لقسطرة عاجلة لـ“هرمز”.. وخسائر الاقتصاد الأميركي فاقت 40 ترليون دولار

تراجع الدولار عن حصته من الاحتياطات العالمية من 70 % إلى 58 %   20 % من سوق النفط العالمي و40 % من احتياجاته من الغاز متوقفة الخبير العالمي سلامة لـ “البلاد”: الاقتصاد العالمي سيخسر نقطتين من نموه   لم يتعود العالم أن ينفطم عن نفط الخليج الزاكي؛ ذلك الضرع الذي ظل لعقود يتدفق بلا انقطاع، مغذيًا شرايين الاقتصاد العالمي، ومؤمنًا ما يقارب ثلث الإمدادات النفطية المنقولة بحرًا، وما يزيد على 20 % من إجمالي استهلاك النفط العالمي عبر ناقلات النفط التي تتكود على خاصرة مضيق هرمز غير قادرة من الدخول، إلى جانب أكثر من خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. أعلاه أرقام حقيقة واقية كانت لنا وللعالم ولكنها للأسف أصبحت علينا وعلى العالم مشكلة كبرى وحقيقة غير مطمئنة، بل نقطة هشاشة كبرى، في ظل تصاعد الأحداث العسكرية في الخليج العربي، واتساع رقعة الاشتباك بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والاعتداءات الإيرانية الغاشمة على دول الخليج العربي ومنصات منابع ومكامن الطاقة لتتحول المنطقة من خزان طاقة للعالم إلى ساحة اختبار قاسية لأمنه الاقتصادي. يعد مضيق هرمز رئة عالمية نفطية ولكن هذه الرئة مصابة الآن بجلطة وتحتاج قسطرة فورية لإعادة إمداد الأسواق العالمية التي تأثرت بغلقه حيث توقفت ناقلات النفط والغاز من المرور وتأثر بذلك الاقتصاد العالمي وقفز سعر برميل النفط إلى سعر قياسي بلغ 100 دولار خلال الاسبوع الأول من الحرب ووصل ذروته عند 120 دولارا وانخفض قليلا ووصل في اليوم 18 من  الحرب إلى 100 دولار لخام برنت، فيما كان قبل الحرب أقل من 70 دولارا. وهكذا تتداعى الأمور وتتدحرج وسط تهديدات بتوسع الضربات وضرب المنشآت النفطية، وغلق الممرات البحرية الأخرى ويقف مضيق هرمز كعنق زجاجة تخنق إيران الاقتصاد العالمي من خلاله. ومن هذا المنطلق نرى أن الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل معادلة طاقة معقدة، تتداخل فيها المصالح، وتستخدم فيها الإمدادات كسلاح، والأسعار كأداة ضغط، والأسواق كساحة مواجهة مفتوحة. نحاول في هذا الاستعراض إلى تفكيك ما يجري خلف الضجيج: من المستفيد من إشعال هذه الجبهة؟ وهل بات النفط كما في محطات تاريخية سابقة سلاحًا يدار بوعي لإعادة رسم موازين القوى، أم أن العالم يقف هذه المرة أمام أزمة قد تخرج عن السيطرة، وتفرض واقعا جديدًا لا يشبه ما قبله؟ الانطلاقة والتفكيك  لكي نعرف لماذا تتحرك أميركا بجيشها الآن فهناك محدد خطير وسابقة لها وجاهة كبيرة تقود أميركا الآن إلى حافة الجنون وهي تتمثل في التالي:  في كل مرة تتحرك فيها حاملات الطائرات التابعة لـ الولايات المتحدة الأميركية، لا يكون المشهد مجرد استعراض قوة عسكرية، بل استدعاء لذاكرة طويلة من الهيمنة؛ ذاكرة تشكلت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت واشنطن منتصرة، وأصبحت قوة أعادت صياغة العالم على صورتها، مستندة إلى جيش لم يكن مجرد أداة حرب، بل ذراعا لصناعة النفوذ، وحارسا لمصالح امتدت من الجغرافيا إلى الاقتصاد. ذلك الجيش نفسه كان أحد أعمدة صعود الاقتصاد الأميركي، إذ لم تصنع الهيمنة بالدبابات وحدها، بل بحماية طرق التجارة، وضمان تدفق الطاقة، وفرض معادلات ردعٍ جعلت من الدولار الأميركي عملة العالم الأولى، ورافعة لنظام مالي دولي تمحور حوله لعقود. لكن هذه المعادلة لم تعد صلبة كما كانت، فالدولار، الذي مثل يوما سلاحا اقتصاديا لا يجارى، بدأ يتلقى ضربات متتالية؛ إذ تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى تراجع حصته من الاحتياطيات العالمية من نحو 70 % مطلع الألفية إلى قرابة 58 % في السنوات الأخيرة.  ومع هذا التراجع، لم تعد العقوبات الاقتصادية بالفاعلية ذاتها، بعدما وجدت قوى دولية صاعدة مسارات بديلة للالتفاف عليها، وفي مقدمتها الصين وكانت الانعطافة بعد حرب روسيا وأوكرانيا وقرار واشنطن بتجميد روسيا عن استخدام نظام سويفت هذا المؤشر قاد الكثير من الدول بأن تحسب للأمر كل الحسبان خصوصًا دول بريكست التي قامت عدد منها باستخدام نظام الدفع الصيني بالإضافة إلى سويفت. الاستراتيجيات السريعة  ومن هذا المنطلق سرع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاستراتيجية الاميركية وزيت عجلتها ونفذها بطريقته في الضغط على الصين وصولا إلى يوم اللقاء الذي كان من المزمع أن يكون بداية ابريل ولكن ترامب خرج يوم الاثنين ليؤكد بأنه تم تأجيله وذلك لأن أوراق الضغط الاقتصادية على الصين انخفضت. لذلك قررت أميركا أن تستحوذ على فنزويلا ونفطها وتتحكم فيه، وعادت لتحرك جيشها في الخليج وهذا الأمر أكثر من مجرد استجابة لتوتر إقليمي؛ إنه عودة إلى الأداة الأصلية التي صنعت الهيمنة حين بدأت الأدوات الأخرى تفقد بريقها.  فحين يضعف تأثير العملة، وتتعقد أدوات الضغط المالي، يعود النفوذ إلى صورته الأولى: قوة صلبة تتحرك على وقع المصالح، وتبحث عن إعادة تثبيت التوازن في عالم بدى يتمرد على صيغة تقبله بالقطب الواحد واضف لذلك الآن المصالح الإسرائيلية وإعادة صياغة الشرق الأوسط وجعل إسرائيل شرطي في المنطقة بشروطها وتنسحب أميركا للتفرغ إلى الصين. إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي في خضم هذا التصعيد، لا تبدو الصورة مجرد تحرك عسكري تقليدي، بل أقرب إلى مشهد تتقاطع فيه الحسابات الاستراتيجية مع أخطر أوراق الضغط في التاريخ الحديث: وهي الطاقة.  ومع شراسة المواجهة يطل على السطح مضيق هرمز وما يمثله للاقتصاد العالمي.  وفي هذا الصدد يقول الدكتور خبير النفط والطاقة العالمي في لندن الدكتور ممدوح سلامة لـ “البلاد” إن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران سيكون تأثيرها كبير جدًا؛ لأن مضيق هرمز يعد أهم ممر عالمي خصوصًا أن 20 مليون برميل من النفط من إنتاج الخليج والغاز القطري تمر عبر هذا المضيق، وغلق هذا المضيق يعني حجب 20 % على العالم من احتياجاته النفطية و40 % من احتياجاته من الغاز السائل إذ تعد قطر ثاني أكبر دولة في العالم من انتاج وتصدير الغاز السائل وهي تصدر 85 مليون طن سنويًا وتأثير ذلك كبيرًا جدًا على الاقتصاد العالمي. ونوه أنه في حال استمر الإغلاق لأكثر من شهرين سنجد أن أسعار النفط تصل إلى 120 دولار لخام برنت وهذا سيكلف اقتصاد العالم ما يزيد على 5 تريليونات دولار خلال شهرين من الآن، وأن هذا الأمر سيرفع كلفة الانتاج الصناعي وكلفة المواد الغذائية وأجور الشحن في العالم. وأضاف: “استمرار الإغلاق بالنسبة للولايات المتحدة سيكون أكبر خسارة اقتصادية لها، والسبب أن الولايات المتحدة تستورد 8 ملايين برميل من النفط من مختلف أنحاء العالم وإذا ارتفعت الأسعار إلى 120 دولارا سيؤدي إلى توسع العجز في الميزانية الأميركية مما يحتم على البنك الفدرالي الأميركي المزيد من الدولار لسد العجز ويؤدي إلى ارتفاع ديون الولايات المتحدة في عام 2026 إلى ما يزيد عن 40,8 ترليون دولار وهذا مبلغ لا تستطيع الولايات المتحدة أن تسده الآن وحتى إلى أبد الآبدين، وتجد صعوبة في دفع الفائدة السنوية على هذه الديون التي تصل إلى 1,3 لكل  10 تريليون دولار”. وتابع: أما تأثير وقف الإمدادات من مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي إذا استمر لمدة شهرين، يخسر الاقتصاد العالمي نقطتين مئويتين من نموه أي بدلا من أن ينمو بنسبة 3 من 10 هذا العالم سينمو من 1 إلى 3 من 10 إضافة خسائرة للاقتصاد العالمي تصل إلى 5 تريليونات دولار. وذكر أن ضرب المنصات النفطية أنه حتى لو أعيد فتح مضيق هرمز سيكون على ذلك تأثير على الدولة المنتجة على النفط مما سيخلق عجز في الأسواق ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ليس بالمستوى الناتج عن مضيق هرمز ولكن قد يستقر عند 80 دولارا، لحين تستطيع هذه الدول من إعادة انتاجها من جديد. ولفت إلى أن الطاقة هي العمود الفقري للاقتصاد العالمي، وبدونها لا يستطيع الاقتصاد العالمي أن ينمو بل سينهار، وإذا كانت دولة لديها احتياطي كبير من النفط والغاز سيكون لها قوة غير عسكرية ولكن قوة استراتيجية هائلة. وأوضح أن دور سلاح الطاقة هائل وإن الإيرانيين يعتقدون أن إغلاق مضيق هرمز هو أقوى سلاح تستخدمه في وجه أميركا واسرائيل، وإيران تعلم إن بإغلاق المضيق سيصيبها الضرر مثلها في ذلك مثل كل دول الخليج العربي ولكن لديها اعتبارات أخرى، ولذلك هي ستبقي مضيق هرمز مغلقا إلى أن تتوقف الولايات المتحدة واسرائيل عن مهاجمتها. سلاح النفط الفعال لم يكن النفط يوما مجرد سلعة تضخ من باطن الأرض، بل كان سلاحا يعاد به رسم موازين القوى، فمنذ حرب أكتوبر 1973، حين قررت الدول العربية المنتجة استخدام سلاح الحظر النفطي للضغط على الغرب، دخل العالم مرحلة جديدة أدرك فيها أن الطاقة يمكن أن تشل الاقتصادات كما تفعل الجيوش في الميدان، يومها، لم ترتفع الأسعار فقط، بل انكشفت هشاشة النظام الدولي أمام قرار سيادي اتخذته دول تمتلك مفاتيح الإمداد. ثم تكرس هذا المعنى في أزمات لاحقة، وصولا إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث تحول الغاز إلى أداة ضغط مباشرة على أوروبا، بعد أن خفضت موسكو الإمدادات، فارتفعت الأسعار، واهتزت صناعات، ووجدت القارة نفسها أمام شتاء ثقيل تحكمه حسابات الطاقة قبل السياسة. اليوم، يعود المشهد ذاته ولكن بأدوات أكثر خطورة وتعقيدًا، الأحداث المتصاعدة في الخليج، وغلق مضيق هرمز، يعيدان طرح السؤال القديم بصيغة أشد حدة: ماذا يحدث عندما يُستخدم النفط ومعه الغاز كسلاح شامل في قلب الاقتصاد العالمي؟! الفرق هذه المرة أن العالم أكثر اعتمادا، وأكثر تشابكا، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات، فإذا كان سلاح النفط في 1973 قد غير موازين السياسة، وفي أزمة روسيا وأوروبا قد أعاد تشكيل أسواق الطاقة، فإن توقيف إمداده من قبل إيران باستهدافاتها لأدواته ومنابعه وحاملاته قد لا يكتفي بإعادة رسم المشهد بل قد يعيد تعريف قواعد اللعبة بأكملها. ليست أزمة عابرة  وفي امتداد هذا المشهد المتوتر، تتعالى التحذيرات من أن ما يجري لم يعد مجرد أزمة عابرة، بل منعطف حاد قد يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. ففي قراءةٍ للمشهد، يؤكد الخبير الاقتصادي د. جعفر أكبري أن غلق مضيق هرمز يشكل تحديًا كبيرًا لاقتصادات المنطقة والعالم، موضحًا أن الأزمة بدأت بالفعل تُلقي بظلالها، مع وصول سعر برميل النفط إلى حدود 100 دولار، وسط إرباكات واضحة في أسواق النفط والغاز والطاقة عالميًا. وأضاف أن العالم يقف اليوم على مفترق طرق، محذرًا من أن استمرار الحرب لأسبوعين إضافيين قد يدفع بأسعار النفط إلى حدود 200 دولار للبرميل، مؤكدًا أن هذا التقدير يستند إلى قواعد علمية مرتبطة بحجم الإمدادات وتعطلها. ويبيّن أن حتى في حال إعادة فتح المضيق، فإن عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة لن تكون سريعة، بل ستحتاج إلى وقت طويل لإعادة التوازن إلى الأسواق. تعطل الاقتصادات العالمية ونوه أكبري إلى أن استعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب قد تستغرق ما بين 3 إلى 5 سنوات، خاصة بالنسبة لدول الخليج، من أجل إعادة ضخ الطاقة بالوتيرة ذاتها التي اعتاد عليها الاقتصاد العالمي، وهو ما يعني بحسب أكبري تعطلا واسعًا يطال مختلف اقتصادات العالم. ويذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن المخاوف الأميركية والإسرائيلية لا تتركز بالدرجة الأولى على الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية، بقدر ما تتركز على سلاح النفط، الذي يصفه بأنه سلاح فتاك فعليًا ونقطة ضعف اقتصادية حقيقية. كما يلفت إلى أن الرئيس دونالد ترامب خسر جزءًا من موقعه السياسي على الساحة الدولية، ولم يتمكن من حشد دعم أوروبي واسع، في ظل رفض عدد من الدول الانخراط في هذا المسار، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تجد نفسها الآن متورطة في كيفية إنهاء هذه الحرب، وتسعى إلى الخروج منها نظرًا لكلفتها المرتفعة. ويختتم بالتأكيد على ضرورة بلورة موقف خليجي موحد لمواجهة التحديات القادمة، وإعادة صياغة الاستراتيجيات الاقتصادية والأمنية بما يتلاءم مع حجم التحولات، مشيرًا إلى أنه سيطرح رؤيته بشكل موسّع بعد انقضاء هذه المرحلة الحرجة. وفي الأخير... في ظل إغلاق مضيق هرمز، لم تعد الأزمة احتمالًا بل واقعا يضغط على صدر العالم؛ اقتصادات تئن، وأسعار تتصاعد، وممرات طاقة تحولت إلى ساحات صراع مفتوحة. ووسط هذا الضجيج، تتكاثر الأسئلة أكثر من الإجابات: متى ستوقف هذه الحرب؟ ومن يدفع كلفتها الحقيقية؟ ومن المستفيد من بقاء النار مشتعلة في قلب شريان الطاقة العالمي؟ ولماذا لا تتوقف.. رغم أن الجميع يدرك حجم الخسائر؟ وما هي الدوافع لاستمرارها؟! ولماذا يستهدف دول مجلس التعاون؟! أسئلة معلقة فوق أسواق مضطربة وعالم قلق، فيما الحقيقة الوحيدة التي تتكشف يومًا بعد آخر: أن هذه الحرب، كلما طال أمدها، لم تعد تبحث عن منتصر بقدر ما تعيد تعريف الخاسرين.