صحيفة البلاد البحرينية
في أزقة الأسواق القديمة، وبين الواجهات المتآكلة والنوافذ الخشبية والفتحات المقوسة، لا تبدو المباني البحرينية القديمة مجرد كتل صامتة من الحجر والجص، بل صفحات مفتوحة من التاريخ الاجتماعي والعمراني والاقتصادي للبحرين؛ فكل مبنى قديم في المنامة أو المحرق أو في قلب القرى يحمل ملامح زمن كامل، ويكشف عن كيف عاشت البحرين تحولات التجارة والسكن والحرف، وكيف صاغت بيئتها المحلية فنون عمارتها الخاصة. لغة معمارية تتميز العمارة البحرينية التقليدية ببساطة شكلها وقوة حضورها في آن واحد؛ فالواجهات غالبًا ما تأتي مستقيمة وواضحة، تتخللها نوافذ خشبية رأسية أو مستطيلة، وأحيانًا تعلوها أقواس زخرفية خفيفة أو حواجز مفرغة من الجص أو الخرسانة، كما تظهر في بعض المباني العوارض الخشبية الممتدة من السقوف، وهي عناصر لم تكن جمالية فقط، بل كانت جزءًا من الحلول الإنشائية والبيئية التي فرضتها ظروف المناخ وطبيعة المواد المتاحة. هذه المباني شُيّدت في الغالب من الحجر البحري والطين والطابوق والجص الجيري، مع استخدام واسع للأخشاب، خصوصًا في الشبابيك والأسقف والدعامات، وفي كثير من الحالات، أضيفت لاحقًا ألواح معدنية، ومكيفات، وتمديدات كهربائية وواجهات حديثة؛ ما خلق مشهدًا بصريًا يمزج بين الأصالة والتغيير، وبين التراث والوظيفة اليومية المعاصرة. الطابع والهيبة عرضت “البلاد” مجموعة صور على عدد من المهندسين المعماريين لتكشف أوصاف عدد من المباني القديمة في سوق المنامة عن تنوع لافت في الأنماط؛ فبعضها عبارة عن مباني زاوية متعددة الأضلاع تستفيد من تقاطع الطرق التجارية، فتبدو بكتلة هندسية لافتة تمنحها حضورًا أقوى في المشهد العام، وبعضها الآخر يمتد بواجهة طويلة تتكرر فيها الفتحات الرأسية الضيقة، بما يعكس طابعًا شائعًا في عمارة الأسواق بالنصف الأول من القرن العشرين. وفي المقابل، هناك مبانٍ تحمل واجهات تجارية بسيطة ولكن ذات هيبة اقتصادية قديمة؛ إذ تكشف الفتحات الكبيرة في الطابق الأرضي والطوابق العلوية شبه السكنية عن طبيعة مزدوجة للمبنى: التجارة في الأسفل، والمكاتب أو السكن فوقها. هذه التركيبة المعمارية كانت شائعة جدًا في البحرين؛ إذ لم تكن الأسواق فقط أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات للحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والتنقل المهني. الزخرفة المتواضعة ما يميز كثيرًا من هذه المباني هو أن الزخرفة فيها ليست طاغية بل متواضعة ومحسوبة؛ فتظهر في أقواس أعلى النوافذ، أو في السور العلوي، أو في الحواجز المفرغة ذات الأشكال الهندسية المتكررة، وهذا يكشف عن أن العمارة البحرينية لم تكن معنية بالإبهار الشكلي بقدر ما كانت معنية بالتوازن بين الجمال والوظيفة. حتى المباني المتداعية أو المهجورة اليوم مازالت تحمل هذا الأثر؛ فالجدران السميكة والنوافذ الصغيرة وآثار السقوف الخشبية القديمة، كلها تدل على فهم معماري عميق لطبيعة المناخ، ولضرورة تحقيق الظل والتهوية والحماية، وهذا ما يجعل هذه الأبنية شواهد حية على ذكاء عمراني محلي سبق زمن التكييف الصناعي والمواد الحديثة. من الأثر إلى الذاكرة بعض الصور تعكس مباني متآكلة ومتضررة، أو أجزاء من بيوت قديمة انهارت جدرانها وبقيت ملامحها الأساسية واضحة، وعلى رغم ما يبدو فيها من خراب، فإنها لا تفقد قيمتها، بل تزداد أهمية بوصفها ذاكرة مادية لمرحلة من تاريخ البحرين؛ فالبيت الشعبي القديم، حتى وهو مهدد بالاندثار، يروي قصة أسلوب عيش ونظام بناء وعلاقة الناس بالمكان. مرآة بحرينية وتكشف فنون وأنماط العمارة البحرينية القديمة عن هوية وطنية متجذرة في البحر والبر والسوق والحرفة، وهي عمارة صنعتها الحاجة، لكن صقلتها الذائقة المحلية واحتضنتها المدينة بوصفها جزءًا من نسيجها الحي، بين مبانٍ شعبية بسيطة، وأخرى تجارية، وثالثة جُددت حديثًا مع الحفاظ على روحها التراثية. نبيل أجور: ذكاء عمراني أصيل سبق التقنيات تستهوي رجل الأعمال المهتم بتاريخ وتراث البحرين نبيل أجور عمارة سوق المنامة القديمة؛ فهو يراها تمثل ذاكرة حية تختزن تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبحرين، مشيرًا إلى أن تصاميم المباني ليست مجرد عناصر إنشائية، بل شواهد على أسلوب عيش متكامل ارتبط بالمناخ والبيئة والحرفة المحلية. كما يُضاف إلى ذلك أن مباني السوق القديمة ومحالها شُيّدت في معظمها بمواد محلية تعكس هوية البحرين العمرانية والبيئية؛ إذ استُخدمت في البناء المواد البحرية والطبيعية المتوافرة آنذاك مثل الطين، والجص، والحجر، والحجر البحري المعروف محليًا بـ “الفروش”، إلى جانب أسقف من “الدنجل” و “المنغروف”. ويكشف هذا الطابع المعماري عن مرحلة تاريخية كانت فيها البحرين مركزًا تجاريًا بارزًا في الخليج، تتجه إليها دول المنطقة لجلب البضائع وشراء احتياجاتها؛ ما رسّخ مكانتها بوصفها محطة اقتصادية رئيسة في ذلك الزمن. أما الأخشاب، فكانت تُستورد من الهند، وقد استُخدمت في صناعة الأبواب القديمة بدلًا من الأبواب الحديدية، إذ كانت تُرص ألواح الخشب وتُدعّم بقطع حديدية في الوسط، في مشهد يجسد بساطة العمارة القديمة ومتانتها في آن واحد. واستدرك أجور قائلا “هذه المباني تعكس ذكاءً عمرانيًا أصيلا سبق التقنيات الحديثة، حيث جمعت بين البساطة والوظيفة والجمال في آن واحد، والحفاظ على هذه العمارة لا يقتصر على الترميم الشكلي، بل يتطلب قراءة تاريخها وتوثيق قصصها وربطها بالأجيال الجديدة، باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية”. فؤاد الشكر: استراحة لانتظار “النواخذة” تمثل المباني التراثية في سوق المنامة بالنسبة للمؤرخ فؤاد الشكر كنزًا اقتصاديًا وثقافيًا لا يقل أهمية عن المشاريع الحديثة؛ فالعمارة البحرينية القديمة تعكس مرحلة ازدهار تجاري وحضاري شكلت ملامح الهوية الوطنية. وزاد قائلا “التفاصيل المعمارية البسيطة، مثل الأقواس والزخارف المحدودة والنوافذ الخشبية، تعبر عن فلسفة متوازنة بين الجمال والوظيفة، وتكشف عن ارتباط الإنسان البحريني ببيئته”. وتمتاز بعض هذه “العمارات” بمداخلها الواسعة وأبوابها الخشبية العالية القوية، ويوجد على جانبيها دكتان مخصصتان لجلوس الحرس والعمال، وهي كمحطة استراحة للعابرين أو لانتظار وصول “النواخذة”، وهناك كراسي خشبية طويلة ما بعد المدخل لجلوس العمال والعملاء (الزبائن).
Go to News Site