ترك برس
إسماعيل وفا آك أعزائي القرّاء! نواجه من وقت لآخر تقلبات اقتصادية، ومع ذلك نحن بلدٌ يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وبنية إنتاج قوية، ويقع ضمن الاقتصادات الكبرى في العالم. ولا شك أن الاقتصاد الحقيقي واقتصاد الإنتاج هما أساس التنمية. لكن في عالم اليوم، لا تنشأ الثروة المستدامة وذات القيمة المضافة العالية من الإنتاج فقط. اليوم هناك دول لا تمتلك صناعة ثقيلة أو موارد طبيعية كبيرة، لكنها أصبحت ثرية فقط لأنها تستضيف المقرات الإدارية للشركات متعددة الجنسيات. وخلف هذه الاختيارات العالمية توجد ثلاثة أعمدة أساسية: الأمان القانوني، وإمكانية التنبؤ الضريبي، وسرعة الإجراءات البيروقراطية. اليوم نجد سويسرا تجذب الثروات بفضل أمنها المالي، ولوكسمبورغ عبر هياكلها القابضة الدولية، ودبي عبر إجراءاتها البيروقراطية السريعة ومناطقها الحرة، تستقطب العقل الإداري العالمي والكوادر البشرية المتخصصة. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى الخريطة، نجد أننا نقع في قلب العالم من حيث الجغرافيا واللوجستيات، بين الشركات الغربية وروسيا والصين ورأس المال الخليجي. فهل من المنطقي أن نقف في مركز العالم الجغرافي بينما نبقى بعيدين عن مراكز الإدارة العالمية وتدفقات الأموال؟ أليس من الممكن أن نمتلك استراتيجية شاملة تحول قوتنا الجغرافية إلى ميزة اقتصادية؟ مراكز الخدمات عالية الكفاءة قادمة وفي هذا السياق، صدر في الأسبوع الماضي في الجريدة الرسمية القانون رقم 7582، الذي أضاف تنظيماً مهماً إلى أجندتنا الاقتصادية. هذا القرار لا يشبه حزم الحوافز الضريبية التقليدية، بل يهدف إلى أمر مختلف تماماً. إذ تم إدراج وضع قانوني جديد في قانون الاستثمارات الأجنبية المباشرة تحت اسم «مركز الخدمات عالية الكفاءة»، وتم إنشاء أساس قانوني لبنية استراتيجية جديدة. فما هو مركز الخدمات عالية الكفاءة؟ بأبسط تعريف، هو هيكل يسمح للشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في نطاق جغرافي واسع بأن تجمع عملياتها الإدارية والمالية والتشغيلية تحت سقف واحد. فعلى سبيل المثال، قد تكون مصانع شركة ما في ألمانيا ومصر وإندونيسيا، لكن إدارة المالية، وإعداد الميزانيات، والمحاسبة، وإدارة المخاطر، والموارد البشرية، والخدمات القانونية، وتحليل البيانات، وتقنيات المعلومات يمكن أن تُدار من دولة واحدة عبر مركز واحد. واليوم تتنافس العديد من الدول المتقدمة في الاقتصاد العالمي ليس فقط لجذب المصانع، بل أيضاً لجذب مراكز اتخاذ القرار، والإدارات العليا، والكوادر المتخصصة إلى أراضيها. لكن عند اختيار مكان هذه المراكز، تُعد الضرائب عاملاً حاسماً، لأن الأرباح الناتجة عن خدمات الإدارة وأجور العاملين في هذه المراكز تخضع عادة للضرائب. ولهذا تنظر الشركات ليس فقط إلى الموقع الجغرافي، بل أيضاً إلى التكلفة الضريبية وسهولة الإجراءات البيروقراطية عند اختيار مقرها الإداري. وقد جاء القانون رقم 7582 تحديداً لخفض هذه التكاليف وجذب هذه العمليات إلى تركيا. فماذا تقدم تركيا؟ بعد صدور القانون مباشرة، نشرت هيئة الإيرادات مشاريع لوائح تفسيرية، وبذلك بدأت تتشكل القواعد الثانوية التي توضح كيفية التطبيق. لنبدأ بالموظفين. في مراكز الخدمات عالية الكفاءة، تُعفى الأجور حتى ثلاثة أضعاف الحد الأدنى الإجمالي للأجور من ضريبة الدخل. أما في مركز إسطنبول المالي، فيرتفع هذا الحد إلى خمسة أضعاف الحد الأدنى الإجمالي. في عام 2026 يبلغ الحد الأدنى الإجمالي للأجور شهرياً 33.030 ليرة تركية. وخمس مرات هذا المبلغ يساوي 165.150 ليرة. أي أن الشخص العامل في مركز خدمات عالي الكفاءة داخل مركز إسطنبول المالي، إذا كان يتقاضى راتباً إجمالياً قدره 200.000 ليرة، فإن الجزء حتى 165.150 ليرة سيكون معفى من ضريبة الدخل، بينما يُفرض على الجزء الزائد الضريبة بشكل طبيعي. أما ميزة ضريبة الشركات فهي أكثر لفتاً للانتباه. يمكن خصم 95% من الأرباح التي تحققها مراكز الخدمات عالية الكفاءة من أنشطتها الخارجية من الدخل الخاضع للضريبة. وفي مراكز إسطنبول المالية ترتفع هذه النسبة إلى 100%. هذه الأرباح تنشأ من الخدمات المقدمة للشركات التابعة في الخارج مثل الإدارة، والتنسيق، والتمويل، والمحاسبة، والخدمات القانونية، وتحليل البيانات، والموارد البشرية وغيرها. وبمعنى آخر، هذا مركز مقره تركيا وخاضع للضرائب التركية، لكنه يقدم خدماته لشركات المجموعة في الخارج. لكن هناك شرطاً مهماً جداً: يجب أن تأتي الأموال إلى تركيا. وبحسب مشروع اللائحة، يجب تحويل هذه الأرباح إلى تركيا حتى تاريخ تقديم الإقرار الضريبي لضريبة الشركات الخاص بالفترة ذات الصلة. وإذا لم تصل الأموال، يتم فقدان حق الإعفاء. على سبيل المثال، إذا حقق مركز خدمات عالي الكفاءة في إسطنبول المالية أرباحاً قدرها 10 ملايين ليرة من خدماته لشركات المجموعة في الخارج عام 2026، وتم تحويل هذا المبلغ إلى تركيا حتى أبريل 2027، فيمكن استثناء كامل هذا المبلغ من الضريبة. كلمتي الأخيرة: لا يجب أن يبقى على الورق! فهل تكفي هذه التنظيمات لجعل تركيا مركزاً لإدارة الشركات العالمية؟ برأيي، الإجابة على هذا السؤال تكمن في التطبيق أكثر من الامتيازات الضريبية المقدمة. نعم، تم اتخاذ خطوة مهمة على الورق. وإذا تم دعم هذا التصور بإرادة تنفيذ قوية، فمن الممكن تحويل الميزة الجغرافية لتركيا إلى ميزة اقتصادية. ونأمل ألا تبقى هذه اللوائح مجرد حوافز على الورق، وأن تتجه مراكز إدارة الشركات العالمية أيضاً نحو تركيا. سنرى وننتظر.
Go to News Site