قطة ووردة وغسالة أطباق.. كوميديا الأمنيات في عيد الأم

في وقت ما، وفي مكان ما، ولدت فكرة الاحتفال بعيد الأم. كان أول احتفال رسمي عام 1908، وفاء لكلمات أم غرست في ابنتها حلم تقدير الأمهات ونشر السلام بين الأسر المتحاربة، تلك الابنة هي الكاتبة الأمريكية آنا جارفيس، التي حملت الفكرة من جلسات أمها الخاصة إلى يوم عالمي. ولدت آنا في الولايات المتحدة عام 1864، ونشأت على سماع والدتها تقول إن تكريم الأمهات قد ينهي النزاع ويزيل الكراهية. وبعد رحيل الأم، أقسمت الابنة أن تكون الصوت الذي ينادي بهذه الفكرة، ونجحت بالفعل في إقرار يوم للاحتفال بالأمهات على مستوى الولايات الأمريكية، رغم اتهام البعض لها عام 1920 بالسعي للترويج لنشاطها الشخصي. الفكرة التي ولدت من أجل السلام انتشرت عالميا، ووصلت إلى مصر والبلدان العربية، إذ أطلق الكاتب المصري مصطفى أمين في عموده اليومي "فكرة" نداء لتكريم الأمهات وجعل يوم 21 مارس/آذار عيدا للأم، ليتحول إلى تقليد سنوي يحتفل به العرب كل عام. عيد الأم في ذاكرة جيل الثمانينيات لا تزال ذاكرة جيل الثمانينيات من القرن الماضي تحمل تفاصيل أيام خلت: بطاقات ملونة تحمل صورة أم وأبنائها نكتب عليها كلمات بسيطة تفيض تقديرا، و"مجموعة الأم" علبة زرقاء شفافة تضم منديل قماش مطرزا وزجاجة "كولونيا أنوثة" وقطعة ساتان وردية تتوسطها كزينة خجولة. ثم كبرت الأشياء وتغيرت الملامح، حل طاقم الأكواب وصواني التقديم محل بطاقات الامتنان وعطور السعادة، وتبدل شكل الهدية التي تتمناها الأمهات في أعيادهن، من رموز صغيرة إلى أدوات عملية تعكس تعب اليوم وثقل المسؤوليات. في السنوات الأخيرة تخطت فكرة عيد الأم حدود تقدير الأمهات وحدهن، وامتد الاحتفال ليشمل الجدات والمعلمات والنساء المحيطات بالأسرة. لكن شعرت كثيرات من الأمهات أن اليوم لم يعد مخصصا لهن وحدهن، لم يعد موعدا لتلقي الهدايا بقدر ما صار يوما ينتظر منهن فيه تقديم الهدايا للجميع، فتحول يوم التقدير في نظرهن إلى مناسبة جديدة تضاف إلى أعباء النساء. تقول زينب محمد إنها لم تتلق في حياتها هدية عيد أم واحدة، رغم أنها كثيرا ما قدمت هدايا لأمها ووالدة زوجها، وحتى لبعض الخالات والعمات: "لما أنجبت أبنائي كنت أستقبل 21 مارس/آذار من كل عام وأنا أنتظر نفس الفرحة التي كنت أراها في عيني أمي، لكني أبدا لم أجدها، اكتشفت أن هذه عادة يجب أن تربى داخل الطفل من خلال أبيه، وللأسف لم يفعل ذلك. لا أزال أقدم الهدايا لأمي وحماتي عسى أن يكبر طفلي ويفهم". وعن الهدية التي تتمناها زينب تقول: "أتمنى الحصول على قطة، طوال عمري وأنا أحلم بقطة، لكن بسبب تحذيرات أهلي ثم زوجي لم أحصل عليها أبدا". أما وفاء بكري فتتمنى مليون دولار هدية من مجهول في عيد الأم، ثم تهديها هي لأبنائها حتى تطمئن على مستقبلهم. بينما اكتفت صفاء الشبلي بأمنية بسيطة: "وردة" من طفلها تكفيها لتمنحها سعادة أبدية. ما الذي تريده الأمهات حقا في عيد الأم؟ منتجات العناية بالبشرة والشعر والروتين اليومي كانت من أكثر الأمنيات تكرارا لدى الأمهات. تقول نيرمين طارق: "نفسي أتفاجأ بحجز موعد في صالون تجميل مدفوع التكاليف". حجز صالون التجميل هذا ترافقه -في خيال علياء فتحي- قسيمة شراء بـ100 ألف جنيه (نحو 2062 دولارا): "هي مش هتحصل، بس الأحلام مجانية". السفر بدوره تصدر قائمة الأمنيات، تقول رباب منصور: "نفسي حد يستضيف الأولاد لمدة أسبوع وأسافر إلى سيوة أو الفيوم". تذكرة سفر إلى المالديف شاملة كل التكاليف كانت أمنية هبة جعفر، قبل أن تتراجع بعد ثوان من التفكير: "أو أروح أحج، وتكفيني هدية لبقية عمري". أما إسراء الزيني فحلمت برحلة في باخرة تجوب العالم من أقصاه إلى أقصاه، وهي تدرك أنها ربما لن تحدث، لكن "تؤخذ الدنيا غلابا". أما البحث عن الراحة فهو جامع أمنيات النساء. ولأن لا شيء يعادل قيمة الوقت المستقطع من التعب، بدت الأمنية الأكثر تكرارا في مجموعات النساء هي "غسالة الأطباق"، حلم قابل للتحقق هذه المرة. تقول فاطمة محمود: "نفسي في غسالة أطباق، بس عارفة إن محدش هيجيبها لي، عشان كده عملت جمعية، وهشتريها لنفسي هدية عيد الأم وهدية كل الأعياد". التضخم وهدايا عيد الأم الذهب والألماس من أكثر ما ترغب فيه النساء في مناسباتهن الخاصة، لكن مع الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب في مصر، صار التفكير في هدية ذهبية بمناسبة عيد الأم ضربا من الترف. تقول نهى نسيم: "كان الخاتم الذهب هو الهدية الأكثر انتشارا في عيد الأم منذ سنوات، لكن الآن أخبرني زوجي أن أختار بين رحلة عمرة أو غسالة أطباق، والهديتان أقل تكلفة من أي خاتم ذهب". التضخم الذي أصاب الحياة الاقتصادية انعكس مباشرة على شكل الهدايا، صار الأبناء يشتركون في هدية واحدة مجمعة للأم، وكذلك فعلت الأمهات مع هدايا المعلمات. تقول صفاء، أم لطفلين في المرحلة الابتدائية: "اتفقت مع بقية الأمهات واشتركنا في هدية واحدة لكل معلمة، و500 جنيه (نحو 10.5 دولارات) حلت الأزمة لسبع معلمات في فصلين مختلفين". وبين فكرة ولدت من أجل السلام قبل أكثر من قرن، وأم تحلم بقطة أو غسالة أطباق أو تذكرة سفر اليوم، يواصل عيد الأم تبديل وجوه الهدايا، بينما تبقى الحاجة القديمة ذاتها: اعتراف بسيط بتعب امرأة حملت على كتفيها الكثير، وما زالت تنتظر -مهما كبرت- التفاتة صغيرة في يوم يحمل اسمها. المصدر: الجزيرة .