يقدّم معرض "بحر ودانات" للفنان البحريني مهدي البنّاي تجربة فنية تستحضر حقبة الغوص وما يرافقها من تفاصيل الحياة البحرية القديمة، في رؤية بصرية تنبض بالذاكرة والهوية والتراث. ومن خلال أعماله المتنوعة، يعيد الفنان تشكيل مشاهد البيئة البحرينية الأولى، بما فيها من مهن، وكائنات بحرية، وحكايات إنسانية ارتبطت بالبحر بوصفه مصدرًا للرزق، وفضاءً للحياة، وركيزةً أساسية في تكوين الوجدان البحريني. وفي تعليق له خلال جولة فنية تفقدية في المعرض، أشاد الأستاذ عبد العزيز جوهر، الموظف بدعم النواب، بهذه التجربة الفنية، مؤكداً أن أيادٍ بحرينية مخلصة قادرة على نقل هوية المواطن البحريني الغيور على تراثه إلى المجتمع العربي الأوسع، وأن الفنان البحريني مبدع وقادر على إيصال الثقافة التراثية المتجذرة في حضارة دلمون، مهد الحضارات منذ آلاف السنين. وما يتصل بثقافة الغوص وصيد اللؤلؤ بما تحمله من قيم الكفاح والصبر والارتباط التاريخي بالبحر، بوصفها من أبرز الملامح التي شكّلت وجدان الإنسان البحريني منذ عقود. كما رأى أن أعمال معرض مهدي البنّاي تحمل طابعاً توثيقياً مهماً، معرباً عن أمله في أن تتكرر مثل هذه التجارب التي تحفظ التراث وتعيد تقديمه بلغة فنية مؤثرة ومعاصرة. ويشكّل معرض "بحر ودانات" مساحة بصرية توثّق الذاكرة البحرية للبحرين، وتعيد تقديمها بلغة فنية تجمع بين الأصالة والتجريب، في تجربة تؤكد أن الفن ليس مجرد تعبير جمالي، بل فعل حفظٍ للهوية، وصونٍ للذاكرة، واستعادةٍ لماضٍ لا ينبغي أن يغيب. وفي افتتاح المعرض، كان هذا اللقاء البلاد مع النحّات البحريني مهدي البنّاي يقدّم معرض "بحر ودانات" ملامح واضحة من البيئة البحرية البحرينية وحقبة الغوص، كيف يمكن أن تصف هذه التجربة؟ هذا المعرض هو استعادة لذاكرة عشتها، أو عايشت بعض تفاصيلها من خلال المكان والناس والأجداد. أنا من منطقة رأس رمان، وهي منطقة كان البحر يلامسها، وعشت وترعرعت في بيئة بحرية حاضرة في الذاكرة بشكل كبير. لذلك جاءت الأعمال محمّلة بمشاهد من تلك الحياة، ليس بوصفها مجرد صور من الماضي، بل بوصفها حياة كاملة لها حضورها في وجداني. المعرض يستحضر حقبة الغوص، لكنّه لا يتوقف عندها فقط، بل يفتح المجال على تفاصيل الحياة البحرينية القديمة بكل ما فيها من صدق وبساطة وعمق. أعمالك في هذا المعرض تستحضر البحر بشكل واضح، ماذا يمثل لك هذا العالم؟ الإنسان الذي كان يبحر لأربعة أشهر وأكثر متواصلة من أجل استخراج اللؤلؤ هو محور أساسي في هذه التجربة. اللؤلؤ لم يكن مجرد زينة، بل كان يُباع في مناطق عديدة مثل الهند والسند، وكان يُستخرج من الخليج ليصل إلى أسواق بعيدة. هذا الإرث يعكس قوة الاعتماد على البحر كمصدر رزق طوال العام. بالنسبة لي، البحر ليس مجرد موضوع فني، بل ذاكرة حياة، ومصدر إلهام، وعالم متكامل من المشاهد والتفاصيل التي تستحق أن تُوثّق فنياً. كيف كانت تتم عملية استخراج اللؤلؤ قديماً؟ كانت العملية تبدأ بالغوص لاستخراج المحار، والذي يُعرف بـ"المحارة". وبعد جمعه، يتم فتحه على ظهر السفينة، واحدة تلو الأخرى، لاستخراج اللؤلؤ. وبالطبع لا يكون اللؤلؤ بحجم واحد، بل بأحجام مختلفة. هذه الحصيلة أو "الغلة" كانت تُسلَّم للقبطان، ومن ثم إلى النوخذة، وهو مالك السفينة، ليتم لاحقاً بيعها في مناطق أخرى، حيث كانت تمثل مصدر الرزق الأساسي للغواصين طوال السنة. هذه التفاصيل ليست بعيدة عن المعرض، بل هي جزء من روحه ومن الحكاية التي يحاول أن ينقلها. هل يمكن القول إن المعرض يوثّق رحلة اللؤلؤ أم رحلة الإنسان؟ المعرض يوثّق جانباً مهماً من الهوية البحرينية، لكنه لا يقتصر على اللؤلؤ فقط، بل يتناول الرحلة بكل ما فيها من معاناة وتفاصيل إنسانية. الفكرة ليست في اللؤلؤ وحده، بل في التجربة الكاملة المرتبطة بالبحر، بما تحمله من تعب، وانتظار، ومخاطرة، وأمل، وعلاقات إنسانية تشكلت عبر هذه المهنة. لذلك أرى أن المعرض أقرب إلى توثيق حياة كاملة، وليس مجرد مهنة أو منتج. كيف جاءت فكرة المعرض؟ الفكرة طُرحت من قبل الجهة المستضيفة (فندق إنتركونتننتال ريجنسي)، حيث كان هناك توجه للحديث عن اللؤلؤ وعناصر البحر المختلفة. وعندما عرضت عليهم أعمالي، وجدوا أنها تحمل تنوعاً بين الغواصين، والأسماك، والحياة البحرية بشكل عام. لم يكن تركيزي منصباً فقط على اللؤلؤ، بل على البيئة البحرية ككل، وعلى مهنة الصيد وما تحمله من امتداد تاريخي وثقافي. أنا تسيطر عليّ الفكرة دائماً، والفكرة هنا كانت نابعة من مشاهد البيئة التي سكنتني، ومن ذاكرة قديمة لا تزال حية داخلي. من خلال الأعمال المعروضة، يبدو أن الذاكرة الشخصية حاضرة بقوة، إلى أي مدى يشكّل الماضي منبعاً لتجربتك الفنية؟ الماضي يجذبني دائماً، خاصة إذا كان قد اندثر الآن أو أصبح على وشك الاندثار. كانت هناك بيئة طبيعية كاملة، بسيطة وعفوية، لكن فيها غنى إنساني وجمالي كبير. إذا لم نحافظ على تسجيل هذه اللحظات والأحداث التي عايشناها، فإن هذه الهوية قد تندثر مع الوقت. لذلك أشعر بأنني حارس للهوية والتراث البحريني، وأن من واجبي أن أوثق هذا العالم فنياً، وأن أقدمه للأجيال القادمة بلغة بصرية تحفظ روحه. ظهرت في المعرض عناصر بحرية ولافتة، مثل "اللخمة" وبعض الطيور، ماذا تمثل هذه العناصر في رؤيتك؟ هذه العناصر ليست مجرد مفردات جمالية، بل هي جزء من ذاكرة المكان. "اللخمة" مثلاً من الكائنات المعروفة في البحرين، وقد حضرت في المعرض بوصفها عنصراً من عناصر البيئة البحرية التي عشناها ونعرفها. وكذلك الطائر المعروف في البحرين باسم "اللوهة" أو الغاق السقطري، وهو أيضاً جزء من هذا المشهد الطبيعي القديم. أنا لا أتعامل مع هذه العناصر بوصفها أشكالاً فقط، بل بوصفها علامات حياة، ورموزاً مرتبطة بالمكان والناس والذاكرة. ما الدور الذي يلعبه الخيال في أعمالك النحتية؟ الخيال عنصر أساسي، لكنه لا ينفصل عن الذاكرة. أنا أستعيد ما عشته أو ما سمعته أو ما ترسّخ في داخلي، ثم أعيد تشكيله فنياً. لهذا أقول إن المعرض هو استعادة وتخييل للذاكرة. النحت بالنسبة لي ليس مجرد شكل، بل وسيلة لتثبيت اللحظة وتسجيل التاريخ، لأن الحضارات لم تُعرف بالكلام فقط، بل عُرفت أيضاً بما خلّفته من أعمال ومنحوتات تشهد على وجودها. تحدثت عن النحت بوصفه وسيلة لتسجيل التاريخ، كيف ترى هذه الفكرة؟ أؤمن بأن النحت هو الأساس في تسجيل التاريخ. لا توجد حضارة سجّلت بالكلام فقط، فالدليل على الحضارة وتوثيق التاريخ يكون أيضاً من خلال الفن، وخصوصاً النحت. لهذا أتعامل مع العمل النحتي بوصفه شهادة بصرية، تحمل معنى الزمن والمكان والإنسان. عندما أنحت مشهداً من التراث، فأنا لا أعيد إنتاجه فقط، بل أعمل على حفظه من الزوال. المعرض لا يقتصر على البحر وحده، بل يلامس ملامح أوسع من التراث، كيف تنظر إلى هذه المساحة؟ صحيح، لأن الهوية لا تُختصر في مشهد واحد. أنا أهتم بتفاصيل الحياة السابقة قبل التطور، حياة الآباء والأجداد، بما فيها من تراث وطبيعة ومهن وعادات يومية. هناك صيد السمك، وزراعة الحقول، وتوزيع الأكل بين الجيران، والألعاب الشعبية، وكلها عناصر تشكل ملامح المجتمع البحريني القديم. هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها في الحقيقة تصنع الذاكرة الكبرى. هل هناك أعمال محددة تعتز بها في هذا المعرض؟ كل عمل يحمل جزءاً من هذه الرحلة، سواء من خلال تصوير الغواص أو تفاصيل الحياة البحرية. الأعمال تتكامل فيما بينها لتعكس صورة أوسع عن البحر كعالم متكامل، وليس مجرد مصدر للؤلؤ فقط. ومن الأعمال التي أراها ذات خصوصية عمل تناول حادثة تاريخية مؤثرة هي حادثة "الطبعة" عام 1925، حين وقع إعصار كبير بعد موسم حصاد اللؤلؤ، وأدى إلى فقدان عدد هائل من الغواصين. هذا الحدث ظل راسخاً في الذاكرة الشعبية، وقد وثقته في عمل بعنوان "سنة الطبعة“. ماذا عن الخامات التي اشتغلت عليها في هذا المعرض؟ النحت واحد، لكن المواد وتطويعها يختلفان من خامة إلى أخرى. لكن جميع أعمال هذا المعرض من خامة البرونز، وبالنسبة لي، كل خامة تمنح العمل شخصية مختلفة، وتفتح مجالاً آخر للتعبير. وكم استغرق الإعداد لهذا المعرض؟ عملت على هذا المعرض لمدة سنة كاملة، ويضم 12 عملاً. وكان هدفي أن تكون الأعمال متكاملة من حيث الفكرة والموضوع والخط البصري، بحيث تعبّر جميعها عن عالم واحد، رغم تنوع المفردات والخامات. ما المعايير التي تحكم العمل النحتي من وجهة نظرك؟ لكل اتجاه في النحت والتشكيل معاييره الخاصة. هناك التكوين، والتداخل، والثيمة، وتماثل العمل، وأبعاده، والواقعية، والحركة، والإنشاء. وكل هذه العناصر تدخل في بناء العمل الفني. التشكيل في النحت تحدٍّ كبير، لأنه يحتاج إلى رؤية وخبرة وإحساس بالعلاقة بين الكتلة والفراغ والحركة. هل كان لدراستك الأكاديمية أثر في هذه الرؤية؟ بالتأكيد. لقد درست في قسم التشكيل في جامعة بغداد أكاديمية الفنون الجميلة، ودرست الرسم والنحت والخزف، وهذا منحني قاعدة معرفية وفنية مهمة. كما أن الحداثة دخلت على الرسم كما دخلت على النحت والخزف، وأثرت في كل ذلك، وأضافت أسساً جديدة، وأدخلت التجريد أيضاً. لهذا نجد اليوم أعمالاً تتداخل فيها الواقعية مع التجريد، وهذا أمر حاضر في التجربة الفنية المعاصرة بشكل عام.