Shafaq News
تأتي بياناتُ الاقتصاد الأمريكي لشهر أيار، في وقتٍ يواجهُ فيه هذا الاقتصادُ مجموعةً من التحدّيات المتزامِنة، كارتفاعِ أسعار الطاقة نتيجة الأزمة الإيرانية، واستمرارِ حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم خلال النصف الثاني من هذا العام. وأظهرتْ بياناتُ سوق العمل الأمريكية نموًّا فاقَ تقديرات الأسواق، فقد أضاف الاقتصاد الأمريكي 172 ألف وظيفة خلال شهر أيار، متجاوزًا توقّعات الأسواق التي كانت تتوقّع إضافة 85 ألف وظيفة فقط، في حين كان الاقتصاد الأمريكي قد أضاف 179 ألف وظيفة في شهر نيسان. كما أنّ معدلَ البطالة قد استقرَّ عند 4.3% في شهر أيار، إذ جاء دون تغييرٍ مقارنةً بالشهر السابق، ومتوافِقًا مع توقّعات الاقتصاديين. وارتفعَ متوسّطُ الأجر في الساعة على أساسٍ شهريٍّ بنسبة 0.3% خلال أيار، إذ جاء متوافِقًا مع توقّعات المحلّلين، وأعلى من زيادة الشهر السابق التي بلغت 0.2%، بينما سجّلَ متوسطُ الأجر في الساعة على أساسٍ سنويٍّ نموًّا بنسبة 3.4%، وهو ما جاء وفق توقّعات الأسواق، ولكنه أقلّ من القراءة السابقة البالغة 3.6%، هذه البياناتُ لها أهميةٌ كبيرةٌ بالنسبة لمسؤولي البنك الفيدرالي الأمريكي وصُنّاع السياسة النقدية فيه، خاصّةً مع استمرار التضخّم فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. فالزيادةُ في أعدادِ الوظائف الجديدة، مع استقرارِ البطالة واستمرارِ نُموِّ الأجور، تشيرُ إلى أنّ الاقتصادَ الأمريكي لا يزال بعيدًا عن حالة التباطُؤِ الحادِّ التي قد تدفعُ البنكَ المركزي إلى التوجُّهِ سريعًا نحو خفضِ أسعارِ الفائدةِ، كما أنّ استمرارَ نموِّ الأجور بنسبة 3.4% سنويًّا يُبقي المخاوفَ قائمةً بشأن الضغوطِ التضخُّميةِ المُرتبِطَةِ بسوق العمل، حتى مع تراجُعِ وتيرةِ نموِّ الأجورِ مُقارَنةً بالأشهر السابقة. وبناءً على ذلك، فإنّ موقفَ الاحتياطي الفيدرالي سيتَّجهُ نحو الإبقاءِ على أسعارِ الفائدة مرتفعةً لفترةٍ أطول، وبالأخصِّ إذا أخذنا بنظر الاعتبار المخاوفَ من أنْ يؤدّيَ ارتفاعُ أسعار النفط المرتبِطِ بالتوتّرات الجيوسياسية إلى موجةٍ تضخّمية جديدة. ولِفَهمٍ أعمق لمُهمّةِ الاحتياطي الفيدرالي الحَرجَةِ والصّعبةِ جدًّا بخصوص كَبْحِ جِماحِ التضخّم، لا بُدَّ أنْ نُلقيَ الضوءَ على عَوائِدِ سنداتِ الخِزانة الأمريكية، وبالأخصِّ سندات الخزانة لأجَل 30 سنة، التي تتحَكَّمُ في عوائدِها وتوقّعاتِ التضخّم المستقبليةِ بخصوصِها الأسواقُ والبورصاتُ، وليس الاحتياطيَّ الفيدراليَّ، إذ إنَّ تَحكُّمَهُ على السنداتِ لا يتجاوزُ السنتَينِ. ولو ألقينا النظرَ على عوائدِ السندات العادية (غيرِ المَحمِيَّةِ) لأجَل 30 سنة، الآن، فسنجدُ أنَّ العائِدَ الاسميَّ يبلغُ حوالي 4.97%. بينما تُسجّلُ السنداتُ المَحميّةُ من التضخّم (لأجَل 30 سنة) عائِدًا حقيقيًّا مقداره 2.72%، وهو العائدُ الثابتُ الذي يحصلُ عليه المستثمرُ فوق معدّلِ التضخّمِ. ولو طرحنا عوائِدَ السنداتِ المحميّةِ من عوائدِ السندات العائدية (4.97% - 2.72%)، فإنّنا سنحصلُ من الفارق على رقمٍ يمكنُ اعتبارُه خلاصةَ تَوقُّعاتِ الأسواقِ لمُعدّلاتِ التضخّمِ المستقبليّةِ خلال العقود الثلاثة القادمة، وهو ما نُسميّه "معدل التعادل للتضخّم"، الذي يقيسُ الفارقَ بين العائِدَينِ، ويشيرُ إلى أنّ السوقَ تتوقَّعُ تضخّمًا سنويًّا بمتوسطٍ يقاربُ 2.25% خلال العقود الثلاثة القادمة، وهذا يؤكّدُ أنّ هدفَ الفيدرالي الأمريكي البالغَ 2% هدفٌ يستحيلُ الوصولُ إليه، الآن أو في المستقبل.، وأنَّ أيّةَ محاولةٍ من البنك الفيدرالي لخفض سعر الفائدة بُغيةَ تحقيقِ التضخّمِ المُستهدَفِ ستَتعارضُ مع طبيعةِ الأسواقِ وتوقّعاتِها، وبالتالي ستُؤدّي إلى نتائج عكسية في المستقبل، وستدفعُ التضخّمَ إلى الارتفاع، بلا شكٍّ. وأصدرَ مكتبُ الإحصاء الأمريكي البياناتِ التقديريةَ لمعدّلِ النموِّ الاقتصاديِّ في الولايات المتحدة خلال الرُّبع الأول من عام 2026، والتي جاءتْ أقلّ مُقارنةً بتوقّعات الأسواق. ففي نهاية الربع الأول من العام الجَاري، سجّلَ الاقتصادُ الأمريكي نموًّا بنسبة 1.6%، فيما جاءَ أقلّ بكثيرٍ من توقّعات الأسواق التي كانت تشيرُ إلى نموِّ الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.0%، وهذا التراجعُ في النموِّ يشيرُ إلى الرُّكُودِ والتَّباطُؤِ الاقتصاديِّ، في ظلِّ حالةِ تَضخّمٍ لَصيقَةٍ ومُزمِنَةٍ. وجاءَ مُؤشِّرُ أسعارِ نَفقاتِ الاستهلاكِ الشخصيِّ في أمريكا PCE"" مُرتفِعًا ليبلغَ 3.8% على أساسٍ سنويٍّ خلال شهر أبريل قياسًا بما تمَّ تسجيلُه في شهر مارس والبالغُ 3.5%، ومتطابِقًا مع التوقّعات، علمًا أنَّ مثؤشِّرَ "PCE" هو مقياسُ التضخّم المُفضَّلُ للبنك الفيدرالي، وهذا يشيرُ بوضوحٍ إلى أنَّ الأسواقَ تضغطُ على التضخّم، وأنَّ الفيدراليَّ لا يمكنُه خفضَ سعرِ الفائدةِ في المدى المنظورِ. كما أنَّ زيادةَ تكاليفِ المعيشةِ دفعتْ ثقةَ المُستهلِكِينَ بأمريكا لأدنى مستوىً لها على الإطلاق في شهر أيار، فقد أظهرتْ استطلاعاتُ آراءِ المُستهلِكِينَ التي أجرَتْها جامعةُ ميشيجان أنَّ مؤشّرَ ثقةِ المُستهلِكِ انخفضَ إلى 44.8 نقطة، وهو أدنى مستوىً له على الإطلاق، نزولًا من 48.2 نقطة في وقتٍ سابق من هذا الشهر، وكان اقتصاديّون استطلعَتْ رويترز آراءَهم قد تَوقَّعُوا أنْ يَبقى المؤشّرُ دون تغييرٍ عند 48.2 نقطة. وارتفعَ، كذلك، مؤشّرُ توقّعات المستهلِكينَ في شهر أيار، بشأن التضخّم خلال العام المقبل إلى 4.8%، وهو أكثر بقليل مما تمَّ تسجيلُه في شهر نيسان والبالغ 4.7%، وارتفعتْ توقّعاتُ المستهلِكينَ بشأن التضخّم خلال السنوات الخمس المُقبلة إلى 3.9% في شهر أيار قياسًا بما تمَّ توقُّعُه في شهر نيسان والبالغ 3.5%، وستدفعُ هذه التوقّعاتُ البنكَ الفيدرالي الأمريكي إلى إبقاءِ سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في حدود 3.50% - 3.75% حتى العام المقبل. ولو وضعْنَا إلى جانب كلِّ هذه المؤشّراتِ التي تُؤكّد أنَّ الأسواقَ حكمتْ على معدلّاتِ التضخّم بالاستمرارِ في الارتفاع، وعلى المدى الطويل، بين 2.25% وما فوقها، الانفاقَ الحكوميَّ الهائلَ في الذّكاءِ الاصطناعيِّ والتحوُّلِ الأخضرِ والدفاعِ، لتَجلّى بوضوحٍ أنَّ هذه المؤشّرات مع هذا الانفاقِ الكبير سيجعلُ هدفَ الفيدرالي في التضخّم البالغِ 2% مُستحيلًا. وبمُوازاةِ الضغطِ على التضخّم لِيَستمِرَّ مُزمِنًا، يُعاني الاقتصادُ الأمريكي من الانخفاضِ في معدّل النموِّ، وارتفاعٍ في نسبة البطالة، ورُكودٍ في الأسواق، مما يضعُ الاقتصادَ الأمريكي على حافّةِ هاويةِ الرُّكودِ التضخُّمِيِّ، وهو ما يجعلُ جهودَ كبحِ جِماحِ التضخّمِ صعبًا ومُكلِفًا. وفي ظلِّ هذه البياناتِ والمؤشّراتِ وطبيعةِ الأسواق، فإنّ أيةَ محاولةٍ من البنك الفيدرالي لتخفيض سعر الفائدة، كما يريدُه ترامب، ستكونُ خطأً كبيرًا في المدى المنظور، وأعتقدُ أنَّ الاحتياطيَّ الفيدراليَّ سينتظرُ نتائجَ الأزمة الإيرانية، وفتحَ مضيق هرمز، ليُحدِّدَ موقفَه وسياستَه النقديةَ وخُططَهُ لتحقيقِ استقرارِ الأسواق. وستُلقي هذه المؤشّراتُ بظلالِها على مؤشّرِ الدولارِ لِيبقَى مُرتفِعًا، وعلى الذّهبِ والفضّةِ والبورصاتِ، لِتَبقَى أسعارُها مُنخفِضةً، ومُتذبذِبَةً في حدودٍ مُعيّنةٍ.
Go to News Site