الألعاب الالكترونية والفضاءات التفاعلية في قانون حماية حق المؤلف الأردني: ثغرة تشريعية وفجوة قانونية

في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، أصبحت الألعاب الإلكترونية والفضاءات التفاعلية من أهم أشكال الإبداع الرقمي المعاصر، بل وأحد أبرز الصناعات الثقافية والاقتصادية عالميًا، غير أن التشريعات التقليدية، ومن بينها قانون حماية حق المؤلف الأردني رقم (22) لسنة 1992، لم تواكب هذا التحول بصورة كافية، مما أفرز إشكالية قانونية حقيقية تتعلق بمدى انطباق الحماية على هذه المصنفات الحديثة. ينطلق القانون الأردني من مفهوم تقليدي للمصنف، حيث يعرفه في المادة 2 من قانون حماية حق المؤلف الأردني؛ بأنه "كل إبداع أدبي أو فني أو علمي"، دون أن يتضمن نصوصًا صريحة تعالج المصنفات الرقمية التفاعلية مثل ألعاب الفيديو أو البيئات الافتراضية، وعلى الرغم من أن هذا التعريف الواسع قد يسمح بتفسير مرن يشمل بعض أشكال البرمجيات، إلا أن غياب التنظيم الصريح للألعاب الإلكترونية يثير إشكالات متعددة، خاصة فيما يتعلق بالطبيعة المركبة لهذه المصنفات، التي تجمع بين البرمجيات، والرسوم، والموسيقى، والسيناريو، والتفاعل اللحظي مع المستخدم. تكمن المشكلة الأساسية في أن الألعاب الإلكترونية ليست مجرد "مصنف ثابت”، بل هي منظومة تفاعلية متغيرة تعتمد على تدخل المستخدم، وهو ما يجعلها تخرج عن النمط التقليدي الذي بُني عليه قانون حماية حق المؤلف الأردني، كما أن هذا القانون السابق ذكره لا يعالج مسائل حديثة مثل حقوق اللاعبين في المحتوى الذي ينشئونه داخل الألعاب (User-Generated Content)، ولا مسؤولية المنصات الرقمية، ولا طبيعة التراخيص الإلكترونية، مما يؤدي إلى فراغ تشريعي واضح. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن بعض الدول المتقدمة قد تعاملت مع هذه الإشكالية بمرونة تشريعية وتفسيرية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يخضع تنظيم الألعاب الإلكترونية لقانون حق المؤلف (Copyright Act)؛ فقد اعتبرت المحاكم الأمريكية ألعاب الفيديو مصنفات سمعية بصرية (Audiovisual Works)، كما في قضية Atari v، Amusement World؛ حيث تم الاعتراف بحماية عناصر اللعبة ككل، بما في ذلك الرسومات والتسلسل البصري، إضافة إلى ذلك، جاء قانون الألفية الرقمية لحقوق المؤلف (DMCA) ليعالج قضايا البيئة الرقمية، مثل الحماية من التحايل على أنظمة الحماية التقنية، وتنظيم مسؤولية مزودي الخدمات على الإنترنت. أما في المملكة المتحدة، فقد تم التعامل مع الألعاب الإلكترونية من خلال قانون حق المؤلف والتصاميم والبراءات لعام 1988 (CDPA وتعديلاته؛ حيث تُحمى الألعاب باعتبارها برامج حاسوب من جهة، ومصنفات فنية وسمعية بصرية من جهة أخرى، بالإضافة إلى ذلك، ساهمت التوجيهات الأوروبية، وخاصة التوجيه الخاص بالمجتمع المعلوماتي (InfoSoc Directive)، في تطوير إطار قانوني يعالج الاستنساخ الرقمي والتوزيع عبر الإنترنت، وهو ما أوجد حماية أكثر شمولًا للأعمال التفاعلية. وفي فرنسا، اتخذ المشرع والقضاء موقفًا أكثر تطورًا، حيث اعتبر القضاء الفرنسي الألعاب الإلكترونية "مصنفات مركبة” (œuvres complexes)، تجمع بين عدة عناصر محمية، وهو ما أقرته محكمة النقض الفرنسية في عدة أحكام، كما تم إدماج قواعد الاتحاد الأوروبي في التشريع الفرنسي، بما في ذلك التوجيهات المتعلقة بحقوق المؤلف في البيئة الرقمية، مما ساهم في توفير حماية قانونية متكاملة لهذا النوع من المصنفات. من خلال هذه المقارنة؛ يتضح أن الدول المتقدمة لم تكتفِ بتطبيق النصوص التقليدية، بل عملت على تطوير تشريعاتها أو تفسيرها بما يتلاءم مع الطبيعة الخاصة للألعاب الإلكترونية، وقد شمل ذلك الاعتراف بالطبيعة المركبة والتفاعلية لهذه المصنفات، وتنظيم المسؤولية الرقمية، وتحديث مفاهيم النسخ والنشر في البيئة الإلكترونية. في المقابل، لا يزال القانون الأردني يفتقر إلى نصوص صريحة تعالج هذه المسائل، وهو ما يؤدي إلى حالة من التخبط والعشوائية؛ سواء بالنسبة للمطورين أو المستثمرين أو المستخدمين، كما أن هذا القصور قد يحد من قدرة الأردن على جذب الاستثمارات في قطاع الألعاب الرقمية، الذي يُعد من أسرع القطاعات نموًا عالميًا. وعليه، فإن الحل يكمن في تبني نهج تشريعي حديث يستلهم التجارب المقارنة، وذلك من خلال تعديل نصوص قانون حماية حق المؤلف الأردني ليشمل نصوصًا صريحة تنظم الألعاب الإلكترونية والفضاءات التفاعلية؛ إذ يمكن أن يتضمن ذلك الاعتراف بالألعاب كمصنفات مركبة، وتنظيم حقوق المستخدمين داخل البيئات الرقمية، ووضع قواعد واضحة لمسؤولية المنصات، إضافة إلى إدخال أحكام تتعلق بالحماية التقنية، على غرار ما جاء في القانون الأمريكي (DMCA) والتشريعات الأوروبية. إن تبني هذا النهج لا يعني مجرد نقل النصوص الأجنبية، بل تكييفها بما يتلاءم مع البيئة القانونية الأردنية، مع الحفاظ على التوازن بين حماية حقوق المؤلف وتشجيع الابتكار والوصول إلى المعرفة، فالتشريع لم يعد مجرد أداة لتنظيم الواقع؛ بل أصبح وسيلة لاستشراف المستقبل، وهو ما يتطلب من المشرع الأردني التحرك لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة. إذًا، فإن معالجة إشكالية الألعاب الإلكترونية في قانون حق المؤلف الأردني لم تعد خيارًا، بل ضرورة قانونية واقتصادية، تفرضها طبيعة العصر الرقمي، وتؤكدها التجارب المقارنة التي أثبتت أن التحديث التشريعي هو السبيل الأمثل لضمان حماية الإبداع وتشجيع الاستثمار في آن واحد. .