ضرورة التفكير خارج السردية الأحادية

مع هدير الآلة العسكرية وصخب التصريحات السياسية تتم إزاحة التفكير إلى منطقة واحدة وحصره فيها. هذا ما يحدث في كل حرب من الحروب التي شهدها العالم في عصره الحديث، ومنها حروب ليست بعيدة عنا زمنياً، رافقها ضخ سياسي كثيف عن أسبابها وأهدافها لكن بعد انقشاع سُحب الدخان ومرور الوقت اتضح أنه لا الأسباب ولا النتائج كانت كما قيلت، ومن تلك التجارب يصبح ضرورياً التأمل في الحرب القائمة الآن على إيران بآلات حرب أمريكية إسرائيلية، وخطاب سياسي تقوده أمريكا.منذ بداية الحرب ونحن تحت وابلٍ يومي من تصريحات الرئيس ترمب التي لا تتوقف، تتمحور جميعها في التأكيد على ضرورة التخلّص من الشر الذي يمثله النظام الإيراني على العالم والجوار، لكن معنى «التخلص» ما زال ملتبساً بسبب اختلاف التصريحات، مرةً بإزالة النظام تماماً، ومرةً باستسلامه، ومرةً بإزالة مشروع سلاحه النووي ومصانع صواريخه، ومرةً بإضعافه وتحريض الشعب الإيراني للثورة ضده وقيام نظام بديل. إلى الآن لا توجد مؤشرات مؤكدة واضحة تدل على حصر الخيارات في هدف محدد، أو مؤشرات تؤكد ما يردده الرئيس ترمب بأنه تم التدمير النهائي لكامل قدرات إيران العسكرية، فها هي ما زالت تطلق صواريخها على دول الخليج، وخطابها السياسي ما زال متصلباً، ولا نية لديها لحصر المواجهة مع إسرائيل والقواعد والأساطيل الأمريكية التي تنطلق منها الهجمات فعلاً، بينما الرئيس ترمب يؤكد أن الحرب ستنتهي قريباً جداً، وفي اليوم التالي يقول إنها ستطول ولا أفق محدداً لنهايتها.وفي نفس الوقت الذي يشتد فيه أوار المواجهة بين الطرفين عسكرياً وسياسياً، تفجرت مؤخراً مفاجأة لا نستطيع نحن البسطاء تفسيرها، فلقد سمحت واشنطن رسمياً لإيران ببيع النفط الإيراني العالق حالياً في السفن الموجودة في البحار الدولية، بالإضافة إلى عدم عرقلة ناقلات نفطها من المرور في مضيق هرمز منذ بدء الحرب. العامة من أمثالنا سيقولون إن أمريكا أخذتها الرأفة باقتصاد العالم وأزمة الطاقة في الدول المحتاجة إلى النفط، وأن ذلك لا يعني أن شيئاً ما يحدث خفية خلف الستائر، لكن المحللين الإستراتيجيين في شؤون الطاقة والتموضعات الجيوسياسية ومخططات الهيمنة على المواد الخام لمختلف الصناعات والتقنيات الحديثة، لهم رأي آخر في مسألة السيطرة على الممرات ومنها مضيق هرمز الذي يتصدر المشهد الآن، وكذلك ميزان القوة بين أمريكا ومنافسيها الكبار، ورغبة أمريكا بأن تكون المالك والمتحكم الأكبر والأوحد لاحتياجات العالم من النفط والغاز وكل عناصر الطاقة، حتى لو كان على حساب شركائها وأصدقائها في دول الخليج. هؤلاء المحللون يتوقعون، أو لا يستبعدون، أن هذه الحرب هي مجرد تكتيك مرحلي اقتضته طبيعة الخطة للوصول إلى الهدف الحقيقي النهائي.مؤكد أن هناك من سيقول إن هذا الكلام جزء من أدبيات نظرية المؤامرة، لكننا نقول إن هذا ما يطرحه كثير من أبرز المحللين المتخصصين، وفي خضم الضبابية والالتباس والأسئلة الكثيرة التي تتوالد، يصبح لزاماً إخضاع كل الاحتمالات للتفكير فيها، والخروج من إطار السردية الأحادية.