة أكثر تعقيدًا. الولايات المتحدة، عبر سياسة "الضغط الأقصى”، لا تستهدف مواجهة مباشرة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل سلوك طهران من خلال العقوبات، والعزل المالي، وخنق صادرات النفط. لكن المقارنة مع كوبا تتوقف عند نقطة واحدة: إيران ليست كوبا. فهي ليست دولة معزولة، بل لاعب إقليمي يمتلك أدوات تأثير متعددة، وأهمها موقعه الجغرافي. مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم، يمنح إيران قدرة استثنائية على تحويل الضغط المفروض عليها إلى ورقة ضغط مضادة. وهنا تكمن الخطورة. لأن أي تصعيد في هذا الممر لا يبقى محصورًا في الإقليم، بل يتحول فورًا إلى أزمة عالمية تمس أسعار الطاقة واستقرار الأسواق. وفي الوقت ذاته، يظهر نموذج آخر لسياسة الخنق في غزة. فما يجري هناك لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يشمل ضغطًا اقتصاديًا وإنسانيًا مستمرًا، يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع دون حسم ميداني شامل. هذا النموذج يعكس تحوّلًا في إدارة الصراع: التحكم بالبيئة بدل المواجهة المباشرة. لكن الجمع بين هذه النماذج — كوبا، غزة، وإيران — يكشف تحولًا أعمق. نحن أمام انتقال من "الخنق كأداة ضغط” إلى "الخنق كاستراتيجية مواجهة”. الولايات المتحدة تحاول إدارة هذا التوازن بدقة، عبر رفع مستوى الضغط دون الوصول إلى انفجار شامل. غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة، لأن التاريخ يثبت أن سياسات الخنق لا تبقى دائمًا تحت السيطرة. ففي بعض الحالات، تؤدي إلى إنهاك الخصم، وفي حالات أخرى تدفعه إلى ردود غير متوقعة، خاصة عندما يمتلك أدوات تأثير خارج حدوده. وفي الحالة الإيرانية، لا يتعلق الأمر برد عسكري مباشر فقط، بل بإمكانية توسيع نطاق التأثير ليشمل الاقتصاد العالمي، عبر الطاقة والممرات البحرية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن إدارة الخنق دون أن يتحول إلى انفجار؟ حتى الآن، لا توجد إجابة واضحة. لكن المؤكد أن ما يجري ليس مجرد ضغط سياسي، بل اختبار دقيق لحدود التوازن الدولي. كوبا خُنقت فخرجت من المشهد، وغزة تُخنق لإعادة تشكيلها، أما هرمز… فإذا دخل المعادلة، فالعالم كله سيكون داخلها. .