ماذا تريد إيران؟!

لعقود ظل المجتمع الدولي يراقب بقلق متزايد مسار التطوير العسكري المتسارع في إيران، ذلك أن النظام الإيراني لم يكتفِ بتعزيز قدراته العسكرية التقليدية، بل اتجه إلى بناء منظومة عسكرية متكاملة تشمل برنامجاً نووياً وصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وهي أدوات عسكرية لها تأثير إستراتيجي كبير يتجاوز حدود حماية الدولة، وقد أثار هذا التوسع في تعزيز القدرات العسكرية تساؤلات واسعة وغضبًا متزايدًا في أوساط المجتمع الدولي، خاصة في ظل المخاوف من أن يؤدي هذا التطوير إلى اختلال التوازن الأمني في المنطقة.من الطبيعي أن تسعى أي دولة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية لحماية أمنها القومي، لكن يبدأ القلق عندما يترافق هذا التطوير مع سياسات توصف بالتصعيدية أو غير المستقرة، فعندما تقوم دولة بتطوير أسلحة متقدّمة مثل الصواريخ بعيدة المدى أو تسعى لامتلاك قدرات نووية، يصبح من حق المجتمع الدولي أن يتساءل عن الهدف الحقيقي من امتلاك هذه القدرات، فالتاريخ الحديث أثبت أن انتشار الأسلحة ذات القدرة التدميرية الكبيرة قد يؤدي إلى سباقات تسلح خطيرة، ولاسيما في المناطق التي تشهد توترات سياسية وأمنية متكررة مثل منطقة الشرق الأوسط.وعندما تكون الدولة التي تطوّر هذه الأسلحة متّهمة بدعم جماعات مسلحة في عدة مناطق بالعالم، فإن المخاوف الدولية تصبح أكثر تبلوراً، والسؤال الذي يتردد في أروقة السياسة الدولية لا يتعلق فقط بامتلاك إيران لهذه القدرات العسكرية، بل بالكيفية التي قد تستخدم بها هذه القدرات، وما إذا كانت ستظل ضمن إطار الردع الدفاعي أم ستتحوّل إلى أدوات لفرض النفوذ أو الضغط السياسي.نظام طهران يؤكد من جهته باستمرار أن تطوير قدرات إيران العسكرية حق سيادي لا يمكن التنازل عنه، وأنه يسعى فقط إلى حماية أمنه القومي، غير أن مفهوم «الحق» في العلاقات الدولية ليس مفهومًا مطلقًا، بل يرتبط دائمًا بمدى احترام أمن الآخرين واستقرارهم، أما الحق الذي يقترن بإيذاء الآخرين أو تهديد أمنهم لا يمكن اعتباره حقًا مشروعًا، بل يعاد تعريفه باعتباره مصدر قلق وعدم استقرار.وفي ظل الحرب الحالية، يبدو أن طهران تحاول إدارة الصراع بأسلوب يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع خصومها، فبدلاً من أن يظل الصراع محصورًا بينها وبين الأطراف التي تواجهها عسكريًا، وجدناها وقد سعت إلى توسيع دائرة التوتر في المنطقة من خلال استهداف دول ليست طرفًا مباشرًا في الحرب الدائرة ضدها، ولا شك أن هذه الإستراتيجية قد تعكس محاولة لخلط الأوراق وإعادة صياغة معادلة الصراع، بحيث يصبح إقليميًا بدلاً من أن يبقى محصورًا في نطاق ضيق.ضمن هذا السياق، برزت دول الخليج كإحدى الساحات التي سعت إيران من خلالها لتوجيه رسائل سياسية وعسكرية في الوقت ذاته؛ فاستهداف هذه الدول أو تهديد أمنها يخلق حالة من القلق، خاصة أن المنطقة تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي بفضل دورها المحوري في إنتاج الطاقة وتأمين طرق الملاحة الدولية، ولذلك فإن طهران قد تراهن على أن تصاعد القلق لدى دول الخليج من اتساع نطاق الحرب قد يدفعها إلى ممارسة ضغوط سياسية على الولايات المتحدة من أجل وقف العمليات العسكرية أو الحد منها.لكن هذا الرهان قد لا يكون دقيقًا كما تتصور إيران؛ فدول الخليج تدرك جيدًا حساسية المرحلة وخطورة الدخول في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة، ولهذا فهي تحرص على تبنّي سياسة متوازنة تقوم على حماية أمنها واستقرارها دون الانخراط في حرب لم تكن طرفًا في إشعالها، فالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال تدرك أن الاستقرار الإقليمي هو ركيزة أساسية للتنمية والازدهار، ولذلك فهي لن تُستدرج إلى حرب ليست حربها.أما السؤال الذي يظل مطروحًا في نهاية المطاف هو: ماذا تريد إيران فعلاً؟ هل تسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد من خلال تعزيز قوتها العسكرية وخلق حالة من التوتر المستمر، أم أنها تستخدم التصعيد كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية؟ من المؤكد أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل الاستقرار في المنطقة.يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فقد تقود السياسات التصعيدية إلى تدشين مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، وقد تفتح الدبلوماسية الباب أمام تفاهمات جديدة تخفف من حدة التوتر، وفي النهاية يبقى الخيار بيد طهران: إما أن تعيد النظر في نهجها وتطمئن جيرانها والعالم، أو تستمر في مسار يزيد من عزلتها ويعمّق الشكوك حول أهدافها الحقيقية في المنطقة.