تايوان واليابان بين نارَي طهران وبكين وحرب إيران تعيد تشكيل معادلات شرق آسيا

تبدو الحرب الدائرة على إيران منذ 28 شباط 2026 اختبارًا قاسيًا لقدرة شرق آسيا على تحمّل صدمةٍ تأتي من خارج الإقليم، لكنها تصيب مفاصله الحيوية مباشرةً. فالإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وهو الشريان الذي يمر عبره الجزء الأعظم من واردات النفط والغاز إلى آسيا، أدى الى نقل الارتدادات من أسعار الطاقة إلى أسواق المال ثم إلى غرف صناعة القرار في طوكيو وتايبيه معًا، قبل أن تنعكس على معادلات الردع وتوازنات التحالفات وتعريف "الأمن” في البلدين. وقد سجّلت تقارير دولية أن أثر الحرب على اقتصاديات آسيا كان الأكثر حدّة عالميًا، مع تعطل الملاحة عبر هرمز وارتفاع كلفة الاستيراد وتوسع ضغوط المعيشة في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة المستوردة. في اليابان، ورغم امتلاكها واحد من أكبر الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط، ظهر سريعًا أن المخزون ليس سياسة طاقة بقدر ما هو إسفنجةٌ مؤقتة لامتصاص الصدمة. اهتزّ مؤشر نيكّاي بقوة وتراجع الين تحت ضغط كلفة الواردات، فيما سارعت الحكومة إلى إنشاء مقر طوارئ لإدارة أزمة الإمدادات وتخفيف أثر التضخم، بالتوازي مع مراجعة حثيثة لمزيج الطاقة المحلي وحدود الاعتماد على ممرات بحرية بعيدة ومضطربة. وقد قُدِّر أن اليابان تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 95% من نفطها، وأن قرابة 70% من هذه الإمدادات تمر عبر هرمز، ما يفسّر حجم القلق الرسمي والشعبي معًا من طول الأزمة. وفي تايوان، الأكثر هشاشة بحكم الجغرافيا وقيود الموارد، انعكست الأزمة على صميم الاقتصاد التقني للجزيرة. فتايبيه تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها من الوقود الأحفوري، وتعتمد مصانع الرقاقات المتقدمة على تدفق منتظم للغاز الطبيعي المُسال. ومع تعطل المرور عبر هرمز، أعلنت الحكومة إطار تعاون طارئًا مع اليابان وكوريا الجنوبية لتبادل الغاز عند الضرورة، وسعت لتقديم شحنات بديلة عاجلة من الولايات المتحدة وأستراليا والشراء من السوق الفورية، في مسعى لتفادي أي توقف في سلاسل الإنتاج ذات الحساسية العالمية. تُفاقِم هذه الصدمة الطاقية بُعدًا جيوسياسيًا إضافيًا. فقد رصدت تحليلات متخصصة مؤشراتٍ على مباحثات صينية–إيرانية لتمكين عبورٍ انتقائي لسفن مرتبطة بالصين عبر هرمز، وهو أمر ما تزال الدلائل العملية على انتظامه محدودة ومحلّ حذر، إلا أن مجرد إمكانه يطرح صورة "نظام مرور ثنائي” عند أهم عنق زجاجة للطاقة: مسارٌ مُيسَّر نسبيًا للصين، ومسارٌ مثقلٌ بالعوائق لليابان وحلفائها. لو ترسخ هذا النمط لَتجاوز أثره أسعار الوقود إلى ميزان النفوذ الإقليمي بأسره. ولفهم حساسية اللحظة بين الصين واليابان وتايوان، لا بد من استعادة خيطٍ من التاريخ القريب. فمنذ معاهدة شيمونوسيكي عام 1895 أصبحت تايوان تحت الحكم الياباني نصف قرنٍ كاملًا حتى 1945، قبل أن تُعاد إلى جمهورية الصين بموجب ترتيبات ما بعد الحرب وسياق إعلان القاهرة (1943). ثم جاءت الحرب الأهلية الصينية لتُنتج معادلة "ازدواج الشرعية” منذ 1949: جمهورية الصين الشعبية على البرّ الرئيسي، وجمهورية الصين في تايوان. وفي 1972 اعترفت طوكيو ببكين حكومةً وحيدة للصين وأنهت العلاقات الرسمية مع تايبيه، لكنها أبقت قنوات "شبه رسمية” وثيقة في التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد قنواتٌ اكتسبت معنى أمنيًا متزايدًا مع اقتراب الصين عسكريًا من سواحل الجزيرة وحساسية سلسلة جزر ريوكيو/أوكيناوا حيث ترتكز قدرات يابانية وأميركية رئيسية. في هذا السياق المشحون، جاءت تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكائتشي لتُحدث انعطافًا لغويًا سياسيًا مهمًا في طوكيو. ففي تشرين الثاني 2025 قالت أمام البرلمان إن استخدام الصين للقوة ضد تايوان قد يُشكّل "وضعًا يهدد بقاء اليابان”، ما قد يفتح وفق تشريعات الأمن الجماعي بابَ ممارسة الحق في الدفاع الجماعي إلى جانب الولايات المتحدة إذا تدخلت واشنطن لكسر حصار أو طوق عسكري على الجزيرة. وقد أوضح محللون أن هذا الطرح لا يخرج عن الإطار القانوني الذي أُقِرّ منذ 2014–2015، لكنه شكّل المرة الأولى التي يربط فيها رئيس وزراء صراحة حالة طوارئ تايوانية بنصّ "تهديد بقاء اليابان”. ردّت بكين بغضب شديد، ووصفت التصريحات بأنها "تجاوز للخط الأحمر”، وتطوّر السجال إلى مراسلات رسمية في الأمم المتحدة تبادلت فيها طوكيو وبكين الاتهامات، فيما تمسّكت اليابان بأن السلام والاستقرار في مضيق تايوان "ضرورة لأمن المجتمع الدولي ” وليسا قضية ثنائية فحسب. وقد رفضت تاكائتشي التراجع عن جوهر تصريحاتها، مكتفية بالقول إنها ستتجنب لاحقًا طرح سيناريوهات محددة علنًا. هكذا عزّزت الأزمة صورة اليابان كطرفٍ يُعيد تعريف أمنه القومي بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمن المضيق والجزر الجنوبية. زاد المشهد تعقيدًا مع مؤشراتٍ على إعادة توزيع قطعات عسكرية أميركية من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط في الأسابيع الأولى للحرب، وهي تحركات حذّر مسؤولون يابانيون سابقون من أنها قد تُضعف مؤقتًا ميزان الردع في محيط اليابان، وتُلزم طوكيو بتسريع تعزيز قدراتها الذاتية على حماية الممرات البحرية من جنوب شرق آسيا حتى بحر الصين الشرقي. هذه القراءة تُقرّب سياسيًا بين ملفات أمن الطاقة وأمن البحر، وتدفع اليابان إلى دورٍ أكثر فاعلية في مبادرات حماية الملاحة، بالتوازي مع سياسة اقتصادية–طاقة تُقلّص هشاشة الاعتماد على ممرّ واحد. في تايوان، اتخذت الأزمة دلالةً استراتيجية أوسع من ترتيبات الغاز الطارئة. فالحفاظ على تشغيل صناعة الرقاقات "المصنع العصبي” للاقتصاد الرقمي العالمي أضحى مرهونًا بإعادة هندسة خرائط الإمداد بعيدًا عن الخليج، وبشبكات أمان طاقة ومالية ولوجستية مع شركاء أقربين. وقد أظهرت الإجراءات الأولى لربط توافر الغاز مع اليابان وكوريا الجنوبية أن أمن الطاقة في شمال شرق آسيا يُدار أكثر فأكثر كقضيةٍ واحدة لا تتجزأ. أما الصين فبدت في مفارقةٍ لافتة: احتياطيات نفطية هائلة وبنية كهربائية أقل اعتمادًا على النفط والغاز مقارنة بجيرانها تمنحها قدرة أعلى على امتصاص صدمات الإمداد، مقابل ضعفٍ بنيوي في شبكة التحالفات العسكرية السياسية القادرة على "مضاعفة القوة” عبر الجغرافيا كما تفعل الشبكات الأميركية. وقد أبرزت الحرب أن الفائض المادي وحده لا يصنع طمأنينة استراتيجية، وأن اختبار التحالفات هو ما يحدد ميزان النظام في غرب الهادئ. تتوزع مآلات الأسابيع المقبلة بين انفراجٍ يُعيد فتح هرمز تدريجيًا ويُخفف الضغوط على طوكيو وتايبيه مع بقاء "ندوب السياسة” التي تفرض تنويعًا أعمق لعقود التوريد، وبين إغلاقٍ ممتدّ يستنزف الاحتياطيات ويرفع مخاطر الركود التضخمي في اليابان ويضغط على تشغيل المصانع في تايوان، وبين سيناريو ثالثٍ أشد وطأة تُسيَّس فيه حقوق المرور فيتشكل نظام عبورٍ مفضَّل لسفن مرتبطة بالصين، بما يخلق اختلالًا هيكليًا في أمن الطاقة لا يُعالج إلا بتكتلاتٍ طاقة–أمنية بديلة وتشدّدٍ أكبر في ردع أي اختبار حول المضيق وأوكيناوا. وكلها احتمالاتٌ لا تتساوى في كلفتها لكن يجمعها مقصد واحد: تحويل أمن الطاقة إلى سياسة دولة لا سياسة أزمة. ويبقى السؤال هل تلوح في الأفق أي مؤشرات على صدام عسكري في المنطقة؟ عند هذه النقطة تحديدًا، يرتفع احتمال الصِدام المحدود لا الحرب الشاملة. فالتجربة الحديثة تشير إلى أن الممرات البحرية المتنازع عليها تُدار غالبًا عبر أدوات "الضغط الرمزي”: طلعات جوية مكثفة، مناورات صاروخية قرب المياه الإقليمية، اعتراضات في مناطق التعرّف الجوي، أو حصار بحري–جوي قيد التنفيذ دون إعلان. الجديد اليوم أنّ هذه الأدوات تقع فوق أرضية اقتصادية رخوة: اختناق هرمز رفع ثمن أي احتكاك إضافي في غرب الهادئ، وأي حادثة تكتيكية قرب ريوكيو/سينكاكو أو في المضيق قد تتدحرج بسرعة إلى أزمة مالية–طاقة مزدوجة في طوكيو وتايبيه. لماذا إذن يُرجَّح الصدام المحدود لا الحرب الواسعة؟ أولًا، لأن كلفة الحرب الشاملة على جميع الأطراف بما فيها الصين باهظة سياسيًا واقتصاديًا، خصوصًا مع تشابك التجارة وسلاسل الإمداد في آسيا. وثانيًا، لأن الدور الأميركي، رغم انشغاله بجبهة الشرق الأوسط، لا يزال يقوم بوظيفة "الموازن الاستراتيجي”: واشنطن دعمت رسائل طوكيو الأممية في مواجهة الخطاب الصيني، وتؤمّن شريانًا بديلًا لتايوان عبر شحنات الغاز الأميركية، وتُعيد معايرة حضورها البحري في غرب الهادئ بما يكفي غالبًا لردع أي اندفاعة غير محسوبة. لكن هذا لا يلغي نافذة خطرة: نقل بعض الموارد الأميركية إلى الخليج خلق، وفق تحذيرات يابانية، فراغًا نسبيًا قد يشجع بكين بطلعات كثيفة أو باختبارات حصار قصيرة تقيس بها أعصاب التحالف. ما الذي ستفعله الولايات المتحدة إذًا؟ ثمة أربعة مسارات متداخلة. أولها، إدارة توزيع القوات بين الخليج وغرب الهادئ على نحو يحدّ من الفراغ الردعي دون الانغماس في حربين؛ وقد بدأت مؤشرات التحريك بالفعل ما دفع طوكيو لتحذير من آثار جانبية على البيئة الأمنية المحيطة. ثانيها، دعم الطاقة واللوجستي لتايوان لتفادي صدمة انقطاع الغاز، وهو دعم بدأ عمليًا عبر تسريع الشحنات الأميركية للجزيرة. ثالثها، تعزيز التحالف مع اليابان في حماية الممرات البحرية وإسناد سلاسل الإمداد ولو دبلوماسيًا ولوجستيًا في الحد الأدنى، حتى تنقضي ذروة أزمة هرمز. ورابعها، الضغط الدبلوماسي في الأمم المتحدة وساحات متعددة لفرملة التصعيد السياسي الذي قد يحوّل المناوشات إلى اشتباك مفتوح. هذه المسارات، معًا، ترسم دورًا أميركيًا "كابحًا” للتدهور السريع، لكنه ليس صمام أمان مطلقًا في ظل تعدد بؤر الاشتعال. في المحصلة، تدخل تايوان واليابان معًا زمن "حروب الممرات”؛ زمنٌ تُقاس فيه القوة بسلامة صمّامات الطاقة بقدر ما تُقاس بموازين الأساطيل. بالنسبة إلى تايوان، يعني ذلك اصطفافًا أوضح مع منظومات إمداد قادرة على حماية الصناعة فائقة الحساسية حتى في أوقات الندرة، وتوثيقًا أشد للعُرى مع اليابان والولايات المتحدة ضامنتَي الملاحة والتكنولوجيا. وبالنسبة إلى اليابان، تعني الأزمة لحظة ضبطٍ كبرى لعلاقة البلاد بالطاقة والدفاع، حيث تُصاغ سياسة ردعٍ تُساوي بين حماية الممرات وحماية التراب، ويصبح الاستقرار في مضيق تايوان جزءًا من تعريف "البقاء” الياباني نفسه كما صاغته اللغة السياسية الجديدة في طوكيو. * الكاتب رئيس الجمعية الاكاديمية الأردنية اليابانية .