ترك برس اختتمت ولاية إسطنبول مبادرة إنسانية لتسديد ديون الأسر الفقيرة لدى متاجر البقالة، في إطار إحياء تقليد "دفتر الذمم" العثماني، الذي يقوم على سداد ديون المحتاجين بسرية تامة. وشهدت المبادرة تسديد ديون بقيمة 73 مليونًا و500 ألف ليرة تركية (نحو 1.650.000 دولار)، لـ32.345 عائلة فقيرة. المبادرة جرت بتنسيق من ولاية إسطنبول وبمساهمة من منظمات مدنية ومتبرعين. وذكرت الولاية أن الديون المتراكمة لدى 2150 بقالًا في أحياء المدينة جرى سدادها في إطار هذا التقليد الخيري الذي يهدف إلى دعم المحتاجين دون الكشف عن هوياتهم. ويعود تقليد "دفتر الذمم" إلى العهد العثماني، حيث يقوم المحسنون بسداد ديون المحتاجين في المتاجر دون معرفة أصحابها، في صورة تعكس روح التكافل الاجتماعي. وساهمت الحملة في تخفيف الأعباء المالية عن آلاف الأسر ذات الدخل المحدود، مجسدةً روح التضامن التي تميز شهر رمضان. تقليد "شطب دفتر الذمم" ويُعدّ تقليد “شطب دفتر الذمم” من أبرز الممارسات الاجتماعية التي تعود إلى فترة الدولة العثمانية، حيث كان يُستخدم كوسيلة لتوثيق ديون الزبائن لدى أصحاب متاجر البقالة والأحياء الشعبية. وكان هذا الدفتر يُسجَّل فيه ما يشتريه المحتاجون بالدَّين إلى حين قدرتهم على السداد. وفي المجتمع العثماني، الذي تأثر بقيم التكافل والتضامن المستمدة من الثقافة الإسلامية، لم تكن العلاقة بين التاجر والزبون قائمة فقط على الربح، بل شملت بعدًا إنسانيًا. فكان أصحاب الدكاكين يسمحون للفقراء بتأجيل الدفع وتسجيل مستحقاتهم في “دفتر الذمم”، دون فوائد أو ضغوط. وبرزت عادة إنسانية مرتبطة بهذا الدفتر، وهي قيام فاعلي خير—غالبًا بشكل مجهول—بزيارة المتاجر وسداد ديون المحتاجين المسجلة في الدفتر، ثم “شطبها” بالكامل دون إبلاغ المستفيدين بهوية المتبرع. وكان الهدف من ذلك حفظ كرامة الفقراء وتعزيز روح التضامن داخل المجتمع. ارتبط هذا التقليد بقيم الصدقة والإحسان، وشكّل نموذجًا عمليًا لمفهوم التكافل الاجتماعي، حيث يُنظر إلى سداد ديون الآخرين كعمل خيري رفيع. كما ساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر محدودة الدخل، خصوصًا في الأحياء الفقيرة. وبالرغم من انتهاء الحكم العثماني، ما زال هذا التقليد حاضرًا في بعض المناطق في تركيا، خاصة خلال شهر شهر رمضان، حيث تُطلق بلديات أو متبرعون حملات لسداد ديون الأسر لدى البقالات، إحياءً لهذا الإرث الاجتماعي.