تُعد صناعة الأسمدة من الصناعات الاستراتيجية المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي العالمي، إذ يعتمد الإنتاج الزراعي في معظم دول العالم على الإمدادات المستقرة من الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية. ومع تزايد عدد سكان العالم وارتفاع الطلب على الغذاء، أصبحت هذه الصناعة واحدة من أهم الصناعات الكيميائية في العالم، كما أصبحت شديدة الحساسية للأحداث الجيوسياسية وأسواق الطاقة. وتشير التقديرات الدولية إلى أن حجم سوق الأسمدة العالمي يتراوح بين 200 و250 مليار دولار سنوياً، بينما تتجاوز قيمة التجارة العالمية للأسمدة 70 مليار دولار سنوياً. ويبلغ حجم الإنتاج العالمي من الأسمدة بأنواعها المختلفة أكثر من 200 مليون طن سنوياً، مع تركز الإنتاج في عدد محدود من الدول الصناعية والمنتجة للطاقة. هيكل الإنتاج العالمي للأسمدة تسيطر مجموعة محدودة من الدول على الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي للأسمدة، وذلك بفضل توافر الغاز الطبيعي أو الموارد المعدنية اللازمة للإنتاج. وتُعد الصين أكبر منتج للأسمدة في العالم، بينما تتمتع روسيا وكندا بموارد كبيرة من البوتاس والفوسفات، في حين تعتمد صناعة الأسمدة النيتروجينية بشكل أساسي على الغاز الطبيعي. موقع دول مجلس التعاون في الصناعة العالمية تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي ميزة تنافسية مهمة في هذه الصناعة نتيجة توفر الغاز الطبيعي بأسعار منخفضة نسبياً، وهو العنصر الأساسي في إنتاج الأمونيا واليوريا. وتشير التقديرات الصناعية إلى أن دول الخليج تنتج ما بين 35 و40 مليون طن سنوياً من الأسمدة، معظمها من الأسمدة النيتروجينية، ويتم تصدير الجزء الأكبر منها إلى الأسواق الزراعية العالمية. وتعد السعودية أكبر مصدر للأسمدة في المنطقة عبر شركات كبرى مثل سابك للمغذيات الزراعية ومعادن للفوسفات، بينما تلعب قطر وعُمان دوراً مهماً في سوق اليوريا العالمي. أما البحرين فتمتلك حضوراً مهماً عبر شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات (جيبك) التي تنتج الأمونيا واليوريا والميثانول، ويتم تصدير معظم إنتاجها إلى الأسواق الدولية. أهم وجهات صادرات الأسمدة الخليجية تعتمد تجارة الأسمدة الخليجية على الأسواق الزراعية الكبرى في آسيا وأميركا اللاتينية. وتُعد الهند والبرازيل من أكبر مستوردي الأسمدة في العالم بسبب حجم الإنتاج الزراعي الكبير فيهما، ما يجعل الأسواق الآسيوية واللاتينية الوجهة الرئيسة للصادرات الخليجية. تأثير الحرب على صناعة الأسمدة مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، بدأت تظهر مجموعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على صناعة الأسمدة العالمية. أولاً: اضطراب سلاسل الإمداد يمر جزء كبير من تجارة الأسمدة والبتروكيماويات العالمية عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومع تصاعد المخاطر الأمنية، ارتفعت كلفة الشحن وازدادت مدة النقل، ما أدى إلى اضطرابات في الإمدادات العالمية. ثانياً: ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي يمثل الغاز الطبيعي نحو 60 - 70 % من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية. ومع ارتفاع أسعار الطاقة خلال فترات التوتر الجيوسياسي، ترتفع تكاليف الإنتاج بشكل مباشر. ثالثاً: زيادة تكاليف الشحن والتأمين ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب. هذه الزيادات انعكست مباشرة على أسعار الأسمدة في الأسواق الزراعية العالمية، ما يزيد الضغط على تكاليف الإنتاج الزراعي في العديد من الدول. فرص استراتيجية لدول مجلس التعاون رغم هذه التحديات، تفتح التطورات الراهنة فرصاً مهمة لدول مجلس التعاون لتعزيز موقعها في سوق الأسمدة العالمية. أول هذه الفرص يتمثل في زيادة الإنتاج والتصدير في ظل تراجع الإنتاج في بعض المناطق الصناعية في أوروبا بسبب ارتفاع أسعار الطاقة. وثانيها يتمثل في الاستثمار في الأمونيا الزرقاء والخضراء التي يُتوقع أن تلعب دوراً مهماً في اقتصاد الطاقة منخفض الكربون. أما الفرصة الثالثة فتتمثل في تعزيز التكامل الصناعي بين صناعة الغاز والبتروكيماويات والأسمدة بما يزيد من القيمة المضافة للصناعة في المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن للبحرين أيضاً الاستفادة من موقعها اللوجستي في الخليج لتطوير دورها كمركز إقليمي لتجارة الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية.