ماذا كشفت "الحرب الإقليمية" عن القدرات العسكرية العراقية؟

شفق نيوز- بغداد كشفت العمليات العسكرية المستمرة منذ 22 يوماً بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، عن تحديات استراتيجية يواجهها العراق منذ مرحلة ما بعد عام 2003، والتي تركت آثاراً عميقة على البنية العسكرية والقدرات الدفاعية للدولة، بحسب آراء نخبة من الخبراء السياسيين والاستراتيجيين والأمنيين العراقيين. فعلى مدى عقدين من الزمن، سعت الحكومات العراقية المتعاقبة، بدعم من المجتمع الدولي، إلى بناء مؤسسة عسكرية قادرة على فرض الأمن الداخلي ومواجهة الإرهاب، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير بدحر تنظيم "داعش" في 10 كانون الأول/ديسمبر 2017. لكن الحرب الإقليمية الحالية التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026، أظهرت "هشاشة" في الوضع الأمني والهيكل العسكري العراقي، كما كشفت ضعفاً في القرار السياسي وعجزاً عن إدارة الأزمات واتخاذ خطوات حاسمة لحماية الأمن القومي، وفقاً للخبراء. وبيّنت الحرب أيضاً "محدودية" القدرات العسكرية العراقية، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي وعدم القدرة على التصدي للطائرات والصواريخ، إلى جانب نقص التسليح المتطور وضعف منظومات الردع. وبحسب الخبراء، فإن القيود الخارجية والتأثيرات الدولية على القرار العراقي أسهمت في إعاقة بناء قوة عسكرية مستقلة، في وقت تواجه فيه البلاد فجوة كبيرة مقارنة بالإمكانات العسكرية للدول المحيطة، مشددين على ضرورة إعادة النظر في مجمل الاستراتيجية الأمنية والعسكرية للعراق. الموقع الاستراتيجي وفي قراءة أولية لأبعاد المتغيرات التي فرضتها الحرب، يؤكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، أن "هذه الحرب ستغير الكثير من الأسس العسكرية والأمنية ليس على صعيد العراق فقط، وإنما على المنطقة بأجمعها، لأن كل الأساليب التقليدية التي كانت تستخدم في التصدي للطائرات المسيرة والصواريخ والأسلحة الأخرى، لم تعد تجدي نفعاً". ويأتي هذا التقييم متماشياً مع الوضع التنظيمي للقوات المسلحة العراقية لعام 2026، التي لا تزال تعتمد في ثقلها الأكبر على القوات البرية من حيث العدد والانتشار، حيث تشير التقديرات إلى وجود 193 ألف جندي نشط، ومزيج من الدبابات (مثل T-72 و T-90) والمدرعات وراجمات الصواريخ، ذات المناشئ المتعددة (الشرقية والغربية) والتي تتفاوت حداثتها. ويضيف الفيلي لوكالة شفق نيوز، موضحاً طبيعة التهديد الجديد، أن "تطور الأمن السيبراني والتطور التقني سيكون هو الحاضر، بمعنى أن القدرات التقليدية من المشاة والدرع وبقية المقدرات العسكرية ستتغير، أو على الأقل لن تعود هي الحاسمة بمفردها". ويتعمق الفيلي في تحليل الوضع العراقي بربطه بالموقع الجغرافي وحجم الإنفاق قائلاً: "بالنسبة للعراق، فهو يعيش ضمن موقع جيوستراتيجي قلق كون أن الدول المحيطة به كلها تمتلك مقدرات عسكرية تفوق طاقاته بعشرات الأضعاف، وبالتالي هذه الدول هي في الأساس تتنافس فيما بينها على الزعامة وفي السيطرة على العراق". ويكشف الفيلي عن الفجوة الكبيرة في الميزانية العسكرية: "يقابل هذا، مستوى الصرف على التسليح والأمن في العراق يكاد يكون لا يعادل بمقدار 1 بالمئة بما تصرفه هذه الدول المحيطة به". وتشير تقارير إلى أن الحكومة العراقية خصصت ميزانية طموحة بلغت 21.6 مليار دولار لوزارة الدفاع عام 2024، إلا أن جزءاً كبيراً منها يُستنزف في الرواتب والعمليات الجارية، بدلاً من التحديث النوعي الجذري. وبناءً على ذلك، يرى الفيلي، أن الحل يتطلب شجاعة استراتيجية ووحدة وطنية، وأن يعيد العراق النظر في سياساته العسكرية والأمنية، والسعي لتحالفات مع القوى الكبرى في المنطقة، مع الحفاظ على الوحدة الوطنية ورؤية العراق ككل متكامل، دون التفريق بين أجزائه. ويعبر الفيلي عن أسفه للانقسام الداخلي حول مسألة السيادة، مشيراً إلى أن قصف إقليم كوردستان لم يلقَ معارضة من بعض الأطراف، بل إن بعض الجهات كانت تدعم القصف بحجة وجود قوات أميركية هناك." ويصحح الفيلي الوقائع المتعلقة بتموضع القوات قائلاً إن "كل القوات الأميركية التي انسحبت من قواعد مثل عين الأسد والتاجي تم وفق اتفاق مع الحكومة الاتحادية، مع تمركز مؤقت في إقليم كوردستان قبل الانتقال الكامل خارج العراق في أيلول/سبتمبر المقبل." وكان مصدر حكومي كشف في وقت سابق لوكالة شفق نيوز، عن جدول زمني لإنهاء مهام التحالف الدولي بحلول أيلول/سبتمبر 2026؛ يتضمن مرحلتين، الأولى تنتهي في أيلول 2025 بانسحاب القوات من "عين الأسد" وبغداد نحو أربيل والكويت، والثانية تشمل الانسحاب الكامل وتقليص عدد المستشارين من 2000 إلى أقل من 500 فرد يتمركزون في أربيل حصراً. ضعف القيادة من جانبه، يقدم الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور أحمد الشريفي، تحليلاً عملياتياً لأداء القوات المسلحة العراقية، قائلاً إن "الحرب الإقليمية الحالية أفرزت أمرين أساسيين، الأول ضعف صانع القرار السياسي عن اتخاذ إجراءات رادعة لضمان الأمن القومي للعراق، وثانياً عجز المؤسسات العسكرية عن أداء دورها الوظيفي". وعن تفاصيل العامل الأول المتمثل بالسياسة العليا للدولة، يشرح الشريفي لوكالة شفق نيوز، أن "صانع القرار السياسي كان ضعيفاً في اتخاذ إجراءات رادعة لضمان الأمن القومي للعراق، والحفاظ على سياسة عليا تجمع العراقيين تحت مظلة الدستور والقرار الوطني الموحد، لذلك القرار السياسي لم يكن موفقاً بمواجهة الأزمة". أما العامل الثاني، وهو الأهم عسكرياً، فقد كشف الخبير أن "البعد العسكري أظهر ضعفاً ووهناً في قدرة المؤسسة الأمنية والعسكرية عن أداء دورها الوظيفي، يعني الانتشار ورد الفعل والإعلام وما إلى ذلك، كلها كانت ضعيفة". وهذا الضعف العملياتي، بحسب الشريفي، يرتبط مباشرة بالنقص النوعي في التسليح الذي كان ليس بالمستوى المطلوب أيضاً، حيث كان هناك "عجز وخواء في آليات الردع وتأمين مستلزمات السيادة البرية والبحرية، وتحديداً الجوية". ويضيف الشريفي أن "المؤسسة العسكرية عجزت حتى عن حماية مواردها الشحيحة، على سبيل المثال في ضرب الرادارات دون أن تظهر حقيقة ما جرى لها"، في إشارة إلى استهداف طائرات مسيرة انتحارية لمنظومات الرادار الجوي في قيادة عمليات البصرة خلال الحرب الجارية، وقبلها في قاعدتي التاجي في بغداد والإمام علي في الناصرية، خلال المواجهة السابقة بين إيران وإسرائيل في حزيران/ يونيو 2025. العجز العسكري وهذا العجز، بحسب تقارير، هو نتاج عقود من التأخير والمماطلة؛ فرغم أن وزارة الدفاع أعلنت في كانون الثاني/ يناير 2025 عن عزمها إبرام صفقات سلاح جديدة لتحديث القوات الجوية، ورغم سعي العراق للحصول على ثماني بطاريات من نظام الدفاع الجوي والصاروخي الباليستي M-SAM-II من كوريا الجنوبية، إلا أنها لم تصل حتى هذه اللحظة. وتعود جذور ضعف القدرات العسكرية إلى ما بعد إطاحة تحالف تقوده الولايات المتحدة بنظام صدام حسين عام 2003، حيث تم حل الجيش وإعادة تشكيل القوات وفق رؤية أميركية جديدة. ومنذ ذلك الحين، يعتمد العراق على معدات أميركية محدودة، وسط قيود على استيراد أسلحة أخرى، وفساد مالي عرقل صفقات تسليح مهمة مثل صفقة التشيك وصفقات مع باكستان وكوريا الجنوبية، وفقاً للتقارير. ضغط مزدوج وفي محاولة لتفسير جذور هذا العجز التسليحي، يشير الخبير الأمني، علي المعماري، إلى أن "الهشاشة الأمنية" هي نتاج مباشر لاتفاقيات سياسية فرضتها واشنطن بعد عام 2003. ويقول المعماري لوكالة شفق نيوز: "بالتأكيد الوضع الأمني في العراق هش، وكشفته العمليات العسكرية الحالية الدائرة ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، بسبب الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الساسة العراقيون بعد عام 2003". ويوضح المعماري طبيعة القيد الأميركي، أن اتفاق الإطار الاستراتيجي والتعاون الأمني مع الولايات المتحدة "قيّد الحكومة من استيراد السلاح بحرية، والاقتصاد العراقي مرهون بالبنك الفيدرالي الأميركي"، لكن القيد ليس أميركياً فحسب؛ إذ للجانب الإيراني "رأي وقرار وتأثير قوي على مفاصل الدولة." ويضيف المعماري، أن "الصراع الأميركي الإيراني داخل العراق، حرم البلاد من الأمن والاقتصاد المزدهر، وجعله ساحة للنفوذ، وليس دولة قادرة على حماية سيادتها بشكل مستقل." هشاشة الترسانة وفي تقييم ميداني مباشر للقدرات الدفاعية خلال الحرب الإقليمية الحالية، يؤكد المحلل السياسي أحمد الحمداني، أن الحرب كشفت "تمكن إيران في الدفاع، وهذا يعود جزئياً إلى الاعتماد على التصنيع المحلي للطائرات المسيرة والصواريخ". ويقارن الحمداني خلال حديثه لوكالة شفق نيوز بالوضع العراقي قائلاً، إن "القدرات العسكرية العراقية ليس لها دور بسبب عدم امتلاك طائرات ومقومات السلاح والدفاع الجوي، في ظل استمرار قصف الحشد الشعبي والقوات الأخرى دون وجود أي مقومات لإسقاط الطائرات المعادية والدفاع عن السماء". ويتطابق هذا الواقع الميداني مع المعطيات التي تشير إلى أن القوات الجوية العراقية، رغم أنها تضم بعض الطائرات الأميركية من طراز F-16 والفرنسية كاراكال والكورية T-50IQ، إلا أنها لا تزال محدودة جداً في مهامها السيادية. كما يفتقر العراق لأسلحة دفاع جوي، ومنظومات صواريخ متطورة، ونظام إنذار ومراقبة جوي، وهي قدرات عسكرية مهمة للتعامل مع أي تهديدات خارجية. ويرى الحمداني في الختام أن هذا الضعف هو هدف مقصود لجعل العراق "صيداً سهلاً"، محملاً الطبقة السياسية مسؤولية حماية العراق أمنياً وسياسياً واقتصادياً. يذكر أن الجيش العراقي تأسس في 6 كانون الثاني/يناير 1921، وامتدت خبراته العسكرية عبر عقود، من حروب 1948، 1967، 1973، والحرب العراقية-الإيرانية (1980 – 1988)، وحرب الخليج الثانية 1991، وصولاً إلى إعادة بناء الجيش بعد 2003 والحرب ضد تنظيم "داعش". واليوم يضم الجيش العراقي نحو 193 ألف عنصر نشط، مع 100 ألف شبه عسكري، ومزيج من الأسلحة الشرقية والغربية، لكن تفاوت حداثة المعدات يجعل قدراته محدودة، خصوصاً على صعيد الدفاع الجوي والطيران القتالي. وبناءً على ذلك، يحلّ العراق في المرتبة السادسة ضمن تصنيف أقوى دول الشرق الأوسط من حيث القوة العسكرية لعام 2026، بحسب مؤشر "غلوبال فاير بور" المتخصص بالشؤون الدفاعية، والذي يعتمد عشرات المعايير المتعلقة بحجم القوات والقدرات القتالية واللوجستية والإنفاق العسكري. ويستند التصنيف إلى أكثر من 60 مؤشراً عسكرياً واقتصادياً ولوجستياً، دون احتساب القدرات النووية، ما يجعله معياراً نسبياً لقياس القوة العسكرية بين الدول.