Collector
مهرجان كان السينمائي 2026.. فيلم "جبان" | Collector
مهرجان كان السينمائي 2026.. فيلم
صحيفة البلاد البحرينية

مهرجان كان السينمائي 2026.. فيلم "جبان"

المخرج البلجيكي لوكاس دونت من تلك النوعية التي تذهب إلى الحرفة السينمائية من أجل إثارة القضايا الكبرى، بالذات تلك التي تتعلق بالطفل والمرأة، وفي محطته الأخيرة يتوقف عند موضوع في غاية الحساسية، ألا وهو المثلية في الجيش إبان الحرب العالمية الأولى. عبر حكاية قام بصياغة معطياتها ضمن سيناريو شديد الذكاء، يشتغل على ثيمة التلاعب بالعواطف وسط نيران الأعداء والقصف وسقوط القتلى والجرحى طيلة أحداث الفيلم. فيلم "جبان" بدون “أل” التعريف – يبدو اختيارًا ذكيًا لتوسعة دائرة الاتهام، ولربما الشمولية، لذا يعود مخرجنا إلى الحرب العالمية ليقول إن الأحداث ضاربة في القدم، وقادرة مثل تلك العلاقات على تحدي الويلات والمواجهات. في تجربته السينمائية الأولى قدم، في العام 2018، فيلم "فتاة" حول الالتباسات الجندرية، وفي فيلمه الثاني "قريب" عام 2022، راح يقرّب عدساته من الإشكاليات حول الأطفال والهوية، وهو تقريبًا ذات الموضوع الذي اشتغل عليه في فيلمه الأول، ولكنه بمنطقة أكثر تركيزًا ولربما حدة. المشهد الأول للفيلم يأخذنا إلى مجموعة من الجنود البلجيكيين الشباب الذين يتم ترحيلهم إلى جبهات القتال وهم يغنون إحدى الأغاني الفرنسية "ابتسم" وهي تؤكد هنا الدعوة إلى مواجهة التحديات والكينونة بمستوى المواجهات القدرية القادمة غير المعروفة الملامح. تلك الأغنية في البداية تؤسس إلى منحى يشتغل عليه المخرج لاحقًا، من خلال مجموعة الأغاني التي زرعها وقدمتها فرقة المرفوضين التي تقدم مجموعة من الأغاني الطويلة بعض الشيء ضمن سياق العمل، والتي تقدمها تلك المجموعة من الشباب وهي ترتدي ملابس نسائية، كإعلان صريح عن (المثلية) في الجيش البلجيكي في تلك المرحلة من تاريخ بلجيكا إبان الحرب العالمية الأولى. يقود الفرقة فرانسيس (جسد الشخصية فالنتين كامبان)، والذي يقود الفرقة ويقدم الأغاني والاستعراضات من أجل رفع معنويات الجنود في الجبهة، حتى إن إحدى الحفلات حضرها كبار قادة الجيش. تنشأ علاقة بين فرانسيس وشاب قروي اسمه بيير (إيمانويل ماكيه)، وسرعان ما تتطور تلك العلاقة من الإعجاب إلى الحب ثم الجسد. بل يذهب الأمر لاحقًا إلى أن يقوم فرانسيس بإقناع بيير للعمل معهم في المسرح والمساعدة في بناء خشبة المسرح والانخراط مع الفريق، رغم التزاماته العسكرية الصارمة. ذلك الجانب العاطفي يظل يتحرك بخط متوازٍ مع أهوال الحروب والمواجهات وسقوط القتلى والجرحى وأصوات صراخ المصابين والدماء، وأيضًا التهميش التام لحضور المرأة، حتى في المشاهد قبل الأخيرة حينما يعود بيير إلى أسرته التي تتفاجأ بتصرفاته وعدم خشونته، رغم أنه قادم من الحرب والجبهة. ولكن قبلها يقول بيير، في لحظة حمل الجنود المصابين، بجرح نفسه حتى يبتعد عن الجبهة ويبقى قريبًا من فرانسيس والمسرح والغناء والعروض، وأيضًا اللقاءات الليلية التي كانت تجمعه مع فرانسيس. وتمضي الأيام تحت ويلات الحرب والمحافظة على سرية تلك العلاقة التي تطورت بشكل منطقي وعلى نار هادئة، وحولت بيير إلى عاشق متيم، وفرانسيس أكثر رغبة في أن تبقى تلك الحرب مستعرة، لأنها أمنت له مساحة من التعبير عن الذات كانت مرفوضة من قبل والده الخياط الشهير، الذي يحاول تهميشه حتى في اسم المحل الذي يديره، ويفضل أن يكون عمل ابنه محصورًا في أخذ قياسات الزبائن، بينما لا يجد هذا الشاب نفسه في هذه المهنة أو في التعبير عن ذاته ورغباته. في الفيلم مشهديات مشبعة بالعاطفة العالية بين الشابين، بالذات في لحظات لقاءاتهما، مقرونة بكتابة متفردة على صعيد الإدارة الفنية للمشهد، من تصوير وإضاءة وأيضًا حركة كاميرا وحلول بصرية خالية من التكلف والمبالغة، من أجل التركيز على القضية، وهي تلك العلاقة التي ظلت في السر رغم مجموعة الإهانات التي أطلقها البعض على بيير وفرانسيس من قبل الضباط أو حتى زملائهم من الجنود. وحتى لا نطيل، فيلم "جبان" ثري بالمواقف، دقيق في تحليل الشخصيات والأداء، ويستحق الإشادة، بالذات من قبل الثنائي إيمانويل وفالنتين، ومن قبلهما الجرأة في طرح موضوع المثلية في الجيش البلجيكي عبر معالجة سينمائية، ظلت فيها الحرب وويلاتها هامشًا لعلاقة ظلت تتطور وتصمد حتى النهاية.

Go to News Site