كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني في الحروب الحديثة، لا تُختزل القيادة الاستراتيجية في امتلاك القوة العسكرية أو التفوق التكنولوجي، بل تتجلى أساساً في القدرة على تعريف الهدف النهائي بدقة، وتحديد مسار العمليات بما يخدم هذا الهدف، وضبط إيقاع التصعيد أو التهدئة وفق رؤية متماسكة. فالقائد الاستراتيجي هو من يفرض منطق الحرب، لا من يكتفي بإدارتها؛ وهو من يحافظ على ثبات الأهداف ووضوح الخطاب، ويملك في الوقت ذاته مرونة تكتيكية دون أن يفقد البوصلة. من هذا المنطلق، لا يعود السؤال في الحرب على إيران: من يمتلك القوة الأكبر؟ بل من يحدد اتجاهها. تحالف غير متناغم: قيادة مقابل إدارة تبدو الحرب على إيران نموذجاً لتحالف غير متوازن في الرؤية؛ إذ تتقدم الدولة الصهيونية بقيادة نتنياهو إلى موقع القيادة الاستراتيجية، بينما تتراجع الولايات المتحدة بقيادة ترامب إلى دور الشريك القوي الذي يحاول إدارة التصعيد أكثر مما يقوده. هذا التباين لا يعود إلى القدرات، بل إلى اختلاف تعريف كل طرف لنهاية الحرب وحدودها. تباين الأهداف: رؤية قصوى مقابل براغماتية مقيدة تل أبيب تنظر إلى الحرب كفرصة تاريخية لإحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني. في المقابل، تتعامل واشنطن مع الصراع بعقلية براغماتية تهدف إلى تحجيم القدرات العسكرية الإيرانية دون الانزلاق إلى فوضى إقليمية واسعة. وعند تفكيك أهداف دولة الكيان، تتضح ملامح رؤية استراتيجية متعددة المستويات: •أولاً: تدمير القوة العسكرية الاستراتيجية الإيرانية، خاصة البرنامجين النووي والصاروخي. •ثانياً: استهداف مقومات النظام الداخلية لإضعاف تماسكه. •ثالثاً: خلق بيئة إيرنية مضطربة تُبقي النظام في حالة استنزاف. •رابعاً: توظيف الحرب كرافعة سياسية داخلية لتعزيز موقع نتنياهو. •خامسا: استخدام الحرب لتحقيق احلام اليمين الصهيوني المتطرف في السيطرة الكاملة على الإقليم تمهيدا لإقامة دولة إسرئيل الكبرى من النيل إلى الفرات. هذا الوضوح في الأهداف يعكس تفكيراً استراتيجياً بعيد المدى، يفتقر إليه النهج الأمريكي الأكثر حذراً. بنك الأهداف: من يحدد ومن ينفذ؟ بقراءة نمط العمليات، يتضح أن الدولة الصهيونية تقود تعريف "بنك الأهداف الاستراتيجية" وتوسيع نطاقه، بينما توفّر الولايات المتحدة طبقات التمكين الحاسمة—عسكرياً واستخبارياً ومالياً ودبلوماسياً—مع محاولات متكررة لضبط سقف التصعيد عندما يقترب من خطوطها الحمراء المرتبطة باستقرار أسواق الطاقة وأمن الممرات البحرية. هذه المعادلة لا تعكس تكاملاً بقدر ما تعكس اختلالاً في مركز الثقل: قيادة في تحديد الاتجاه من جانب تل ابيب، مقابل تمكين مشروط ومحاولات كبح من جانب واشنطن. مثال مفصلي: استهداف حقل بارس الجنوبي شكّل استهداف حقل بارس الجنوبي (South Pars)، أضخم حقل غاز طبيعي في العالم، نقطة تحول نوعية وإستراتيجية وإقتصادية في مسار الحرب، حيث يمد إيران بأكثر من 70% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي ويستخدم لتوليد الكهربا والإستهلاك المنزلي والصناعات البتروكيماوية. فقد انتقلت العمليات من استهداف المنشآت العسكرية إلى ضرب قلب إنتاج الطاقة، في تصعيد يحمل تداعيات استراتيجية على الأسواق العالمية أيضا خاصة لبعض دول الإقليم مثل العراق وتركيا وباكستان وأرمينيا. تشير المعطيات إلى أن هذه الضربة نُفذت دون موافقة أمريكية مسبقة، وأثارت قلقاً في واشنطن، ما يعكس قدرة إسرائيل على فرض إيقاع التصعيد حتى عندما يتعارض مع الحسابات الأمريكية. اختلاف الرؤية: إعادة تشكيل مقابل إدارة النظام تتعامل دولة الكيان مع الحرب كفرصة لإزالة "حائط الصد الإيراني" وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وهو ما يتقاطع لدى بعض التيارات مع تصورات أوسع لإعادة رسم المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة ضمن منطق إدارة النظام الدولي، حيث تمثل استدامة تدفق الطاقة، واستقرار الأسواق، وأمن الممرات البحرية، أولويات لا يمكن التضحية بها. اختلاف تحمّل المخاطر: التصعيد مقابل الضبط تل أبيب تُظهر استعداداً أعلى لتحمل تبعات "عدم الاستقرار المُدار" لتحقيق أهدافها، حتى لو أدى ذلك إلى اضطراب إقليمي. أما واشنطن، فتميل إلى تقليل الصدمات ومنع الانزلاق إلى فوضى شاملة، ما يجعلها في موقع كابح للتصعيد لا قائداً له. الخطاب السياسي: ثبات مقابل تناقض يُفترض بالقائد الاستراتيجي أن يقدم رواية متماسكة للحرب، إلا أن تصريحات ترامب اتسمت بتذبذب واضح بين إعلان قرب انتهاء الحرب، والتلويح باستمرارها، والحديث عن تحقيق الأهداف جزئياً أو كلياً. في المقابل، حافظت تل ابيب على خطاب ثابت يقوم على الاستمرار حتى تحقيق الأهداف، ما يعزز صورة نتنياهو كقائد فعلي يدفع نحو تصعيد مدروس يخدم رؤيته. نتنياهو: القائد الفعلي للحرب؟ في ضوء ما سبق، يبرز نتنياهو كأكثر الأطراف وضوحاً وحسماً في تحديد مسار الحرب. فهو لا يقود فقط العمليات، بل يحدد أهدافها، ويوجه إيقاعها، ويستثمرها سياسياً داخلياً. ورغم التفوق العسكري الأمريكي، فإن واشنطن تبدو مقيدة بحسابات الاقتصاد والسياسة الداخلية والتوازنات الدولية، ما يجعلها أقرب إلى "مدير للحرب" منها إلى قائد لها. الخلاصة: من يملك البوصلة؟ القيادة الاستراتيجية لا تُقاس بمن يملك القوة، بل بمن يملك البوصلة. وفي هذه الحرب، تبدو دولة الاحتلال —بقيادة نتنياهو—الطرف الذي يحدد الاتجاه ويفرض الإيقاع، بينما تكتفي الولايات المتحدة بمحاولة ضبط المسار. هكذا، تميل كفة القيادة الاستراتيجية بوضوح نحو الدولة الصهيونية ، في تحالف يقوده الطرف الأكثر اندفاعاً… لا الطرف الأقوى. .