عكاظ عاجل
رغم أن كلمة «مدون» واحدة من أجمل الكلمات العربية التي ولدت مع عصر الإنترنت، إلا أنها تكاد تختفي من الاستخدام اليومي. فهي مشتقة من فعل «دَوَّن» بمعنى سجّل ووثّق ونشر، وتصف بدقة متناهية الشخص الذي يحوّل أفكاره وتجاربه إلى مقالات منظّمة على مدونة إلكترونية. كانت الكلمة في العقد الأول من الألفية الثالثة رمزاً للثورة الرقمية العربية؛ فالمدونون كانوا يفتحون أبواب الحوار الحر ويصنعون رأياً عاماً جديداً.لكن لماذا انقضت هذه الكلمة الجميلة رغم أن نشاطها لم ينقضِ؟ السبب ليس فنياً بل ثقافياً واقتصادياً. تحوّلت المدونات التقليدية إلى منصات فيديو قصير وصور وستوري، وأصبحت الكتابة الطويلة أقل جاذبية للجمهور الذي يفضل المحتوى السريع. كما أن مصطلح «مدون» ارتبط في ذهن الجيل الجديد بالماضي، بينما أصبحت سوق الإعلان والتسويق تبحث عن كلمات تبدو «عالمية» و«حديثة». فانتشرت بدائل مستوردة أو مصطنعة: «بلوجر» ثم «يوتيوبر» ثم «إنفلونسر» وأخيراً «صانع محتوى» و«مؤثر رقمي».«صانع محتوى» هو البديل الأكثر دقة وشمولاً اليوم؛ فهو لا يقتصر على الكتابة بل يشمل الصوت والصورة والحوار المباشر، ويحمل طابعاً احترافياً يناسب عصر الاقتصاد الرقمي. أما «مؤثر» فيضيف بعداً تجارياً واضحاً. ومع ذلك، يبقى «مدون» كنزاً لغوياً يستحق الإحياء، لأنه يحمل أصالة عربية عميقة تربط بين التدوين القديم في كتب التاريخ والتراث وبين الكتابة الرقمية الحديثة. فالتدوين ليس مجرد نشر محتوى، بل هو توثيق للزمن، حفظ للأفكار، وبناء لمجتمعات تفكر بعمق.في عصر الذكاء الاصطناعي والمحتوى الآلي، يبرز دور المدون الحقيقي كصوت أصيل يقاوم السطحية. ربما حان الوقت لنعيد الكلمة إلى مكانتها، لا كبقايا ماضٍ، بل كجسر أصيل بين الكتابة الرقمية القديمة.
Go to News Site