ترك برس
برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس يقول الفيلسوف الألماني هيغل، الذي يُعد من أبرز منظّري الدولة الحديثة، إن الدول لا أخلاق لها. وما قصده بذلك يشبه إلى حدّ بعيد الحقيقة التي عبّر عنها مكيافيللي في مقولته الشهيرة: "الغاية تبرر الوسيلة". ولا تكاد توجد دولة لا تلجأ، بدرجات متفاوتة، إلى أساليب قذرة تشمل الخداع والعنف وانعدام الأخلاق من أجل تحقيق أهدافها، وهو ما دخل الأدبيات السياسية تحت مسمى "المكيافيلية". لكن لا أحد يستطيع مجاراة إسرائيل والولايات المتحدة في "الخيانة والانحطاط". فالصينيون، الذين خبروا الذهنية السياسية الأنغلوسكسونية عن قرب، لا يقولون عبثاً إن "الولايات المتحدة لا تملك أي حدود دنيا". وما يقصدونه بذلك أن الإدارة الأمريكية، عندما تشعر بأن مصالحها مهددة، تُفعّل كل أشكال الخداع والخيانة. ويبدو أن إسرائيل تجاوزت الولايات المتحدة كثيراً في هذا المجال. فإسرائيل اغتالت زعيم حركة حماس إسماعيل هنية بينما كانت المفاوضات مع حماس مستمرة. وكانت قد قتلت أبناء هنية بوحشية من قبل. كما استهدفت وفد التفاوض التابع لحماس في الدوحة خلال سير المفاوضات. والجميع يعرف طبيعة إسرائيل. لكن لا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة من الطبيعة نفسها. فأمريكا أيضاً انقلبت على طاولة المفاوضات مرتين وهاجمت إيران بينما كانت المباحثات مستمرة. ففي هجمات الثامن والعشرين من فبراير/شباط، داست كل الأعراف الأخلاقية والدبلوماسية، وقصفت بصواريخ مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب. وقُتل 165 طفلاً بريئاً بوحشية. كما جرى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي مع دائرته المقربة، وزوجته، وابنته، وكنّته، وأحفاده بشكل جماعي. وذلك لأن أطرافاً مثل إسرائيل والولايات المتحدة تعبُد القوة والسلطة والنفوذ. وأولويتها هي الحفاظ على هذه القوة. ولهذا لا تتردد في ارتكاب كل أنواع الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بما في ذلك الخيانة والانحطاط. ويُعدّ الإبادة الممنهجة للأطفال والنساء التي تنفذها إسرائيل بسادية في غزة الدليل الأوضح على ذلك. فالقوى التي تعجز عن القتال وتضعف إرادتها في المواجهة، تلجأ أكثر إلى الانحطاط والعنف والسادية. وكما يشير الخبراء العسكريون، فإن التدخلات العسكرية الأمريكية خلال السبعين عاماً الماضية مليئة بأمثلة من هذا النوع. ولا يخفى على أحد ما فعلته الولايات المتحدة بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها في فيتنام والعراق وأفغانستان، وأخيراً في إيران. فقد تخلت عن حلفائها في فيتنام وأفغانستان، وانسحبت دون أن تلتفت وراءها. والولايات المتحدة، التي لم تستطع أن تتوقع أن إيران ستكون خصماً صلباً بسبب نشوة الانتصار التي عاشتها في فنزويلا، تحاول الآن جاهدة الخروج من هذا المستنقع. فالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها، وتهديداتها بتدمير البنية التحتية، وغيرها من الأساليب القذرة، لم تُجدِ نفعاً. وقد تنجح بعض الحيل الأمريكية ضد القوى الضعيفة، لكن عندما يتعلق الأمر بفاعل مثل إيران، فإن هذه الأساليب الملتوية لا تحقق النتائج المرجوة. وفي المرحلة التي وصلنا إليها، قد تقدم الولايات المتحدة هذه المرة كل أنواع التنازلات لإيران من أجل الحفاظ على سمعتها. أي إنها عندما تعجز عن هزيمة خصمها بالخيانة، تبدأ هذه المرة بخيانة حلفائها وأصدقائها. وفي هذا السياق، تنتظر الحليف الإستراتيجي إسرائيل، وكذلك الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج، أيام صعبة. وقريباً قد تشهد العلاقات بين إسرائيل الصهيونية والولايات المتحدة توتراً غير مسبوق، بل ربما تصل إلى حافة القطيعة. فنحن نتجه نحو مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.
Go to News Site