Collector
Giriş Yap
بين 60 و63.. السن التقاعدي: صراع البقاء الوظيفي مقابل دماء الشباب | Collector
بين 60 و63.. السن التقاعدي: صراع البقاء الوظيفي مقابل دماء الشباب

بين 60 و63.. السن التقاعدي: صراع البقاء الوظيفي مقابل دماء الشباب

عادت في العراق السجالات بشأن سن التقاعد لمنتسبي المؤسسات الحكومية، وقد سبق أن خفض سن التقاعد وجرى إقرار 60 سنة للإحالة على التقاعد، إلا أن القضية تثار في هذه الأيام في العراق بقوة برغم الازمة المالية وتضخم الدوائر بأعداد كبيرة من الموظفين؛ وفيما يدعو البعض إلى الإبقاء على سن 60 عاما، فإن آخرين يدعون إلى رفع السن إلى 63 عاما بحجة الخبرة، مع العلم أن متوسط الأعمار في العراق ليس كبيرا وقد يكون بحدود 70 عاما والمواطن العراقي في سن الخمسين أو الستين يعاني في العادة من تعب جسدي وأمراض مزمنة، وبالنتيجة فإنه بحاجة إلى تقاعد مبكر وليس زيادة السن التقاعدي، لاسيما أن "الخبرة" لم تنفع كثيرا في إدامة عمل المؤسسات بصورة سليمة، والفساد الاداري والمالي مستشر فيها، على وفق اجماع المتخصصين. إن القضية تعكس جوهر التناقض في الإدارة العامة في العراق، والصراع بين الحاجة الاقتصادية ـ الإدارية، وبين الواقع الصحي والاجتماعي للموظف العراقي، وهذا السجال يعكس تضاربا في الأولويات بين صانع القرار والموظف الاعتيادي. ان مطالب رفع السن التقاعدي إلى 63 عاما بمسوغ الخبرة ينظر إليها غالبا من زاوية مؤسساتية، اذ يقول مؤيدو هذا الرأي انهم يخشون من فقدان الملاكات التخصصية، لكن "الخبرة" تصبح ذات جدوى محدودة في بيئة تعاني من ترهل إداري وضعف في التحول الرقمي، اذ يهدر الوقت في إجراءات روتينية لا تتطلب خبرة تراكمية بقدر ما تتطلب طاقة وحيوية. في الواقع، يعاني الموظف العراقي من ضغوط معيشية واجتماعية، فضلا عن انتشار الأمراض المزمنة في أعمار مبكرة نسبيا مقارنة بالمعدلات العالمية، وان الإصرار على تمديد السن في ظل غياب رعاية صحية وظيفية شاملة يعني عمليا استنزافا لما تبقى من طاقة الموظف بدلا من الاستفادة من خبرته، كما يعاني العراق من تضخم هائل في الجهاز الإداري للدولة، اذ تحولت الوظيفة العامة إلى شبكة أمان اجتماعي بدلا من كونها أداة لتقديم الخدمات. اما المطالبون بخفض سن التقاعد أو الإبقاء عليه عند 60 عاما في ظل عدم تواجد خطط للقطاع الخاص فيقولون انه قد يؤمن استيعاب الخريجين الجدد ويعالج أزمة البطالة المقنعة في الدوائر الحكومية. ويقول آخرون ان الحل لا يكمن في مجرد رفع أو خفض السن، بل فيما يسمى التقاعد المرن؛ أي إعطاء الموظف خيار التقاعد الاختياري بعد سن معينة مع ضمان راتب تقاعدي كريم، مما يفتح الباب لضخ دماء شابة من دون إجبار الكفاءات على ترك العمل قسرا. تتفق الآراء الاقتصادية على أن الفساد الإداري والمالي في العراق يلتهم الموارد التي كان يمكن توجيهها لتعديل الرواتب التقاعدية، وان المطالب بتحسين مكافأة نهاية الخدمة و الراتب التقاعدي و كذلك إقرار سلم جديد للرواتب، مشروعة جدا، ولكنها تصطدم بالتضخم الوظيفي وان أي زيادة في السن التقاعدي من دون إصلاح إداري حقيقي تؤدي فقط إلى تجميد الوظائف وعدم تطوير المؤسسات، و ما دامت المؤسسات تعتمد على الحضور الجسدي والروتين الورقي، فإن السن سيكون عائقا، أما إذا تحولت المؤسسات نحو العمل الالكتروني، فإن السن التقاعدي يصبح أقل أهمية لأن العمل يعتمد على المعرفة والمهارة وليس على التحمل البدني. ان تقاعدا اختياريا يلامس جوهر التوازن بين الحقوق الفردية والحاجة المؤسساتية، وهو توجه تتبناه عديد الدول التي واجهت تحديات ديموغرافية واقتصادية مشابهة لما يمر به العراق، و تحويل التقاعد من قرار إلزامي قسري إلى خيار استراتيجي للموظف يحمل في طياته فوائد تتجاوز مجرد تخفيف العبء عن مؤسسات الدولة، فعندما يمنح الموظف خيار التقاعد المبكر مع امتيازات مالية جيدة، ستنتقل المؤسسات الحكومية من حالة التكدس إلى حالة الاستمرارية المنظمة، و بدلا من انتظار الموظف حتى يبلغ 63 عاما وهو في حالة إرهاق جسدي تقلل من إنتاجيته، سيختار الموظف التفرغ لحياته الشخصية، مما يفسح المجال أمام دماء شابة طموحة وقادرة على التكيف مع التقنيات الحديثة، و تعد فكرة الترفيه والسفر وممارسة الحياة الاعتيادية، التي يطرحها البعض كحق أصيل للموظف بعد عقود من الخدمة عاملا مشجعا على التقاعد المبكر. حاليا، يربط الموظف العراقي التقاعد بـالفقر أو ضياع الحقوق بسبب ضعف الراتب التقاعدي، والحل بإقران خيارات التقاعد المبكر بـمكافآت نهاية خدمة عادلة، فيتحول التقاعد إلى بداية مرحلة جديدة، هذا يقلل من ظاهرة التمسك بالوظيفة ليس حبا في العمل، بل خوفا من تدني مستوى المعيشة بعد التقاعد. قد يرى البعض أن التقاعد المبكر يكلف الدولة ماليا بسبب صرف رواتب تقاعدية لسنوات أطول، لكن هذه النظرة قاصرة، لأن الرواتب التقاعدية غالبا ما تكون أقل من رواتب الموظفين في الخدمة، التي تتضمن مخصصات خطورة، ونقل، و المخصصات الجامعية، وغيرها، كما ان التكلفة للموظف المنهك صحيا أو غير الراغب في العمل، تتجاوز بكثير تكلفة إحالته إلى التقاعد، وفي بيئة إدارية مترهلة، يستغل التمديد الوظيفي أحيانا كأداة للمحسوبيات أو للإبقاء على مراكز قوى معينة، و التقاعد الاختياري يضع سلطة القرار في يد الموظف نفسه، مما يقلل من التدخلات الإدارية ويجعل من مسار التدرج الوظيفي عملية أكثر شفافية ونزاهة. ولنجاح هذا المقترح في العراق، لا بد من إعادة هيكلة صندوق التقاعد لضمان ديمومة الرواتب من دون التأثير على حقوق الأجيال المقبلة، ويجب ان يحسب الراتب التقاعدي بناء على سنوات الخدمة والاسهام في صندوق التقاعد، وليس فقط على أساس العمر، مع منح حوافز إضافية لمن يختار التقاعد طوعا، ما يوجب الانتقال من الجدل بشأن السن، إلى حلول عملية تحترم إنسانية الموظف وتخدم مصلحة الدولة في آن واحد. ان التصادم بين طموح الشباب الذين يمثلون المستقبل والكتلة الديموغرافية الأكبر، وبين الجمود الإداري للنظام التقليدي، هو أحد أعمق تجليات أزمة الحكم في العراق. الشباب لا يطالبون فقط بفرص عمل، بل يطالبون بـتجديد الدم في مفاصل الدولة التي أصابها الترهل، كما ان بقاء الموظفين في وظائف متهالكة حتى سن الـ 63 هو خسارة لسنواتهم الأخيرة التي كان يمكن أن يعيشونها بحرية وكرامة مع تقاعد عادل. هذه هي المعضلة التي تبقي النظام الإداري العراقي أسيرا لنموذجه الجامد؛ فالموظف الذي يدافع عن رفع سن التقاعد يفعل ذلك نتيجة منطق البقاء وليس منطق الطموح، إنهم يرون في الوظيفة الحكومية الملاذ الأخير والمصدر الوحيد للأمان في ظل غياب أي نظام بديل للضمان الاجتماعي خارج أسوار المؤسسة الحكومية، وهذا التصور يرتكز على مخاوف حقيقية تجعلهم يتمسكون بالكرسي حتى سن الـ 63، والموظف العراقي يربط بين تواجده في الوظيفة وبين حصوله على المخصصات التي تتلاشى فور الإحالة للتقاعد، وبعض الموظفين، بخاصة في المواقع الإدارية الوسطى والعليا، يشعرون بفقدان "الهيبة" فور خروجهم من الوظيفة، وهو ما يجعلهم يربطون كرامتهم الاجتماعية باستمرار تواجدهم في المكتب.

Go to News Site