صحيفة البلاد البحرينية
تعليم الأطفال تقدير ما لديهم وتوسيع آفاقهم آيسلندا أرض النار والجليد أكثر طبيعة قادرة على إدهاشك الأمومة لم تمنعني من اكتشاف العالم السفر ليس رفاهية بل وعيًا وتجربة حياة الرحلات تمنحك فرصة لاستكشاف مواقع قد تختفي لم يكن السفر بالنسبة لفاطمة يومًا مجرّد هواية أو تنقّل عابر بين بلدان، بل تجربة إنسانية عميقة بدأت منذ الطفولة، حين ارتبط فضولها المبكر بحب الجغرافيا، وتحوّل لاحقًا إلى مسار طويل من الاكتشاف والتعلّم. اليوم، وبعد أن زارت أكثر من 60 دولة حول العالم، استطاعت الرحّالة البحرينية، وهي مهندسة مالية وأم، أن تعيد تعريف مفهوم السفر، وتكسر الصورة النمطية التي حصرت لقب “الرحالة” في الرجال، مؤكدة أن المرأة قادرة على الاستكشاف، وبناء التجربة، والاعتماد على النفس، دون أن تتخلى عن مسؤولياتها الأسرية أو الاجتماعية. في هذا الحوار، تتحدث فاطمة شكيب عن بدايات شغفها بالسفر، ومحطاتها الأبرز، وتشارك فلسفتها في التخطيط والسلامة واختيار الوجهات، كما تسلط الضوء على أثر السفر في تشكيل شخصيتها، ورسالتها للنساء والمجتمع حول أهمية كسر الحواجز الذهنية المرتبطة بسفر المرأة. في البداية، كيف تحبين أن تعرّفي بنفسك للقراء؟ أنا فاطمة، مهندسة مالية، ورحّالة بحرينية، السفر بالنسبة لي ليس مجرد زيارة دول، بل تجربة متكاملة أتعلم من خلالها عن نفسي وعن العالم من حولي. علاقتي بالسفر بدأت منذ الصغر، حيث كنت أحب مادة الجغرافيا بشكل كبير، وكان لدي شغف بمعرفة العالم واكتشافه، ومع الوقت تحوّل هذا الشغف إلى واقع أعيشه. كيف بدأت شرارة السفر الأولى لديك؟ وهل ارتبطت بالدراسة؟ نعم، بشكل كبير. دراستي في الخارج كانت نقطة تحوّل حقيقية، فعندما تدرسين خارج بلدك، لا تتعرفين فقط على نظام تعليمي مختلف، بل تنفتحين على ثقافات وعادات وتقاليد جديدة. درست في ماليزيا، وهناك بدأت أولى خطواتي الجادة في السفر، ومن ثم توسعت الدائرة شيئًا فشيئًا. ما أول الدول التي زرتِها وشكّلت بداية الرحلة؟ لا أذكر بدقة أول دولة زرتها كسفر مستقل، لكن ماليزيا كانت المحطة الأساسية، ومنها سافرت إلى هونغ كونغ، وتايلاند، وسنغافورة، وأستراليا. أستراليا كانت تجربة مختلفة تمامًا، لأنها قارة بحد ذاتها، وشعرت هناك أنني أرى ما كنت أدرسه نظريًا على أرض الواقع، وهذا عزّز لدي الرغبة في الاستمرار. غالبًا ما يُستخدم مصطلح “الرحالة” لوصف الرجال، كيف تنظرين إلى هذا المفهوم؟ تاريخيًّا، ارتبط مفهوم الرحالة بالرجال، مثل ابن بطوطة وماركو بولو، بسبب القيود الاجتماعية التي كانت مفروضة على المرأة، ومحدودية أدوارها في فترات زمنية سابقة. اليوم تغيّر هذا الواقع كثيرًا؛ المرأة أصبحت أكثر جرأة، وأكثر قدرة على الاعتماد على النفس، ولديها فضول حقيقي لاكتشاف العالم. بالنسبة لي، الرحلة لا ترتبط بجنس، بل بالشغف والاستعداد للتعلّم. كونكِ أمًّا، كيف توفقين بين مسؤولياتك الأسرية وشغفك بالسفر؟ التوفيق بين الأمرين ليس سهلًا، ويحتاج إلى تخطيط مسبق وترتيب دقيق. هناك دول يمكن السفر إليها مع الأطفال، ودول أخرى لا تناسبهم، السفر مع الأطفال مختلف تمامًا عن السفر بمفردي، لكنه في الوقت نفسه تجربة جميلة ومهمة، لأنه يتيح لنا قضاء وقت حقيقي معًا بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية. في السفر، نعيش التجربة كاملة، ويتعلم الأطفال رؤية العالم من منظور أوسع. هل ترين أن السفر مع الأطفال يضيف بعدًا تربويًّا؟ بالتأكيد، السفر يعلّم الأطفال الاعتماد على النفس، واحترام الثقافات المختلفة، وتقدير النعم التي يعيشون فيها. عندما يرون العالم بأعينهم، يصبح إدراكهم أعمق، ويتشكل وعيهم بطريقة مختلفة تمامًا عن التعلّم النظري. ما أكثر وجهة تركت أثرًا خاصًّا في نفسك؟ أنا أحب الطبيعة كثيرًا، وأعجبتني طبيعة مونتينيغرو، لكن الدولة التي لا أنساها أبدًا هي آيسلندا. آيسلندا تُعرف بأرض الثلج والنار، وتتميز بشلالاتها الضخمة، وتضاريسها المتنوعة، والبراكين النشطة، والينابيع الحارة. هناك شاهدت الشفق القطبي للمرة الأولى، وكانت تجربة استثنائية شعرت فيها أن الطبيعة قادرة على إدهاشك في كل مرة. والجميل في السفر أنكِ تكونين قادرة على رؤية بعض الأماكن التي اختفت او قد تختفي مع مرور الوقت، وهذا ما حصل معي فعلا، حيث إنني زرت شاطئ الرمال السوداء في آيسلندا، الذي تكوّن بفعل النشاط البركاني. هذا الشاطئ تعرّض للتآكل بسبب الأمواج العالية والطقس القاسي، واختفت أجزاء كبيرة منه، شعرت بالحزن عندما علمت بذلك، لكنه في الوقت نفسه ذكرني بأن بعض الأماكن لها عمر زمني محدود، وأن السفر يمنحك فرصة لرؤية ما قد لا يكون موجودًا في المستقبل. السلامة عنصر أساس في السفر، كيف تحرصين عليها؟ قبل أي رحلة، أضع جدولًا كاملًا وأقرأ كثيرًا عن مستوى الأمان والسلامة في الدولة. بالنسبة لي، الشعب عنصر مهم جدًا، ومن الدول التي فاجأتني بطيبة شعبها المغرب، حيث شعرت أن الناس ودودون وخدومون، ويمنحونك إحساسًا بالأمان. كما أحرص على قراءة التقييمات، ومعرفة المناطق التي يجب تجنبها، وأحيانًا أفضل السفر ضمن مجموعات أو مع شركات سياحية في بعض الدول. ما أكثر دولة شعرتِ فيها بالحاجة إلى الحذر؟ جنوب أفريقيا كانت من أكثر الدول التي شعرت فيها بارتفاع نسبة الخطورة، بسبب انتشار السرقات وبعض الجرائم. هناك لا يمكن التحرك بحرية كما في أوروبا مثلًا، بل من الأفضل أن يكون معك شخص من أهل البلد أو ضمن مجموعة منظمة. كيف تختارين وجهاتك؟ وهل تتأثرين بالترند؟ أحيانًا نعم، هناك دول تصبح “ترند” ويذهب إليها الجميع، مثل كوريا في فترة معينة. في المقابل، هناك دول أزورها بدافع الاستكشاف فقط، مثل الصين. الصين أدهشتني كثيرًا، خاصة مدينة شينزن التي تحولت خلال أربعين عامًا من قرية صيد إلى مركز عالمي للتكنولوجيا، مليئة بناطحات السحاب والتقنيات الرقمية المتقدمة. ما خططك القادمة في السفر؟ فيتنام ضمن خططي المستقبلية، رغم أنني لم أضع لها تخطيطًا تفصيليًا بعد، وأشعر بأنها مناسبة للعائلات. أما الرحلة المؤكدة القادمة فهي إلى اليابان، بإذن الله في شهر مايو، وأتطلع لاكتشاف ثقافتها المتنوعة وطبيعتها المختلفة. كيف أثّرت زيارتك لأكثر من 60 دولة على شخصيتك؟ السفر علّمني الاستقلالية، وسرعة اتخاذ القرار، والصبر، والاعتماد على النفس، كما جعلني أكثر وعيًا بالثقافات المختلفة، وأكثر تقديرًا للنعم التي نعيشها في البحرين، خصوصًا نعمة الأمن والاستقرار. هل تحرصين على مشاركة تجاربك مع الآخرين؟ نعم، عبر حسابي في “إنستغرام”، حيث أشارك المعلومات التي أراها مفيدة للمسافرين، سواء عن الأمان، أو التنقل، أو أماكن السكن، أو طبيعة الدولة. أحب أن يكون حسابي مرجعًا، خاصة للعائلات التي تبحث عن تجارب مناسبة وآمنة. أخيرًا، ما رسالتك للنساء وللمجتمع بشكل عام؟ لا تنتظروا اللحظة المثالية، السفر ليس رفاهية، بل رحلة تعلّم واكتشاف. الأمومة ليست عائقًا، بل يمكن أن تكون دافعًا، سافروا، اكتشفوا العالم، علّموا أطفالكم الاعتماد على النفس، وستعودون دائمًا بوعي أعمق وتقدير أكبر للنعم التي نعيشها.
Go to News Site