عكاظ عاجل
تتباين الأزمات في عالم الطيران حسب نوعية الحدث وحجمه، لكن أكثرها أهمية ما ينتج عنه خسائر بالأرواح أو يكون سببه خطأ فادح يتعلق بالسلامة.في اللحظات الأولى لأي حادثة جوّية، ومع إجراءات الإنقاذ والتحرز الطبيعية، يكون أهم إجراء سريع هو ما يتعلق بإدارة الأزمة إعلامياً، كيف تُروى القصة، ومتى تُقال الحقيقة.عندما وقع اصطدام الطائرة الكندية بعربة الإطفاء، الأسبوع الماضي على مدرج مطار لاغوارديا في نيويورك، حرصتُ كثيراً على متابعة المعالجة الإعلامية الرسميّة؛ لأن الحادث يعد اختباراً لقدرة النظام على إدارة الرواية، والتعامل مع التداعيات.النموذج الإعلامي الأمريكي مرتّب وجامد، فقد تحركت إدارة الطيران الفيدرالي Federal Aviation Administration بسرعة لضبط الإطار واستباق أي فوضى في الروايات.. صدر بيان قصير، خلت عباراته كالعادة من أي مشاعر، اكتفى بالحقائق الأولية دون تفسير أو استنتاج.هذا الأسلوب لا يعتبر بروداً بقدر ما هو انضباط يهدف إلى حماية الرواية من التشويش المبكر أو التناقض لاحقاً.بعد ذلك، تراجع الصوت الإداري وتقدّم صوت التحقيق، حيث جاء دور المجلس الوطني لسلامة النقل، National Transportation Safety Board (وهو الجهة المختصة بالتحقيق) ليكون هو المرجع المعرفي للحادث، وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في النموذج الأمريكي، أعني الفصل بين جهة التشغيل وجهة التحقيق، مما يعزز المصداقية ويمنع تضارب الرسائل، خلال ذلك التزم المطار والجهات الأخرى بنطاق تواصل محدد، يركّز على الجوانب التشغيلية مثل الإغلاق، دون الإغراق في التفاصيل.هذا التسلسل في الطرح الإعلامي لم يكن عشوائياً على الاطلاق، فهو يقوم على فلسفة واضحة تعتمد «التدرج في كشف الحقيقة»، وعدم الاستجابة لضغوط الرأي العام أو سرعة وسائل التواصل.في المقابل، نجد أن الأسلوب العربي في إدارة أزمات الطيران يميل إلى صياغة مختلفة، البيان الذي يصدر يثبت الواقعة ويحاول أن يحتوي آثارها، فيذكر بعض التفاصيل ويكون أكثر دفئاً وأقرب للنّاس لكنّه قد يورد أحياناً معلومات لم تكتمل، ويكون هدفه حماية الشعور العام.الفارق في المهنية بين النموذجين الأمريكي والعربي ليس كبيراً، لكن في ترتيب الأولويات هناك فرق، في الولايات المتحدة تبنى الرواية لتصمد أمام التحقيق والقضاء حتى لو بدت باردة في اللحظات الأولى، أما في بيئتنا فتبنى الرسالة لتكون مطمئنة نفسياً حتى لو كانت قبل اكتمال الصورة.في قطاع مثل الطيران، حيث يرتبط الأمر مباشرة بإحساس الناس بالأمان، تصبح المعلومة الدقيقة جزءاً من منظومة السلامة، وليست مجرد محتوى إعلامي، كل كلمة تُقال، وكل تأخير في التوضيح، له أثر يتجاوز الخبر إلى شعور عام بالثقة أو القلق؛ لذلك تبقى المعادلة الأصعب، هل تقول أقلّ مما تعرف أم أكثر مما يجب؟!من أشهر النظريات في هذا السياق، نموذج Situational Communication Theory (SCCT) الذي يفترض أن أسلوب التواصل يتأثر بالثقافة والبيئة القانونية وحساسية السمعة؛ لذلك تكون معالجة الأزمات في الطيران انعكاساً لأنظمة قانونية وثقافات مؤسسية مختلفة، مثل تحفّظ الخطاب الأمريكي بسبب البيئة القانونية هناك؛ لذلك يمكن القول إن النظام الأمريكي نجح في ضبط الإطار الإعلامي ولم يتسرع في تقديم إجابات غير مكتملة، وهذا بحد ذاته معيار مهم.في النهاية، إدارة حوادث الطيران إعلامياً هي قبل كل ذلك وبعده، عملية حسّاسة توازي في أهميتها إدارة الحدث نفسه، فالثقة بالطيران لا تبنى في الإجراءات فقط إنما تُصاغ مع كل كلمة تخرج للناس.
Go to News Site