Shafaq News
شفق نيوز- طهران/ القاهرة/ صنعاء انتهت جولة جديدة من التصعيد العسكري المباشر بين إيران وإسرائيل بإعلان متبادل لوقف الهجمات الجوية والصاروخية بعد أقل من 24 ساعة فقط من اندلاعها، ليعود المشهد الإقليمي إلى مربع التهدئة الهشة السارية منذ اتفاق الثامن من نيسان/ أبريل الماضي. وجاء هذا التراجع السريع بعد ليلة شهدت إطلاق الحرس الثوري الإيراني نحو 30 صاروخاً بالستياً ومسيّرة استهدفت مناطق في شمال إسرائيل ووسطها وقاعدة "رامات ديفيد" الجوية، رداً على غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة 11 آخرين. في المقابل، نفذ الطيران الإسرائيلي ضربات طالت 20 هدفاً في طهران وأصفهان وتبريز، بالإضافة إلى مجمع البتروكيماويات في بندر ماهشهر جنوبي إيران، ومنظومات دفاع جوي استراتيجية نُشرت لإعادة بناء القدرات التي تضررت في عملية سابقة. وفيما أعلن مقر "خاتم الأنبياء" المركزي الإيراني توقف العمليات بعد توجيه ما وصفه بـ"الرد الموجع"، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف الضربات مؤقتاً، محذراً من رد قوي في حال تجدد الهجمات الإيرانية، بينما أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية استمرار العمليات العسكرية في لبنان وفصلها عن مسار التهدئة مع طهران. عُقد المفاوضات ويرى مراقبون أن جولة التصعيد الأخيرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار المفاوضات المستمرة منذ شهرين بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب التي انطلقت في 28 شباط/ فبراير الماضي. وفي هذا السياق، كشف المفكر الاستراتيجي والعسكري المصري، اللواء الدكتور سمير فرج، أن المفاوضات كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في معالجة نقطتين خلافيتين رئيسيتين، الأولى ما يتعلق بالملف النووي، حيث تتركز العقدة حول كيفية التعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب المخزن لدى إيران، والذي يبلغ قرابة 450 كيلوغراماً بنسبة تخصيب تصل إلى 60%. ويوضح فرج لوكالة شفق نيوز، أن المفاوضين قاربوا على صيغة لخفض نسبة التخصيب داخل المنشآت الإيرانية إلى 3.67%، وهي النسبة المسموح بها دولياً للاستخدامات السلمية مثل توليد الكهرباء وتحلية المياه. ويشير إلى أن المبعوث الأميركي ستيفن ويتكوف عقد مؤخراً اجتماعاً مع علماء ذرة أميركيين لبحث الآليات التقنية لهذا التخفيض. وعن النقطة الخلافية الرئيسية الثانية، قال فرج إنها الأموال المجمدة، إذ تتمثل هذه العقدة في اشتراط طهران الإفراج السريع عن أصولها المالية المجمدة كأولوية قصوى، مما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية الداخلية في إيران. وبحسب فرج، توصلت الأطراف إلى صيغة تضمن تدفق هذه الأموال لتمويل الاحتياجات الإنسانية للشعب الإيراني، مثل الأدوية والسلع الأساسية والمساعدات المعيشية، لضمان عدم توجيهها إلى الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله في لبنان. ويضيف فرج أن الموافقة تمت بالفعل على معظم هذه البنود، وكانت المؤشرات تتجه نحو إمكانية إعلان الاتفاق الرسمي يوم الخميس المقبل، بالتزامن مع افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، إلا أن القصف المتبادل الأخير أدى إلى تعقيد الموقف، رغم بقاء الرغبة في الحل السلمي قائمة لدى واشنطن وطهران، في حين تظل تل أبيب الطرف الأكثر دفعاً نحو استمرار التصعيد. قواعد جديدة ومن الجانب الإيراني، يُنظر إلى الجولة الأخيرة كخطوة لفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة وحماية الحلفاء الإقليميين، حيث يوضح الخبير في الشؤون الإيرانية، مهدي عزيزي، أن الخطوة الإيرانية جاءت استباقية لفرض معادلة ردع جديدة تحظر على إسرائيل استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت دون رد مباشر من طهران. ويؤكد عزيزي لوكالة شفق نيوز، أن إيران لن تتخلى عن حلفائها في لبنان واليمن والعراق وفلسطين. ويشير إلى أن تراجع حدة التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرجع إلى عدم قدرة إدارته على تحمل كلفة حرب إقليمية جديدة في هذا التوقيت، نظراً لحسابات الانتخابات النصفية الأميركية المقبلة، وانطلاق بطولة كأس العالم، فضلاً عن دخول اليمن على خط المواجهة والتلويح بإغلاق مضيق باب المندب والبحر الأحمر. وفي المقابل، ربط عزيزي رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في استمرار الحرب بمساعيه للبقاء في السلطة وتجنب الملاحقة القضائية والسجن في ملفات الفساد التي تواجهه، والتي تأجلت محاكمته بسببها مراراً. وكانت كواليس الاتصالات العبرية والأميركية قد كشفت عن حجم الضغوط الممارسة؛ إذ نقلت القنوات الإسرائيلية (12 و13) عن ترمب أنه حذر نتنياهو خلال اتصالين هاتفيين من مغبة تحويل التصعيد إلى حرب واسعة، مهدداً إياه بأنه "سيبقى وحيداً أمام إيران" دون دعم أميركي مفتوح. ورغم أن ترمب منح ضوءاً برتقالياً مبدئياً لنتنياهو بقوله "هاجم وانهِ الحدث" لتقليص النطاق الزمني للعملية، إلا أن الإدارة الأميركية عملت بالتنسيق مع وزيري الخارجية ماركو روبيو والحرب بيت هيغسيث على تحديد سقف الأضرار. وكبح نتنياهو ضغوط وزرائه المتشددين، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، الذين طالبوا باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، محذراً إياهم من التداعيات السياسية الدولية لخطوة كهذه. تجزئة الأدوار وشهدت الجولة الأخيرة دخولاً ميدانياً لافتاً لجماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في اليمن، حيث أعلن المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، فرض حظر كامل على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، معلناً إطلاق صاروخين باتجاه منطقة يافا (تل أبيب)، اعترضت أنظمة الدفاع الإسرائيلية أحدهما وسقط الآخر في منطقة مفتوحة، وهي العملية الأولى للجماعة منذ هدنة نيسان/ أبريل. وفي قراءة للموقف السياسي لليمن ومحور المقاومة، يؤكد السياسي اليمني، الدكتور صلاح الصيادي، أن الكرة باتت الآن في ملعب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لتحديد ما إذا كانت واشنطن ستقبل بالمعادلات الحالية للحفاظ على الدماء، أم ستختار التصعيد الإقليمي الذي سينعكس سلباً على طاولة المفاوضات. ويلفت الصيادي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن اليمن يمر حالياً بحالة هدنة مع الولايات المتحدة، لكن في حال قررت واشنطن الانضمام عسكرياً إلى جانب إسرائيل، فعليها تحمل تبعات ذلك. واعتبر أن استراتيجية محور المقاومة نجحت في قلب الطاولة؛ فبدلاً من أن تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بتجزئة فصائل المحور والاستفراد بكل جبهة على حدة، قام المحور بتجزئة الأدوار الأميركية والإسرائيلية والتعامل مع كل ملف بشكل منفصل لصالح حساباته الاستراتيجية. مآلات التهدئة وتؤكد التحركات الدبلوماسية الأخيرة أن خيار الحرب الشاملة تم إحباطه بآليات ضبط نفس أميركية وإيرانية متبادلة، حيث كشف ترمب عن تلقيه طلبات من خمس دول إقليمية للضغط على نتنياهو لمنع تفجر الأوضاع، بالتوازي مع وساطة قادتها باكستان وقطر أفضت إلى صيغة التراجع المتبادل. كما يتزامن هذا الحراك مع جولة أجراها السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، شملت رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة في لبنان، لبحث مسعى لوقف إطلاق النار وتفعيل خطة "المناطق التجريبية" في الجنوب. ومع ذلك، تظهر المؤشرات أن التوصل إلى اتفاق سلام رسمي وشامل لا يزال يواجه عقبات هيكلية؛ فنظرة ترمب للملف الإيراني تترجح بين خياري الحل العسكري أو الإبقاء على الحصار الاقتصادي المشدد بكامل قوته حتى التوقيع النهائي، معتبراً في تصريحات لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن الحصار يمثل الأداة الأكثر فاعلية.
Go to News Site