ليلة القدر بين الرمزيّة والفتوحات البشريّة

كانت أُمّي عليها رحمة الله، تحدثنا في طفولتنا عن ليلة القدر، وكنّا نطلب منها توقظنا إذا حلّت ساعتها؛ طمعاً في تحقّق أحلامنا وطموحاتنا، دون تعب ولا بذل جهد ولا أسباب؛ إلا أنّها تعود، وتؤكد أنه لن يراها إلا صاحب قلب نظيف، وغير مؤذٍ ولا كذّاب، وسردت علينا أسماء (صدّاقين) من قريتنا، حظيوا برؤيتها، وهم ممن نقول عنهم (على نياتهم).لا خلاف على أنّ للدِّين في البيئة القرويّة، مكانةً كبيرة، وهي من مكانة الله في صدور الناس، بما فيهم الظلمة، إلا أن غاية ما يطلبه القروي البسيط من ربه العفو والعافية، على مستوى شخصي، والمطر على المستوى العام، فالعفو والعافية يعنيان الصحة والنشاط، والمطر يعني الاقتصاد؛ متمثلاً في توفر لقمة العيش لكافة الفئات، وللمزارعين على وجه الخصوص.ومما لفت نظري، أن هناك من يريد تأكيد إدراكه زمن ليلة القدر، بالكشف عن الليلة التي كانت فيها! علماً بأنها ليلة ليست للجميع، وما ليس للجميع، لا يمكن أن ندركه بالحواس، فهذا خاص بنور الرؤية القلبيّة التي لا ينالها إلا ذو حظّ عظيم، كما أنّ ليلة القدر تكون في بلد، وليست في ذات الوقت في كل البلدان، بحكم فوارق التوقيت، وفي صباح يوم الثالث والعشرين من رمضان، خرج عدد من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي والمصورين لمناطق جبلية ليثبتوا أن الشمس طلعت بدون شعاع، موافقةً لما ورد في الحديث، لتأكيد صحة موعد ليلة القدر، علماً بأن الشمس التي أشرقت صبيحة ليلة القدر، زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليست هي بالضرورة ذات الشمس، والمناخ ليس هو المناخ، والناس الذين رأوها ونالوا شرفها، بالطبع ليسوا هم نفس الناس.وظهر قبل شهر رمضان هذا العام، على مواقع التواصل أحد مفسري الأحلام، ليؤكد أنّ ليلة القدر ستكون ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، معتمداً على رؤية رآها أحد المشايخ كما قال، وربما كان تفسيره صحيحاً، إذ لا اعتراض على الأحلام ولا على تفسيرها، باعتبارها مبشّرات كما جاء في الآثار، إلا أنه إذا أخذنا في الاعتبار اختلاف المطالع، وتفاوت البلاد الإسلامية وغيرها في الليلة نفسها؛ فمعنى ذلك أنها ستكرر أكثر من ليلة، باعتبار ثلاثة وعشرين عندنا إما متقدمة أو متأخرة بحسب دوران الأرض وحركة الشمس والقمر!.هذه المقدمة تعيدني إلى أهمية حفظ رمزية الأمكنة والأزمنة والمواقيت، والرمزيّة مُقدّسة زماناً ومكاناً وإنساناً، وهناك رمزيات عدة لا يليق بمسلم البحث عن كنهها، إلا إن كان مُشككاً في حقيقتها، أو صحة ما رُوي عنها، والرمزيّة تقتضي عنصر مفاجأة والمفاجأة منحة لذوات لها رمزيتها عند الله، وبها امتيازات خاصة لفئة من عباد الرحمن، وإذا انكشفت الليالي والأيام الفاضلة، تفقد شيئاً من خصوصية معناها أو جوهرها، ومقاصدها وغاياتها أو جلال وجمال رمزيتها.مؤكد أنه لا يمكن جعل العلاقة مع الله، علاقةً تعاقدية، لها مذكرة تفسيرية، وشروط قانونية، فليس من الأدب مقايضة ربنا بصلاتنا وصومنا وقيامنا، ومن المسلمين بعضٌ يُدخل نفسه في دائرة اجتراح ما ليس ضرورياً اجتراحه، ليوهم الناس أنه بلغ غاية مقصود التعبّد، علماً بأن عالم الغيب، أضعاف عالم الشهادة (المشاهدة) والدلالة الغيبية توقيفية، ولو أنفق الإنسان عمره لتوضيح وتفسير مراد الشارع من كل أمر غيبي، لكان جهده غالباً بلا جدوى ولا ثمرة، فهناك من الغيبيات ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهناك ما لا يُطلع عليه إلا من ارتضى من رسول (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول). وربما لا يُدرِك بعضنا، أنّ قيمة ما هو غيبيٌّ، وقوّته تتمحوران في غيبيّته.وأرى، أن رمضان كله ليالي قدر وشرف ومغفرة.و في ليلة القدر صورة من صور الاختصاص بالرحمة والفضل (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، ولن يبلغ الإنسان مهما بلغت قدراته، تفسير ولا تظهير لُب العظمة الإلهية، كونه عاجزاً عن معرفة وتفسير لُبّ نفسه، ومن لم يستطع أن يعرف نفسه، فهو أعجز ما يكون عن فهم غيره.تلويحة؛ غاية رمضان، ومقاصد ليلة القدر، أن نعيد ترتيب علاقتنا ببعضنا، فإذا خرج المسلم من رمضان فقط؛ بخلقَي العفة والطهارة، فهنيئاً له. تقبل الله منا ومنكم.. وكل عام وأنتم ومن تحبون بخير وصحة وسعادة.