صحيفة البلاد البحرينية
هاهنا إطلالة على الكتاب التوثيقي “من نافذة الغرفة.. محطات اقتصادية يرويها عبدالنبي الشعلة”، الصادر في 13 مايو 2025، تتجلى من خلالها انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين بوصفها أكثر من مجرد استحقاق دوري، بل كنافذة كاشفة لتحولات عميقة شهدها الاقتصاد البحريني في مرحلة مفصلية امتدت بين 1983 و1995. أعلى الأصوات في تلك الحقبة، لم تكن صناديق الاقتراع تعكس فقط أسماء الفائزين، بل كانت تعكس اتجاهات السوق، وصراع الرؤى الاقتصادية، وطموحات جيل جديد من رجال الأعمال، كما حدث في انتخابات 1983 التي شهدت دخول “الشعلة” كأصغر عضو وحصوله على أعلى الأصوات. ويكشف الكتاب، الذي كتبه الزميل غسان الشهابي، أن الانتخابات شكلت مرآة دقيقة لحراك القطاع الخاص، حيث تداخلت فيها التنافسات مع التحالفات، وتأثرت بنتائجها مسارات القرار الاقتصادي داخل الغرفة، كما برزت بوصفها أداة لتمثيل “صوت التاجر”، وتحديد طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، خصوصًا في ظل أزمات إقليمية وتقلبات اقتصادية زادت من حساسية هذه الانتخابات، وجعلتها أكثر تأثيرًا في رسم ملامح المرحلة الاقتصادية. ملامح “السالفة” وفق ذلك، تعكس انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين مسارًا تاريخيًا يتجاوز كونها إجراءً تنظيميًا، لتصبح أداة فاعلة في تشكيل الاقتصاد الوطني وتمثيل القطاع الخاص، منذ نشأتها في العام 1910 وحتى اليوم، وتتجسد أولى ملامحها في جذورها التاريخية المبكرة، حيث نشأت فكرة التنظيم التجاري من “مجلس السالفة” قبل التأسيس، وصولًا إلى أول مؤتمر للتجار في 1910، والذي أرسى قاعدة العمل المؤسسي للتجار في البحرين، تلك اللحظة، ارتبطت الانتخابات بفكرة تمثيل التجار وتنظيم مصالحهم ضمن إطار رسمي. ويتمثل الملمح الثاني يتمثل في تطور مفهوم التمثيل الانتخابي، خاصة بعد الاعتراف الرسمي بالغرفة وتشكيل أول مجلس إدارة في خمسينيات القرن الماضي (31 مايو 1951)، حيث أصبحت الانتخابات وسيلة لاختيار قيادات اقتصادية قادرة على إدارة شؤون القطاع التجاري، بما يعكس تنامي دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني. مرآة السوق أما في مرحلة الستينيات حتى الثمانينيات، فقد برزت الانتخابات كمرآة لحالة السوق، حيث أظهرت نموًا في عدد الأعضاء وتزايد المشاركة، إلى جانب تركيز واضح على معالجة التحديات الاقتصادية مثل الإفلاسات واستعادة الثقة في الأسواق، وهو ما منح العملية الانتخابية بُعدًا اقتصاديًا مباشرًا . وفي مرحلة الثمانينيات حتى مطلع الألفية، اتخذت الانتخابات طابعًا أكثر تعقيدًا، إذ ارتبطت بـ إدارة الأزمات الاقتصادية، مثل ارتفاع الفوائد المصرفية، ودعم الصناعات الوطنية، ومواجهة التحديات في السوق، كما بدأت تظهر أهمية الانتخابات في توجيه سياسات الغرفة نحو دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز التنوع الاقتصادي. المشروع الإصلاحي ومع دخول الألفية الجديدة، برزت ملامح جديدة تمثلت في ارتباط الانتخابات بالمشروع الإصلاحي والرؤية الاقتصادية 2030، حيث أصبحت المجالس المنتخبة مطالبة بترجمة التوجهات الوطنية إلى برامج اقتصادية عملية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في التنمية، كما شهدت هذه المرحلة تطورًا في آليات العمل، من خلال التركيز على الشفافية، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتعزيز الابتكار في صنع القرار، إلى جانب بناء شراكات محلية وخليجية ودولية. بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين لم تكن مجرد استحقاق دوري، بل مسارًا تراكميًا يعكس تطور الاقتصاد البحريني وتحولاته، وطموحات قطاعه الخاص، في بيئة تتسم بالتغير المستمر والتنافسية المتصاعدة.
Go to News Site