صحيفة البلاد البحرينية
اختتم الجناح العراقي مشاركته في سوق الفيلم لمهرجان كان السينمائي الدولي 2026، مقدّماً حضوراً مهنياً متقدّماً عكس التحوّل المتسارع الذي يشهده قطاع السينما في العراق خلال السنوات الأخيرة، وقد تجاوزت المشاركة العراقية هذا العام فكرة التمثيل الرمزي لتؤسس مساحة عمل حقيقية ربطت السينما العراقية بشكل مباشر مع مجتمع السينما الدولي، عبر برنامج مهني متكامل ركّز على الإنتاج المشترك، وبناء الشراكات، وتطوير المشاريع، وفتح مسارات عملية نحو الأسواق العالمية. وشكّل الإنتاج المشترك المحور الاستراتيجي الأساسي لبرنامج الجناح، باعتباره أحد أهم المسارات القادرة على تطوير الصناعة السينمائية العراقية ودمجها ضمن شبكات الإنتاج والتوزيع الدولية. وفي هذا السياق، شهد الجناح تنظيم لقاءات الإنتاج المشترك العراقية – الفرنسية بالتعاون مع المركز الوطني الفرنسي للسينما والصورة المتحركة (CNC)، ضمن إطار مذكرة التفاهم للتعاون السينمائي المشترك الموقعة بين الجانبين أواخر عام 2025، والتي لعبت مبادرة دعم السينما دوراً أساسياً في تهيئة أرضيتها وإدارة التنسيق الخاص بها. وقد جمعت هذه اللقاءات أكثر من عشرين منتجاً وشركة ومؤسسة فرنسية وأوروبية مع صنّاع الأفلام العراقيين العاملين على تطوير أفلامهم الروائية والوثائقية الطويلة، بهدف خلق شراكات إنتاجية حقيقية وفتح آفاق جديدة أمام المشاريع العراقية للوصول إلى التمويل والتطوير والتوزيع الدولي. واختارت مبادرة دعم السينما ثمانية مشاريع وثائقية وروائية طويلة من بين عشرات المشاريع المتحصلة على منح دعم الإنتاج، ضمن رؤية تهدف إلى دعم جيل جديد من الأصوات السينمائية العراقية الطامحة للتعاون الدولي، مع استمرار العمل على توفير فرص مماثلة لبقية المشاريع ضمن المحطات السينمائية المقبلة. كما قدّم البرنامج اليومي للجناح سلسلة من الجلسات ودراسات الحالة التي عكست التحولات التي تعيشها السينما العراقية اليوم، حيث تم تقديم فيلم «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق كنموذج عملي للإنتاج المشترك الأوروبي – العربي بجلسة كان تنظيمها بشكل مشترك ما بين مؤسسة الدوحة للافلام ومبادرة دعم السينما، فيما جرى استعراض تجربة فيلم «كعكة الرئيس» بوصفها مثالًا على قدرة الجيل العراقي الجديد على إنتاج أفلام تحمل هويتها المحلية وتصل في الوقت نفسه إلى المنصات السينمائية الدولية. وفي إطار الاستثمار بالمواهب الشابة، عمل الجناح العراقي على دعم حضور السينمائيين العراقيين ضمن برامج مهنية دولية متخصصة مثل Cannes Makers وبرامج مختبر الفيلم القصير وRendez-vous Industry، بما يتيح للمشاركين الاحتكاك المباشر بالأسواق العالمية وفهم آليات الصناعة والتوزيع والتطوير المهني على المستوى الدولي. وعلى صعيد البنية التحتية المحلية، سلّط الجناح الضوء على التطور المتسارع الذي يشهده سوق العرض السينمائي في العراق، حيث استعرضت شركة سينما العراق توسعها إلى 128 شاشة عرض حديثة موزعة في مختلف أنحاء البلاد، بالتوازي مع مناقشة التحديات المرتبطة بحماية الملكية الفكرية ومكافحة القرصنة، إضافة إلى التحولات الرقمية المتسارعة ودور المنصات المحلية الجديدة مثل منصة 1001 في إعادة تشكيل اقتصاد المحتوى السينمائي والسمعي البصري في العراق. كما خصص الجناح مساحة مهمة لمناقشة ملف الأرشيف والذاكرة البصرية العراقية، عبر جلسات تناولت الحراك الذي يقوده المركز الوطني للارشيف والذاكرة العراقية المرئية ومشروع سينماتيك العراق، وجهود حفظ وترميم ورقمنة الأرشيف السينمائي الوطني بالتعاون مع شركاء دوليين مثل المركز الوطني الفرنسي للارشيف السمعي بصري ووكالة خبراء فرنسا. وعلى مستوى الشراكات الإقليمية والدولية، استند برنامج الجناح إلى شبكة واسعة من التعاونات المهنية التي شملت توقيع اتفاقية تعاون استراتيجية مع شركة ماد سوليوشن ومركز السينما العربية التي تتيح لصناع الأفلام تسويق مشاريع أفلامهم بالشراكة مع الشركة بما يؤمن لهم وسائل تسويق، وشهدت تعاونات أخرى مع الجناح الفلسطيني ومؤسسة الفيلم الفلسطيني ومعهد الدوحة للأفلام، ومؤسسات ومهرجانات وصناديق دعم دولية، بما عزّز حضور العراق داخل المشهد السينمائي العربي والعالمي، وفتح مساحات جديدة للحوار والتعاون وتبادل الخبرات. ويؤكد الجناح العراقي، من خلال هذه المشاركة، أن السينما العراقية تدخل اليوم مرحلة جديدة تقوم على العمل المؤسساتي، والانفتاح الدولي، وبناء شراكات طويلة الأمد، ضمن رؤية تسعى إلى تأسيس صناعة سينمائية مستدامة قادرة على المنافسة والتطور والحضور الفاعل داخل المنظومة السينمائية العالمية. ويتقدم الجناح العراقي الرسمي في مهرجان كان السينمائي الدولي ومبادرة دعم السينما بخالص الشكر والتقدير إلى جميع الشركاء والمؤسسات الداعمة التي ساهمت في إنجاح هذه المشاركة، وفي مقدمتها مكتب دولة رئيس الوزراء – مكتب مستشار دولة رئيس الوزراء للشؤون الثقافية، السيد الدكتور عارف الساعدي، ووزارة الثقافة والسياحة والآثار، ودائرة السينما والمسرح، السيد الدكتور جبار جودي نقيب الفنانين العراقيين ومدير عام دائرة السينما والمسرح، والبنك المركزي العراقي، والمركز الوطني العراقي للأرشيف والذاكرة المرئية، ومهرجان بغداد السينمائي الدولي، وجميع الشركاء المحليين والدوليين الذين أسهموا في دعم هذه الرؤية والعمل على تطوير مستقبل السينما العراقية. ما شهده مهرجان كان هذا العام لم يكن مجرد مشاركة عراقية جديدة، بل خطوة فعلية نحو إعادة تموضع السينما العراقية داخل المشهد السينمائي الدولي، بوصفها صناعة ناشئة تمتلك المواهب، والقصص، والرؤية، والإرادة لبناء مستقبل سينمائي متصل بالعالم.
Go to News Site