الذهب يخالف التوقعات في زمن الحرب... لمـاذا لـم يلمـع رغـم اشتعـال المنطقـة؟

في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يواصل الذهب تسجيل أداء يوصف بـ “المتحفظ” مقارنة بحجم المخاطر الجيوسياسية، هذا السلوك يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الأزمات العسكرية وأسعار المعدن الأصفر، خاصة في ظل بيئة اقتصادية عالمية مختلفة عمّا كانت عليه في أزمات سابقة. اللافت أن الذهب لم يفقد دوره كملاذ آمن، لكنه لم يعد يتحرك تلقائيًا مع كل تصعيد عسكري، إذ باتت العوامل النقدية، وعلى رأسها قوة الدولار الأمريكي، تلعب الدور الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه الأسعار. فمع استمرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تبني سياسات نقدية متشددة نسبيًا، ترتفع العوائد على أدوات الدين، ما يعيد توجيه السيولة نحو السندات بدلًا من الذهب. هذا التحول يعكس تغيرًا هيكليًا في سلوك المستثمرين، حيث لم يعد “الخوف” وحده كافيًا لدفع الأسعار نحو الارتفاع، بل يجب أن يقترن بضعف في العوائد البديلة. وتشير تقديرات مجلس الذهب العالمي إلى أن الطلب الاستثماري على الذهب بات أكثر حساسية لحركة العوائد الحقيقية، ما يعني أن أي ارتفاع في الفائدة أو في قيمة الدولار يحدّ تلقائيًا من مكاسب الذهب، حتى في ظل أجواء التوتر. وهذا يفسر إلى حد كبير حالة التوازن الحالية في الأسعار، حيث تتقابل مخاطر الحرب مع ضغوط السياسة النقدية في اتجاهين متعاكسين. في السياق ذاته، يبدو أن الأسواق المالية تعاملت مع التصعيد الراهن باعتباره سيناريو متوقعًا، وليس صدمة مفاجئة. فالمستثمرون أعادوا ترتيب محافظهم مسبقًا، وهو ما يفسر غياب موجة شراء كثيفة للذهب عند اندلاع الأحداث. ووفق تحليلات JPMorgan Chase، فإن رد فعل الأسواق يكون أقوى عندما تحمل الأحداث عنصر المفاجأة أو تهدد استقرار النظام المالي العالمي، وهو ما لم يتحقق بالكامل حتى الآن في هذه المواجهة. كما أن غياب التأثيرات الاقتصادية المباشرة حتى اللحظة يقلل من جاذبية الذهب، فأسواق الطاقة، رغم حساسيتها، لم تشهد تعطّلًا حادًا في الإمدادات، وسلاسل التوريد العالمية لا تزال تعمل دون اضطرابات كبيرة، على الرغم من من اغلاقات مضيق عرمز هذا يعني أن الأزمة، من منظور الأسواق، لم تتحول بعد إلى أزمة اقتصادية شاملة، بل لا تزال ضمن إطار “التوتر الجيوسياسي القابل للاحتواء”، وهو عامل أساسي في تفسير استقرار الذهب نسبيًا. وعند النظر إلى السوابق التاريخية، يتضح أن سلوك الذهب في الأزمات ليس خطيًا، خلال غزو العراق 2003، ارتفعت الأسعار قبل اندلاع الحرب مدفوعة بحالة القلق، لكنها تراجعت مع بدء العمليات العسكرية، بعد زوال حالة عدم اليقين، وفق تحليلات رويترز، ما يعكس أن “وضوح الحدث” قد يكون عاملًا ضاغطًا على الذهب. وفي حادثة اغتيال قاسم سليماني، قفز الذهب بشكل سريع، لكنه لم يحافظ على مكاسبه، إذ تراجعت الأسعار مع تراجع احتمالات التصعيد الواسع، بحسب تقارير بلومبرغ. هذا النمط يعزز فكرة أن الذهب يتفاعل بقوة مع “الخطر المفاجئ”، لكنه يتراجع عندما يتبين أن الأزمة محدودة. أما خلال الحرب الروسية الأوكرانية، فقد سجّل الذهب ارتفاعات ملحوظة في البداية، لكنه عاد للتراجع لاحقًا، متأثرًا بصعود الدولار وتشديد السياسات النقدية، وهو ما وثقه صندوق النقد الدولي في تقاريره حول الأسواق العالمية. وتكرر السيناريو ذاته خلال حرب غزة 2023، حيث بقيت مكاسب الذهب محدودة نسبيًا، نتيجة بقاء الصراع ضمن نطاق جغرافي ضيق، وعدم انتقاله إلى أزمة اقتصادية عالمية، وفق تقييمات البنك الدولي. بناءً على ذلك، يمكن القول إن الذهب في المرحلة الحالية يقف عند نقطة توازن دقيقة بين قوتين متعارضتين: من جهة، التوترات الجيوسياسية التي تدعم الطلب عليه، ومن جهة أخرى، السياسات النقدية المشددة التي تحدّ من هذا الطلب. هذه المعادلة تفسر حالة “الجمود النسبي” في الأسعار، رغم سخونة المشهد السياسي. ومع ذلك، تبقى هذه الحالة قابلة للتغير السريع. فأي تطور نوعي—مثل تعطّل فعلي في إمدادات الطاقة، أو توسع رقعة المواجهة إقليميًا، أو دخول الاقتصاد العالمي في حالة اضطراب مالي—قد يدفع الذهب إلى استعادة دوره التقليدي بقوة. وحتى ذلك الحين، سيظل المعدن الأصفر محكومًا ليس فقط بالخوف من الحرب، بل أيضًا بكلفة الفرصة البديلة التي تفرضها السياسات النقدية العالمية.