jo24.net
كتب - زياد فرحان المجالي ليست المشكلة اليوم أن العالم لا يرى ما يجري في غزة ولبنان. العالم يرى، ويسمع، ويحصي الضحايا، ويتابع صور البيوت المهدمة، والخيام المحترقة، والقرى التي تُمحى من خرائطها ببطء. المشكلة الأشد قسوة أن الإنسان العربي، وهو يشاهد كل ذلك، لا يجد في كثير من الخطاب الرسمي العربي صوتًا يشبه وجعه، ولا موقفًا يليق بحجم الإهانة التاريخية التي تتعرض لها الأمة أمام عينيه. في لحظات الأزمات الكبرى، لا تطلب الشعوب من قادتها أن يفتحوا الجبهات أو يعلنوا الحروب. الناس تعرف موازين القوى، وتدرك تعقيدات السياسة الدولية، وتفهم أن للدول حساباتها ومصالحها وضغوطها. لكنها تطلب الحد الأدنى من الكرامة السياسية: كلمة واضحة، موقفًا صريحًا، احتجاجًا حقيقيًا، لغة لا تبدو كأنها مكتوبة لإرضاء الخارج أكثر مما هي نابعة من ضمير الداخل. في غزة، يعيش شعب كامل منذ سنوات طويلة داخل أكبر سجن مفتوح على وجه الأرض، محاصرًا في البر والبحر والجو، ثم تُصبّ عليه الحروب كأن حياته مجرد تفصيل في حسابات القوى الكبرى. وفي لبنان، تُقصف القرى، وتُهجّر العائلات، ويُعاد رسم الجنوب بالنار والخوف، وسط محاولات مكشوفة لفرض منطقة عازلة دائمة تحت عنوان الأمن. ومع ذلك، يبدو الموقف العربي الرسمي في كثير من الأحيان مرتبكًا، خافتًا، محسوبًا إلى درجة تفقده روحه. ليست القضية هنا دفاعًا عن حزب أو فصيل أو محور. يمكن للناس أن تختلف في تقييم حزب الله، وأن تختلف في تقييم حماس، وأن تختلف في قراءة الخيارات العسكرية والسياسية. لكن لا يجوز أن يضيع الأصل وسط الخلافات: هناك شعب يُقصف، وأرض تُدمر، ومدنيون يدفعون الثمن، واحتلال يريد تحويل القوة إلى قانون دائم. أمام هذه الحقيقة، يصبح الصمت نوعًا من التواطؤ المعنوي، وتصبح اللغة الرمادية إهانة للضحايا قبل أن تكون حذرًا دبلوماسيًا. المفارقة أن العرب ليسوا بلا قوة. هذه المنطقة تملك المال، والطاقة، والموقع، والأسواق، والممرات، والشرعية التاريخية، والوزن السكاني، وأوراق ضغط لا تملكها دول كثيرة. ليست الأزمة في قلة الإمكانات، بل في غياب الإرادة. ليست المشكلة أن الأمة فقيرة أو عاجزة، بل أن قرارها السياسي يبدو أحيانًا أصغر من حجمها، وأضيق من غضب شعوبها، وأكثر خوفًا من غضب الخارج منه من غضب الداخل. ما الذي تطلبه الشعوب؟ لا تطلب المستحيل. لا تطلب حربًا شاملة، ولا انتحارًا سياسيًا، ولا قطيعة عمياء مع العالم. تطلب فقط أن تشعر أن حكوماتها لم تتحول إلى إدارات محلية للرضا الدولي، وأن كرامة الناس ما زالت حاضرة في حساباتها. تطلب أن تسمع موقفًا يقول إن دم الفلسطيني واللبناني ليس رخيصًا، وإن الأمن لا يعني أن يُمنح المعتدي حق تدمير المدن، وإن السلام لا يكون بطاعة الأقوى بل بحماية الحق. الأخطر من الصمت أنه يراكم شعورًا عميقًا بالخذلان. فالشعوب قد تسامح في أخطاء السياسة، وقد تصبر على ضيق العيش، وقد تتحمل سنوات من الأزمات، لكنها لا تنسى اللحظة التي شعرت فيها أن كرامتها تُترك وحيدة. ولا تنسى حين ترى قادتها أسرى الحذر، بينما الشارع يغلي بالعجز والغضب والأسئلة. لقد صار الامتحان اليوم أبعد من غزة ولبنان. إنه امتحان لفكرة الأمة نفسها، ولجدوى النظام العربي، ولمعنى أن يكون للعرب موقف في عالم لا يحترم إلا من يملك إرادة الدفاع عن حقه. فحين تصبح البيانات أضعف من الدموع، وحين يصبح الحذر أقوى من الضمير، وحين تُترك الشعوب وحدها أمام شاشات الدم، لا يعود الصمت مجرد ضعف سياسي، بل يتحول إلى وثيقة إدانة مفتوحة أمام التاريخ. وفي النهاية، قد تستطيع الحكومات أن تبرر صمتها أمام العواصم الكبرى، لكنها لن تستطيع أن تبرره أمام شعوبها طويلًا. فالغرب لا يحمي شرعية من فقد صوته في الداخل، والقوة لا تبدأ من رضا الخارج، بل من احترام الناس لمن يتكلم باسمهم. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: الأمة التي تصمت قياداتها حين تُهان كرامتها، لا تخسر معركة سياسية فقط، بل تخسر شيئًا أعمق؛ تخسر ثقة أبنائها بأن هناك من يقف بينهم وبين العار. .
Go to News Site