صحيفة البلاد البحرينية
تسهيلات تملك الأجانب للشركات كشفت عن التستر التجاري وجذبت استثمارات نوعية جسر الملك فهد تحول إلى نموذج إقليمي بفضل حل أزمة الشاحنات وفتح المجال للدراجات النارية إلغاء الاحتكار أفاد السوق والتاجر والمستهلك.. والتاجر البحريني اليوم يواجه ضغوطا لكن الفرص متاحة للجادين التنويع في الاستثمار بمجموعة الشمري جاء نتيجة تغير الأولويات وتراجع حركة السفر في الثمانينات يجب التحرك بحلول جريئة وخارجة عن السياق المألوف لإنقاذ الاقتصاد من عبء الدين قطاع التعليم العالي فرصة لاستقطاب 100 ألف طالب وتحويل البحرين لمركز إقليمي المؤسسات المصرفية تستفيد من ديون الدولة دون أن تضخ استثمارات حقيقية في حلقة جديدة من برنامج “ديوان التجار”، الذي يُبَث عبر منصات صحيفة “البلاد” الرقمية، استضاف الإعلامي محمد درويش، رئيس مجلس إدارة مجموعة الشمري القابضة نائب رئيس جمعية رجال الأعمال البحرينية عضو مجلس الأعمال البحريني السعودي المشترك رجل الأعمال البحريني عبدالحكيم الشمري. وتناول الحوار مسيرة الشمري التجارية الممتدة أكثر من أربعة عقود، منذ بداياته في سوق المنامة، وتنقل أسرته بين الأقمشة والسفر والسياحة، ثم تحوله إلى الاستثمار في قطاع الضيافة عبر شراكات ناجحة مع مستثمرين سعوديين، وصولا إلى رؤيته للقطاع الخاص والتحديات الاقتصادية والدور التشريعي لمجلس النواب، وإسهاماته في حل أزمات جسر الملك فهد. وإلى نص الحوار: بداياتكم في سوق المنامة، حيث تنقلت العائلة بين الأقمشة والبخور والبشوت، ثم الملابس الجاهزة، فالسفر والسياحة. ماذا أعطاك هذا التنقل من خبرة؟ الإنسان وليد بيئته. نشأت منذ فتحت عينيّ وأرى جدي منشغلا في تجارته، ووالدي يعمل في تلك الفترة بعد انتقاله من “بابكو” إلى شركة أحمد بن يوسف مع طيران بريطاني. رأيت أن منطق الأسرة وتفكيرها ينصبُّ في معايير القطاع الخاص: العرض والطلب، وتوفير المخزون، ورفع الأسعار وتخفيضها بين أسواق البحرين والخليج؛ فنشأت لديَّ هذه الطباع، وهي في الجينات أيضا؛ فقد ورث جدي عبدالله التجارة قبل أكثر من مئة عام إلى جدي الشيخ محمد، وانتقلنا جيلا بعد جيل نمارس هذا العمل. والحمد لله اليوم، أسرتنا كلها تعمل في القطاع الخاص. وأذكر مقولة مشهورة لولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة “يجب أن نعيش كما كنا قبل مرحلة النفط”، حين كان الجميع يعمل في البحر والصيد والغوص والتجارة، والدولة تدير شؤونها بعدد محدود من الموظفين. أما اليوم فالناس تتجه للوظائف الحكومية والهرم مقلوب، ونحن مع الحكومة نعمل على إعادة تموضع الهرم الوظيفي ليستحوذ القطاع الخاص على أكبر قدر من الوظائف. عدت إلى البحرين أثناء دراستك في الهند بسبب ظروف والدك الصحية، ثم أكملت الدراسة بعد الزواج. ما الذي دفعك للعودة إلى الدراسة؟ سألت نفسي: لديَّ شركات وتجارة، لماذا أحصل على شهادة؟ فوجدت أن العلم نور، وأردت أن أضع سقفا لأبنائي وبناتي بأني وصلت إلى هذه المرحلة وعليهم تجاوزي؛ لأخلق لهم تحديا يدفعهم للتميز. فوفقني الله، وانضممت مع بعض الأصدقاء لدراسة الماجستير في جامعة ببريطانيا، وكان الأساتذة يترددون على البحرين. وحين حصلت على الشهادة، أقولها بكل فخر، غير العلم الذي اكتسبته من جامعة عريقة، فإن طريقة التفكير والتعامل مع المشكلات، وطريقة إدارة العمل التجاري والمجتمعي، اتسع أفقها وكبر فهمها؛ فقد تعرضت لقضايا واستطعت معالجتها على الورق ومن خلال المشروعات والأبحاث. بعد عودتك من الهند، التحقت بقطاع السفر والسياحة الذي أسسه والدك؟ صحيح. لكن في فترة ما أدركت أن العمل في هذا القطاع وحده لا يكفي لترتيب أمور الأسرة وتغطية مصروفاتها. فالتجارة بطبيعتها بين مد وجزر، ومع السنين تتغير الأولويات وطرق الإدارة وموازين السوق؛ ففترة الثمانينات والتسعينات كانت فترة طفرة حقيقية لقطاع السفر والسياحة. والدي، رحمه الله، أسس “سفريات الأمل” بالعام 1978، وحصلنا على وكالات من “طيران الخليج” والخطوط السعودية والكويتية والهندية، أكثر من خمس عشرة شركة. كان العمل قويّا ومكاتب السفر محدودة، وكانت البحرين نقطة تجمع للخطوط الجوية في المنطقة، يأتي الناس من السعودية والإمارات وقطر والكويت. لكن مع تقدم الدول المحيطة وبناء مطاراتها وموانئها الحديثة، بدأت الحركة تتراجع في البحرين وتنتقل إلى دبي والظهران والرياض والكويت؛ فكان لزاما علينا أن نبحث عن بدائل جديدة. فأضفنا إلى قطاع السفر قطاع الشحن بكامل فروعه: خدمات التغليف، نقل أثاث المنازل، الشحن البحري، الشحن الجوي، الاستيراد من الخارج والتصدير إليه، والتعامل مع الشركات الصناعية. ثم أضفنا السياحة التي كانت قطاعا جديدا في تلك الفترة؛ فأنشأنا برامج سياحية للعمرة وتخصصنا فيها، وأنشأنا برامج علاجية متخصصة في التشيك، ثم أضفنا إليها البوسنة لما تمتلكه من مصادر طبيعية للعلاج وخبرة متراكمة. لكن مع كثرة المنافسة ودخول شركات الطيران كمنافس مباشر لمكاتب السفر، وتقليص العمولات، كان لابد من التفكير في توسيع قاعدة العمل وتنويعها. وهذا ما أعتقد بأن أي تاجر إن لم يكن باختياره، فإنه مضطر لفعله ليستمر في السوق. في العام 2010، دخلت شراكة مع شركة ديربي السعودية لأول مقهى “درايف ثرو” في البحرين. حدثنا عن هذه التجربة. لعبت الصدفة - سبحان الله - دورا كبيرا في هذه الشراكة. بدأنا بأول فرع في دوحة عراد بالعام 2010، وكان ذلك سببا في استقطاب الرياضيين والأسر، الذين يمارسون الرياضة ويرغبون في تناول القهوة “على الماشي” كما يقال. وتوسعنا بفضل الله إلى خمسة وعشرين فرعا. مع هذا التوسع، لمسنا حاجة السوق إلى منتج جديد؛ فدخلنا بمنتج “الكنفاني”، بحيث يأتي الزبون ويطلب الكنافة بالنكهة التي يريدها، بالحجم الذي يريده، في الوقت الذي يريده، وتُحضر له فورا أمامه. كثير من مشروعاتكم تأتي عبر شراكات مع تجار سعوديين. هل هذا هو النموذج الذي تعتمدونه؟ هناك طريقتان في العمل: إما أن تخترع العجلة من الصفر، أو أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون عبر شراكة توفر عليك عناء التجربة والرحلة الشاقة التي قطعوها. هذا أحد الأساليب التي اتبعتها للحصول على أفكار تجارية صالحة. بعد ذلك، جربنا واستحدثنا علامتنا الخاصة “كريبل”، وهي رديف لـ “ديربي” ولكن متخصصة في الكريب والوافل والحلويات. وكذلك في خدمات “الدرايف ثرو”، أصبح لدينا أحد عشر فرعا بعلامة تجارية بحرينية خالصة، موجودة في مواقع متعددة ولها زبائنها عبر الإنترنت. ولتأمين احتياجاتنا من المواد الخام، أنشأنا “الشمري التجارية” لاستيراد المواد الغذائية؛ لأن نجاح “ديربي” و “كريبل” و “الكنفاني” جعل الموردين غير قادرين على تلبية احتياجاتنا، وأي مشروع إن لم تكن سلاسل الإمداد مستقرة، فهو معرض للفشل، سواء لنقص المواد الخام أو تأخرها أو انخفاض جودتها. لديكم مطبخ مركزي أم تتعاملون مع جهات خارجية؟ أنشأنا “سيلفي كافيه” أو “سيلفي بستري” كمطبخ مركزي متخصص في إنتاج كل احتياجات محالنا من الموالح والحلويات، وكذلك تلبية احتياجات السوق. وهو اليوم معروف في البحرين عبر التطبيقات الإلكترونية أو مباشرة مع العملاء، حتى الوزارات والشركات تتعامل معنا لتوفير خدمات التموين في اجتماعاتها واحتفالاتها. المجموعة تضم مشروعات متنوعة: ترولي، ديربي، كريبل، كنفاني، مقاولات، عقار، استيراد أغذية. ما فلسفتكم في التنويع؟ التوسع يجب أن يكون تدريجيّا ومدروسا، ويتماشى مع طبيعة العمل الأساسية، وليس قفزات كبيرة تنتقل من قطاع الأغذية مثلا إلى قطاع تقنية المعلومات. توسعنا بطريقة مدروسة بحيث لو لم أجد من يشتري بضاعتي، فأنا المستهلك الأول. ولو لم أجد موردا للموالح والحلويات، فلي مورد خاص. لكنني لا أشتري كل احتياجاتي من “سيلفي”، بل أجعلهم موردا يتنافس مع موردين خارجيين في الأسعار والجودة والأحجام والأنواع؛ فالمنافسة صحية ومهمة، خصوصا لمن يعمل في التجارة بجد وتفرغ. والتجارة إن لم تعطها كل جهدك، لن تعطيك. هل النجاح التجاري لا بد من أن يبدأ من الصغر أم يمكن أن يأتي في عمر متقدم؟ الاثنان جائزان. لو وقف الإنسان على نمط واحد لتعطلت تجارة العالم. أذكر مثالا عبدالله ناس؛ كان موظفا في السعودية، ولما عاد إلى البحرين بخبرته، رأى احتياجات السوق في قطاع المقاولات واللحام، فبدأ عمله في سن متأخرة ونجح. وقس على ذلك كثيرين. النجاح يعتمد على ثلاثة عناصر: حب العمل، والاستمرار فيه، والعزم على تجاوز المشكلات، سواء في الموارد البشرية أو المواد الخام أو تقلب الأسعار أو العرض والطلب أو تأثر الموردين أو تغير المواصفات أثناء التنفيذ؛ فالديناميكية والمرونة مهمتان جدّا. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “إن تسعة أعشار الرزق في التجارة”. هذا يدل على مسؤولية التاجر الكبيرة في الاقتصاد. هل هذا من أسباب توسعكم؟ نعم، قد يكون من أسباب التوسع ترجمة هذا الحديث على أرض الواقع. عندما يكون لديك مئات الموظفين، فوراءهم آلاف الأفراد يعيشون على هذه الوظائف، معتمدين عليك أنت كتاجر وليس على الحكومة. وهذا يجسد رؤيتي بأن القطاع الخاص يجب أن يستحوذ على 80 % من الوظائف. ما هي الانكسارات والتحديات التي واجهتكم؟ شهدت في السبعينات والثمانينات ازدهارا تجاريّا، وكانت البحرين المصدر الرئيس لاستيراد سلع الخليج، كما أن الأسر النجدية التي استقرت فيها أصبحت من كبار التجار في السعودية. لكن مع تزايد الحركة، لم تسع سعة ميناء سلمان للبضائع المكدسة، فكنت أذهب لأستلم بضاعتي المؤلفة من 600 أو 700 كرتون، وأطوف الميناء أبحث عنها واحدا واحدا، ففتحت دول الخليج موانئها ومطاراتها، وانتقلت الحركة إليها، وخسرنا موقعنا كمركز تجاري. وتكبدنا خسائر بفروع فتحناها في أماكن خاطئة، وفروع كانت ناجحة مع وجود مجمعات تجارية جديدة انحسرت عنها الحركة فأغلقناها. ولا نرفع الراية البيضاء إلا بعد استنفاد المحاولات، وقد نخسر سنة أو سنتين نحاول فيها تخفيض التكاليف والموظفين والإيجارات، قبل أن نصل إلى قناعة بأن الانسحاب هو الحل. في جانب لعبدالحكيم الشمري، وهو اشتراكه في كثير من الجمعيات، ودخوله انتخابات جهات عدة: غرفة التجارة وأيضا المجلس النيابي. ما دمت ذكرت عبدالله ناس وأنت عملت في غرفة التجارة مع الابن، مع سمير ناس رئيس غرفة التجارة في الدورة الأولى طبعا، وسبق ذلك أيضا ثلاث دورات عملت مع رؤساء عدة من ضمنهم المرحوم الوجيه خالد كانو، وبعدها خالد المؤيد، وأيضا عصام فخرو. أرجو فقط أن تعطيني نبذة عن هذا الحب والشغف في مسألة خوض الانتخابات والعمل بجمعيات النفع العام؟ العمل التطوعي عموما هو سمة مرتبطة بديننا الإسلامي، ولكن مع الأسف الآن الغرب هم الذين يدرسوننا هذا الشيء. أنت أحيانا تجد نفسك في التجارة، وأحيانا تجد نفسك في العمل الخيري أو العمل المهني. الإنسان الواعي يعرف أنه في كل مجتمع لا بد من أن يكون هناك أشخاص يبرزون لمعالجة مشكلات المجتمع في قطاع التجارة، وفي قطاع المحاماة، وفي قطاع الحرف اليدوية. وهؤلاء الأشخاص يتحملون مسؤولية أن يكونوا حلقة وصل مع الجهات الحكومية، ومع المؤسسات والمنظمات الدولية للنهوض بهذا القطاع. فسنحت لي الفرصة أن أكون في يوم من الأيام رئيسا للجنة السياحة من خارج مجلس إدارة غرفة التجارة، وهذه قد تكون سابقة حدثت لأول مرة أن يرأس لجنة من لجان غرفة التجارة شخص غير عضو في مجلس الإدارة. هذه التجربة أكسبتني خبرة في أسلوب إدارة شؤون القطاع، وهيأتني لدخول الانتخابات التي بعدها، وأن أحوز ثقة التجار، وأكون عضوا في مجلس الإدارة. ثم توليت خلال الدورات الثلاث التي كنت فيها عضوا بمجلس الإدارة عددا من اللجان، وحقيقة أنا أستمتع عندما أنجز الشيء الذي أحلم به. ألا يشغلك هذا العمل التطوعي عن عملك التجاري أم أنك تأخذه كونه نوعا من منصة للبروز والظهور الاجتماعي وأيضا للتواصل، أي تكون علاقات مع التجار الآخرين؟ للعمل هدفان. المجتمع يعرف الأشخاص. لا تستطيع أنت أن تجذب الناس. كنت حقيقة مغرى وعندي شغف بأن أحقق أهدافا. أنا منذ صغري دائما أقول: أنا خلقت لكي أحقق. أستمتع عندما أبرز مشكلة معينة، وأعمل مع زملائي في مجلس الإدارة أو الجمعية الخيرية أو الجمعية المهنية للوصول إلى أفضل الحلول، حتى لو لم يكن الحل الذي أريده، لكن أفضل الحلول المتاحة؛ لأنك معك آخرين في القطاع من جهات حكومية وجهات أهلية، فلا يصح أن تصر على رأيك. هناك مثل يقول “إذا أردت أن تأخذ كل شيء، تخسر كل شيء”؛ فكنت أحرص على تحقيق أقصى قدر ممكن من المنافع في القطاع الذي أمثله. أشعر بالفخر والارتياح، وأحقق ذاتي في هذا الشيء، وفي الوقت نفسه هو خدمة للمجتمع. أربع مرات دخلت فيها غرفة التجارة، وذكرت لك أسماء الرؤساء الذين عملت معهم. ما هي أبرز حقبة مرت عليك كعضو في غرفة التجارة؟ في فترة رئاسة الدكتور عصام فخرو، كانت الحركة الاقتصادية في أوجها، وحركة الصادرات من البحرين إلى دول الخليج كانت في عزها. ولكن كانت هناك مشكلة كامنة، وهي جسر الملك فهد. كانت الشاحنات تتكدس في الجانب البحريني على مدى كيلومترات، وتحدث حوادث، وتعطل المصالح، وتحدث مشكلات صحية، وتلوث، وتلف للطرق، وتعطل الدورة الاقتصادية. يعني الشاحنات واقفة بدلا من أن تتحرك وتنتج. فقلت للدكتور عصام: دكتور، الشاحنات في الجانبين واقفة لأن في المنتصف مشكلة في الإجراءات. فقلت له: أنا أعرف أن المشكلة يمكن حلها في ثلاثة أيام، لكن أحتاج تفويضا. قال: خلاص أنت لديك الصلاحية. قلت: هل تعطوني شيئا مكتوبا لأتعامل مع الجهة الحكومية على الجسر بشكل رسمي؟ وفي هذه الأثناء أيضا صادف أن التقيت صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وذكرت له المشكلة. فورا نادى وزير المواصلات، وقالوا: الموضوع مع غرفة التجارة وعبدالحكيم الشمري، فسهلوا ما تستطيعون له. فبدعم حكومي ودعم رئيس الغرفة، استطعنا حل المشكلة، وزيادة عدد أيام العمل على جسر الملك فهد من خمسة أيام إلى ستة أيام ثم إلى سبعة أيام، ومن 12 ساعة إلى 24 ساعة في الاتجاهين. كانت المشكلة في عدد ساعات عمل موظفي الجمارك؟ نعم. كل دولة لديها إجراءات. مثلا السعودية بعد المغرب لا تسمح بدخول أي شاحنات، والبحرين لا تسمح بدخول الشاحنات بعد الثانية عشرة ليلا. بعض التجار يستخدمون الجسر كنقاط لمواقف الشاحنات لليوم التالي؛ فوضعنا المشكلات كلها، ووضعنا الحلول. بعض الحلول كانت مؤلمة بالنسبة لنا كتجار، عندما نفرض غرامات على أي تاجر تأتي شحنته مثلا على الجسر ولا ينهي إجراءاتها. قالوا: والله في الليل الجهاز لا يعمل. كلمنا الجهات الحكومية، قلنا: يا جماعة لماذا لا تجعلون الموظفين يعملون ثلاث نوبات؟ اكتشفنا أنهم كانوا موجودين ثلاث نوبات، لكن لم تكن لديهم في الليل صلاحية للتعامل مع الحركة. فالتوجيهات عندما تبرز المشكلة، المسؤول ينتبه إليها ويشكرك. حتى أذكر مرة أنني كنت ذاهبا إلى ديوان سمو ولي العهد، فلما سلمت عليه قلت له: مشكور على دعمك ومتابعتك لمشكلة الجسر وتوجيه وزير المالية للمتابعة اليومية. قال: أنت مشكور أنت نبهتني على هذا الشيء. وهذه حقيقة كلمة أفتخر بها وأقولها لأولادي عنها. قلت له: أنا عندي مشكلة ثانية أو حلم أريد تحقيقه. قال: خير. قلت له: الآن السيارات والشاحنات تسير على الجسر، لكن الدراجات النارية ممنوع عبورها مع أنها مؤمنة ومسجلة ومسموح لها بالسير على الطرق في البلدين. قال: توكل على الله. وفعلا أبرزنا هذا في وسائل الإعلام، وأقمنا ندوات ناقشنا فيها المسؤولين، وحصل نوع من الجدال من أجل البحرين، إلى أن فتح المجال. واليوم ترى الدراجات النارية تعبر بشكل سلس، بل خصصوا لهم مسارا خاصّا بهم. والآن أصبحت الشاحنات لا تنتظر؛ تأخذ موعدا عبر الإنترنت، تدخل وتنهي إجراءاتها وتمضي. بل إن الشاحنات أصبحت تنهي إجراءاتها قبل دخول الجسر، تدفع الرسوم فقط، تفتش وتدخل. يعني وصلنا إلى مرحلة متقدمة. ويعد جسر الملك فهد نموذجا لجميع منافذ الخليج. كلما أردت إصلاح مشكلة في أي منفذ، ترجع كمرجعية إلى جسر الملك فهد في المرونة والحركة. نتوقف عند التجربة البرلمانية التي كانت محاولة واحدة ناجحة. كيف كانت هذه التجربة؟ وهل كان لك دور في إصدار بعض التشريعات التي تصب في صالح المجتمع؟ أولا، أود أن أشيد حقيقة بتجربة البحرين الديمقراطية؛ صُممت بطريقة تتلاءم مع بيئة الخليج وثقافة المجتمع البحريني، وتدرجت إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن من توازن بين السلطتين والغرفتين. لكن للأمانة أقول لك إن كثيرا من المشروعات التي تحققت والتي يلمسها المواطن اليوم، كان منبعها مجلس النواب. فلا تأخذك الأقاويل والتشويش الكبير الموجود؛ فهذا موجود في كل دول العالم حيث ينتقدون مجالسهم التشريعية، لكن هناك نجاحات كثيرة، وهناك إخفاقات، ولا تستطيع أن تجعل أي مشروع ناجحا بنسبة 100 % لأنه توجد أطراف متعارضة ومتضاربة ومصالح، والصراع بين الإيرادات. لكنّ واحدا مثلا من المشروعات التي أراها اليوم يتمتع بها المواطنون هي المخصص الذي يُدفع لكل من تقدم لخدمة إسكانية، فيحصل على بدل السكن بعد خمس سنوات من تاريخ تقديمه. هذا في حقبتكم، في فترتكم؟ ربما قبل. بدأت وأقرت أثناء الحقبة التي كنا موجودين فيها، وهذا يكلف الدولة حسب ما أتذكر حوالي ستين مليونا. وهذا يطرح سؤالا: هذه الستون مليونا التي تُدفع كمخصص، ألا يمكن بناء مدن بها؟ وهذا أيضا ضغط على الدولة أنه بدلا من أن تتوسع في دفع البدلات، تحاول أن تقلص عدد الطلبات الإسكانية، وهذا نتج عنه أن الدولة لتتخلص من عبء دفع بدل السكن ستين مليونا كل سنة، فتحت قنوات مع القطاع الخاص والبنوك وشركات التطوير العقاري؛ فرأيت اليوم عدد طلبات الإسكان التي يتم تلبيتها كبيرا جدّا. بعضهم في سنة أو سنتين ويحصل على خدمته، عن طريق “مزايا”، أو عن طريق الشراء من البنوك، والدولة تعطي نوعا من الدعم للفوائد والضمانات للقروض. هذا واحد من الأمور. الأمر الثاني هو صندوق الأجيال القادمة، اقتطاع دولار واحد إذا تجاوز سعر البرميل أربعين دولارا، يعني الآن المبلغ كبير جدّا ويستثمر لصالح الأجيال القادمة. والتأمين ضد التعطل، اليوم إذا فقد الإنسان وظيفته لأي سبب كان، أو تقدم لوظيفة فلم يحصل عليها، تدفع الدولة له بدل تعطل يحفظ كرامته ويضمن استقرار أسرته. وفي الوقت نفسه، منشأ من مجلس النواب رفع سعر الغاز الطبيعي للشركات الصناعية؛ كان يباع بربع دولار، وحصل نوع من الصدام أو دعنا نقل أقل، حصل نوع من الاحتكاك بين الحكومة إذ قالت: لا نحن لا نرفع السعر حتى لا تخسر الصناعات مميزاتها في التصدير؛ لأنه برفع الغاز يصبح المنتج النهائي مكلفا. فالنقاش والمداولات بين مجلس النواب والحكومة وصلت إلى صيغة أن نرفعه بحد مقبول ليهيأ القطاع الخاص لتحمل التغيير، ثم تدريجيّا كل سنة يرفعون ربع دولار، ربع دولار. والحمد لله الآن وصلوا إلى أن يكون بيع الغاز الطبيعي للقطاع الخاص بسعر عادل. زين، إلى أين يذهب هذا الدخل؟ يذهب لصالح ميزانية الدولة. إذًا لماذا نشعر أو نستشعر أن هناك عدم رضا لأداء المجالس النيابية عموما في دوراتها المختلفة؟ لا بد لمجلس النواب أن يسوق لنفسه. الأمانة العامة لا بد من أن تبرز الإيجابيات والنجاحات التي يحققونها؛ هذا دورهم. من جانب آخر، لا بد من أن نسأل أنفسنا عندما نقول: مجلس النواب ضعيف. زين، من الذي جاء بالأربعين شخصا؟ نحن إما أن نسكت، أو أن نختار أناسا أفضل. لكن هذا الموجود، وهذا أفضل ما عند المجتمع وصل إلى مجلس النواب. لا نترك النائب ثم نجلس ننتقده، بل نسنده، بأن تكون له لجنة مساعدة، تجهز له بعض الأمور، وتوصل له بعض المعلومات، وتوصل التغذية الراجعة إلى الشارع التجاري؛ حتى لا يكون هناك نوع من الفجوة وسوء الفهم. من جانب آخر، أي مشروع ناجح لا بد من أن يتعرض لهجوم التشويه؛ فالتجربة البحرينية لو لم تكن ناجحة إلى حد ما، ما رأيت الهجوم عليها بهذا المستوى. هذا رأيي، لدي فلسفة ولكن لا أفرضها على الآخرين. لكن أي شخص ناجح، أي مشروع ناجح يتعرض للنقل. القائمون على المشروع عندما يجدون هذه الانتقادات تزداد، يجب أن يتعاملوا معها على محورين: إصلاح الخلل إذا كان موجودا، وشحن الهمة للمواصلة. ما دام أمامي تحدٍ، فهذا هو الوقود الذي يجعلني أواصل لتطوير التجربة وتعظيم النتائج التي يحصل عليها المجتمع الذي ينتظر من مجلس النواب الكثير. وأنا حقيقة للأمانة أقول لك: إن النائب طول الأسبوع مشغول بمشروعات القوانين، واجتماعات اللجان، ومقابلة الأشخاص، والاجتماع بالمسؤولين. هذا كله لا يظهر في الإعلام، لكن المطبخ يعمل على قدم وساق. لماذا لم تكرر التجربة؟ يعني حتى لو كان هناك إخفاق في بعض الانتخابات، لماذا لا تعيد التجربة مرة ثانية وثالثة؟ دخلت انتخابات العام 2006، وكانت جمعية الوفاق المعارضة موجودة، وحققت رقما جيدا جدّا، لكن لم أنجح. كان مرشحهم، رحمه الله، الدكتور عبدالعزيز أبل. في العام 2010 فكرت في الدخول، لكن آثرت أن أدعم المرشحين الموجودين. وفي العام 2011 عندما انسحبت “الوفاق”، فتح المجال في الدوائر التي أصبحت شاغرة؛ فدخلت. وكان الجهد الذي بذلته والحضور الذي حصلت عليه في فترة 2006 إلى 2011 رصيدا أهلني لدخول مجلس النواب. والحمد لله خلال هذه السنوات الثلاث، ناقشت وطرحت عددا من المشروعات. أذكر واحدا منها وهي الكاميرات الأمنية. الدولة تعد نفسها هي المسؤولة عن الأمن، لكن المفهوم الحقيقي أن الجميع يجب أن يكونوا مسؤولين عن الأمن؛ فطالبت قانونا بأن يُفرض على المؤسسات التجارية إلزام بوضع كاميرات أمنية داخل وخارج محالها ضمن معايير معينة. ولله الحمد اليوم عندما تحدث أي حادثة أو مخالفات، يرجعون إلى الكاميرات الموجودة في المنطقة. ليس معقولا مثلا فنادق وأسواق تجارية ومحال في مواقع مهمة، لا تضع كاميرات، ثم بعد ذلك تقول: والله حدثت سرقة، ابحثوا لي عن الجاني. صار هناك وعي بأن الأمن مسؤولية مشتركة. كذلك طرحت أحد المشروعات: أن كل شخص يستفيد من الخدمات الإسكانية يجب أن يختار أحد أمرين، إما أن تزرع في بيتك شجرتين، أو أن تدفع رسما شهريّا مقابل أن تجعل بيتك “أقرع”. هكذا. وأتمنى أن المسؤولين يسمعون هذا الشيء. تخيل عندما تعطيك الدولة ألف وحدة، ويأتي الناس ويضعون في كل بيت شجرتين، يعني ألفي شجرة، تصبح غابة. فوصلنا إلى أن تكون البحرين خضراء من خلال قانون بسيط. أتمنى أن تسمع وزيرة الإسكان هذا المقترح، ويعود إلى الأوراق، أو يعيد النواب طرحه مرة ثانية. الآن نتوقف عن المحور الاقتصادي. وبصفتك أيضا رجل أعمال تمتلك مجموعة تجارية، كيف ترى الوضع الاقتصادي حاليا؟ وهل فعلا التاجر اليوم في العام 2026 يمر بضغوطات متعددة؟ أم عندك وجهة نظر أخرى؟ الضغوط الاقتصادية لم تعد حكرا على بلد معين. اليوم أي مشكلة تحدث في الغرب تؤثر في الشرق؛ فنحن جزء من هذا العالم. في فترة “كورونا”، سلاسل الإمداد توقفت تقريبا، فكل دولة أخذت احتياطاتها. كذلك أي تاجر لا بد من أن يأخذ احتياطاته فيما يتعلق بتوفير المواد الخام لو حدث نوع من الانقطاع، وتقليص المصروفات التشغيلية قدر الإمكان، واستخدام التقنيات المتقدمة، واستخدام موارد بشرية ماهرة، واستخدام وسائل حديثة لإدارة الأعمال؛ لأنك اليوم تدير عملك بشكل مختلف عما كان سابقا؛ فقد اختلفت المعايير والشروط والأنظمة، والتكاليف كل يوم تزداد، والبنوك تأخذ رسوما أكثر، والحكومة تأخذ رسوما أكثر، والمعاشات تزداد؛ فالقطاع التجاري قطاع مرن وحركيته آنية. ولذلك ترى الحكومة دائما تقول لك: نحن نخصخص بعض الأمور لنرفع عنك وجع الرأس ونجعلها على القطاع الخاص، ويأخذ أفضل. فترى الآن هيئات كثيرة موجودة حكومية وشبه حكومية، وشركات تتبع الحكومة تدار بشكل تجاري بحت، وهذا شيء مؤلم، لكنك عندما ترى المحيط من حولك، تلمس بعض المسوغات للقرارات التي تتخذها البحرين. إذًا نرجع إلى التاجر. هل التاجر البحريني الآن أفضل حالا مما كان عليه قبل عشرين سنة مثلا؟ هل اليوم البيئة التجارية الاقتصادية محفزة كما كانت عليه؟ قارن أنت، أنت موجود في السوق منذ أكثر من أربعين سنة. انظر، الأنظمة اليوم تشجع الناس الجادين الواعين. والدولة وضعت عددا من المؤسسات لدعم القطاع الخاص، منها: بنك التنمية، بنك البحرين للتنمية، مؤسسة تمكين، مجلس التنمية الاقتصادية، وزارة المالية، وزارة التجارة. كلها تعمل على أن تجعل القطاع الخاص يعمل بأقصى طاقته لمواجهة التحديات. اليوم لدينا مثلا تصاعد في صادرات البحرين مقابل وارداتها، وهذا شيء ممتاز جدّا. هناك أصوات تنادي بتفعيل دور المناطق الصناعية، والمنشآت المتعطلة يجب أن يتم استبدالها بمنشآت نشطة؛ لأن البنية التحتية في هذه المناطق الصناعية مكلفة جدّا، وكثير من الوفود تأتي إلى البحرين ووفود تغادرها، نرى دائما مع القيادة السياسية وفد التجار يخرج والهدف منه إشعار القطاع بأنه مهم، وأيضا فتح المجال أمامهم للالتقاء بنظرائهم والتبادل التجاري، وإنشاء مشروعات مشتركة. البحرين مساحتها صغيرة، لكن تستطيع أن تضع فيها مشروعات تزيد من القيمة المضافة والجاذبية. حتى أنظمتنا أعتقد متقدمة في المنطقة عموما، ورسومنا معقولة جدا، وإن كان قد يغضب البعض ويقول: كيف تقول رسوم؟ لكن تعال انظر إلى الدول المحيطة بنا، بعضها لديه رسوم بعشرة أضعاف. هناك تحديات أمام القطاع الخاص الخليجي ليست يسيرة. أنت ممن يعدون من المؤيدين للسماح للأجانب بتأسيس شركات برأس مال يسير، وأعتقد بأنك تؤيد ذلك لأنك تراه أفضل من التستر التجاري. قبل يومين ذكر وزير الصناعة والتجارة أن نسبة الشركات المملوكة لأجانب 19 % حاليّا، وهي طبعا نسبة ليست صغيرة. لماذا ترون نموذج تأسيس الأجانب للشركات أمرا إيجابيّا؟ أرجو أن لا يصاب الكلام بهذه الطريقة، لكن أقول لك دائما: عندما تريد أن تقوم بأي إصلاح في السوق، يجب أن تبدأ من مكان ما، ثم تبدأ عملية التقييم. قبل خمس عشرة سنة تقريبا، كل السجلات كانت للبحرينيين والخليجيين، وفي قرارة أنفسنا نعرف أن جزءا كبيرا من هذه السجلات بأسماء بحرينيين، لكن الذي يعمل فيها أجانب. وهذا يسبب مشكلتين: البحريني مسؤول قانونا عن النشاط والمؤسسة، وذاك في السليم. فكيف تجعل رقبة المواطن تحت سكين القانون، والأجنبي هو الذي يدير العمل والمستفيد؟ فلا بد من أن تكشف عن الغطاء وتجعل الناس يخرجون بصورة واقعية. سمحت الدولة لنحو ثلاثمئة وثمانين نشاطا أن تمارس من قبل الأجانب، وفعلا خرجوا. هذا لديه أدوات صحية، وهذا خشب، وهذا ورشة، وهذا مقاولات، وهذا كذا. اليوم جاءت مرحلة التقنين، وهي أن تختار القطاع الذي تحتاج فعلا أن يكون الأجانب موجودين فيه، والذي المواطن غير قادر على الإقبال عليه أو ليس لديه المعرفة؛ فوجدنا مثلا شركات صناعية أجنبية اتخذت البحرين مقرّا لما ألغي هذا الشرط، وأصبحت تصدر إلى الشرق الأوسط من البحرين. لو لم يكن هذا موجودا، ما جاءت هذه الشركات الأجنبية واتخذت البحرين مقرّا، وبدأت في رفع مستوى الأداء في السوق. لكن من جانب آخر، الحرف البسيطة يجب أن نفكر في عملية تقنينها بحيث تكون للمواطنين بشرط ألا يعود التستر موجودا. وفي نهاية المطاف، التجارة عبر التاريخ ليس لها جنسية ولا لون، ولذلك عندما تقرأ في التاريخ، القوافل التي تتحرك وتنشئ مدنا على طرق التجارة، لم يقولوا: لا يدخل إلا واحد من هذه البلاد، أو من هذا اللون، أو من هذا الدين؛ فالتجارة تنمو مع إزاحة كل الحواجز عنها، حتى تعطي طمأنينة للمستثمر بأنه يضع ماله ويعمل وينميه؛ لأنه يعد وطنه الاقتصادي. لو جاءت شركة تركية برأس مال محدود جدّا، فتحت سلسلة مطاعم شبيهة بـ “ديربي”، ونافست “ديربي” في المجال الذي تعمل فيه؛ لأن “ديربي” أنت تملكها كشركة. كيف ستكون وجهة نظرك تجاه ضربة تركية، قد تكون هندية، قد تكون من أي بلد كان، يعني هل ستبقى على وجهة النظر التي ذكرتها؟ التجارة عموما تقوم على المنافسة. لو لم تكن هناك منافسة، لم تكن هناك جودة، ولم يكن هناك سعر عادل. إذا جاءت هذه الشركة الأجنبية وافتتحت النموذج نفسه، البقاء للأفضل؛ إما يعطونك سعرا أقل، أو مواقع أفضل، أو خدمة توصيل أفضل. وبالتالي، “ديربي كافيه” ليست مؤسسة منزلة من السماء، حالها كحال غيرها. تستمر في حال وجود عناصر النجاح لها، وفي حال هي أو غيرها من المؤسسات لم تأخذ عناصر تؤهلها لمواصلة الركب، ستخرج من المسار. وهذا مطبق حتى على مستوى الدول. اليوم الدول، دول الخليج على سبيل المثال، تتنافس فيما بينها في استقطاب المشروعات، وإعطاء التسهيلات للقطاع الخاص، وتطوير مطاراتها، وتطوير أنظمتها الحكومية، وتقنية المعلومات. كلها منافسة بين دول مجلس التعاون لكي تكون الأفضل. ألا يوجد حماية للتاجر البحريني؟ يعني هناك تجار يطالبون بنوع من الحماية لمشروعاتهم، لرأس مالهم، الموضوع صار مفتوحا بشكل كبير. سأعطيك مثالا من دولة من دول الخليج، ليس لديهم التسهيلات الموجودة في البحرين. المواطنون هناك وضعوا “رجلا على رجل”؛ فقط يصدرون السجلات ويعطونها للأجانب ليعملوا هناك. فعلوا حماية للمواطن، لكن المواطن حقيقة أساء الاستخدام بطريقة تضر باقتصاد البلد؛ فالحماية عموما ليست صحية للقطاع، وإن كانت في مرحلة من المراحل مطلوبة حتى يقف القطاع على رجليه، لكن إذا استمرت لفترة أطول، قد تكون مدعاة للتراخي وعدم وجود كفاءة في عملية التشغيل. وأنا أيضا أود أن ألفت انتباهك، في فترة من الفترات، ألغت الدولة قانون الاحتكار. يعني أنا الآن مثلا أبيع ساعات معينة، أو سيارة معينة، أو جهازا معين، ولا يوجد في السوق غيري. أوفر وقت ما أريد، وبالسعر الذي أريد. جاءت الدولة وقالت: لا يصح يا أخي، هذا اقتصاد بلد مواطنين، نريد منتجات أصلية وبأفضل الأسعار والخدمات؛ فألغوا قانون الاحتكار؛ فأصبحت اليوم البحرين وجهة لكل من يريد أن يأخذ سلعة أصلية موثوق بها ومن جهة معروفة. حتى الوكيل نفسه الذي كان في السوق معارضا، وجد أن هذا من مصلحته. يأتي الناس إلى البحرين يريدون بضاعة أصلية، يقولون: نثق في عطوركم، نثق في ساعاتكم، نثق في أجهزتكم. بينما هناك حيث نوع من الحماية، يوجد غش تجاري وتدليس وتلاعب في المواصفات، فدائما كلما كشفت وجعلت الأنظمة والقوانين عادلة للمنافسة داخليّا وخارجيّا، كان أفضل. الشركات الأجنبية أيضا عندما تدخل السوق، ليس عليها إلزامية توظيف البحريني إلا في مسألة نسبة البحرنة. ونجد أن الكثير أحيانا من هذه المشروعات تأتي وتأتي بالعمالة من بلدها، فهل هذا أمر أيضا تجده صحيحا؟ أم يحتاج إلى إعادة نظر في بعض التشريعات؟ أنا أتفق معك في أن بعض الشركات تجلب جماعتها، لكن هناك شركات عالمية كثيرة في البحرين؛ لأنها تعلم أن هناك مواطنين متعلمين متقدمين، وتكاليفهم أفضل من أن تجلب أجانب من الخارج. يعني أنا في شركتي اليوم أضع نسبة أعلى من نسبة الحكومة. يعني الحكومة تقول لي: ضع بحرنة مثلا 3 %، وأنا أحاول أن أصل إلى 5 % وإلى 8 %. وأقول للبحرينيين الذين لدي: أنتم مندوبو الشركة، تجلبون لي ناسا من باب تكافؤ الفرص. والشركة في نهاية المطاف تعمل على ربح وخسارة، تريد أفضل الموظفين بأفضل إنتاجية، فإذا وجدنا البحرينيين المؤهلين، الشركات الأجنبية تأخذهم. أنا أعرف شركات أجنبية كثيرة، لديها بحرينيون اثنان وثلاثة مسؤولين، فقط لنقل المعرفة. وناجحون. أي فقط نبقى مثلا في موضوع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، يعني بقالة، حلاق، خدمات بسيطة. هذه أصبح لها دخول للأجانب يشكلون شركات ذات مسؤولية محدودة برأسمال محدود بسيط خمسمئة دينار، ويشتغلون في السوق. هل ترى ذلك إيجابيا؟ للأسف، هناك كثير من إساءة استغلال هذه التسهيلات الحكومية، وفتح شركات أساسها تأشيرات ويعطيها لأهله. هذا يجب أن تناقشه الحكومة ومجلس النواب بطريقة مستفيضة لوضع حلول لتقليص الآثار السلبية لهذا الشيء. وأنا حقيقة أقول: الذي يعمل في التجارة لا يرده أن رأس المال كبير أو صغير، ولا يرده أن رسوم السجل التجاري عالية أو منخفضة. يعني أنا عندما جعلتها عشرين دينارا للسجل التجاري لكي أجلب عددا أكبر من التجار، لن يأتيك التجار الحقيقيون الذين سيعملون، سيأتي من يريد أن يأخذ السجل ويخرج تأشيرة ويبيعها؛ فلا بد هنا من إعادة النظر. وأنا كما قلت لك، الدولة تضع أنظمة وقوانين، والتجار يضعون أنظمة وقوانين، لكن مع مرور الزمن لا بد من أن يطرأ عليها تعديلات. إذًا يعني ملخص الحديث: ألبحرين بحاجة إلى نموذج اقتصادي مفتوح بالكامل أم نموذج أكثر انتقائية يركز على الاستثمارات ذات القيمة المضافة؟ الخيار الثاني، هذا ما لا أختلف معك فيه. لكن الخيار الأول أن لا يكون مفتوحا على هذا النحو بعد، فيدخل عليك مشكلات كثيرة. مثل أي مشكلات؟ حتى تكلمنا عن مشكلة من هذه المشكلات: مسألة سهولة الحصول على تأشيرات و... نعم. قد تظهر لنا مؤسسات وهمية تتخذ البحرين مقرّا لها للنصب والاحتيال على مواطنين في مجلس التعاون. هذه سمعنا عنها في وسائل التواصل الاجتماعي: تعال إلى البحرين نخرج لك سجلا وإقامة، إلى آخره. هذا ليس ما نريده، نريد تجارا يضيفون قيمة للدولة، ويضيفون منتجات بجودة وأسعار منافسة، على أساس أن يخففوا من كاهل وأعباء الأسر البحرينية، وفي الوقت نفسه يستقطبون الخليجيين لتلبية احتياجاتهم. كان هناك أصوات معارضة لسوق التنين في البحرين. سبعمئة محل، قالوا: كيف تفتحون المجال للأجانب؟ رحمه الله سمو رئيس الوزراء خليفة بن سلمان قال: 20 % من السوق تخصص للبحرينيين. أنا جلست مع إدارة السوق، قلت: الآن كم لديكم من البحرينيين؟ قالوا: حوالي 7 أو 8 %، لا نجد بحرينيين، النسبة التي طلبها سمو رئيس الوزراء أن تخصص للبحريني. من جانب آخر، تقريبا 80 % من مرتادي سوق التنين خليجيون. تخيل كم المبالغ التي تضخ في هذه السوق يوميّا، والبضائع التي تصدر إلى دول الخليج العربي. هذه تحرك الميناء، تحرك الاقتصاد، تحرك الوظائف، وقطاع الإيجارات. والدولة تأخذ رسوما على البضائع التي تُباع، وعلى البضائع التي تدخل الدولة. الحركة الاقتصادية دعنا دائما نفكر فيها بشكل مستقل. لا، أنا بحريني لا بد من أن تكون كل الأنشطة التجارية حكرا علي! لا بد من أني كتاجر أريد مصلحتي. لكني كإنسان منصف، لا بد من أن أرى مصلحة الدولة أيضا. الآن ما هي الفرص المتاحة في المستقبل؟ أنت تنتمي إلى جمعية رجال الأعمال البحرينية في موقع نائب الرئيس، وكأنكم تناقشون بعض الفرص المتاحة الآن التي هي القطاعات التي فيها مستقبل كبير، ويجب أن يتم الاستثمار فيها، مثل الصحة والتعليم. أقول: البحرين قبل 100 سنة لم يكن لديها نفط، وكانت مركز جذب اقتصادي، يأتي الناس للعمل في البحرين، عشرات الآلاف. اليوم يمكننا أن نخلق لنا نفطا بديلا. لدينا سبع عشرة جامعة خاصة، طاقتها الاستيعابية تفوق خمسين ألفا. الطلبة الموجودون فيها حاليّا ربما في حدود عشرين ألفا. الطاقة الاستيعابية هذه هي فرصة ضائعة. أنا أستطيع كدولة، كقطاع خاص، أن أستقطب طلبة من دول مجلس التعاون ومن الشرق الأوسط لتلقي تعليمهم العالي في البحرين. هذا له شقان، اقتصادي وسياسي. الدول الغربية كيف استطاعت أن تتحكم في العالم؟ أبناء الدول النامية درستهم ثم أعادتهم مرة ثانية، فقادوا الحكومات، وطوروا في تلك الدول وهواهم غربي. لماذا لا يكون هؤلاء الثلاثون ألف طالب من الخليج، سواء كانوا خليجيين أو مقيمين في دول مجلس التعاون، يريدون تعليما نظيفا. في البحرين لدينا سكن آمن، وتكاليف معيشة مناسبة جدّا. وحقيقة نحن في جمعية رجال الأعمال وضعنا إطارا عامّا لنظرتنا لقطاع التعليم العالي، وأقمنا ندوة تحدث فيها سعادة وزير التربية والتعليم. وحقيقة نشيد بموقفه في دعم هذا التوجه، بل أصبحت اليوم الوزارة تعمل على قراءة الأرقام، والجامعات أصبح لديها وعي بأنه لا بد من أن تستقطب للطاقة الاستيعابية الموجودة طلبة من الخارج. لدينا حوالي سبعة آلاف، وبإمكاننا أن نصل. وأذكر أن وزير التربية قال: لا نريد ثلاثة آلاف، نريد 100 ألف. وهذا الرقم يمكن أن يتحقق. تخيل 100 ألف مقيم في البحرين يتلقون التعليم العالي، كم مدرسا؟ كم منشأة تعمل؟ كم فيلا وشقة ستؤجر؟ كم سيارة ستشترى؟ الآن كل دول الخليج لديها جامعات متميزة، يعني لا تخلو دولة خليجية من وجود عدد لا بأس به من الجامعات، يعني أصبحت منافسة شديدة أيضا. ولكن أعتقد بأن البحرين لديها ميزة غير موجودة في بعض دول مجلس التعاون، تعليمنا راقٍ. تخيل أناسا يريدون تعليم أولادهم في البحرين في رياض الأطفال، وفي الابتدائي والإعدادي والثانوي، ليس فقط على مستوى الجامعة. يريدون، وبعضهم يسكن في البحرين مع أولاده وهو يعمل في دولة خليجية. فلا نستهن بقطاع التعليم، وقطاع الصحة، وقطاع الرياضة. نحن الرواد فيها في الخليج، إن لم يكن في الشرق الأوسط. غرفة تجارة وصناعة البحرين من أقدم الغرف التجارية على مستوى العالم أو على مستوى الشرق الأوسط، دعني أصحح المعلومة. فلا نقلل من قدرات البحرين. صحيح مساحتنا صغيرة، لكن اسمنا كبير في المنطقة. وأنا أستطيع أن أجزم أننا نستطيع إذا اتحدت الإرادة بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي أن نحقق هذا الشيء. أزيدك من الشعر بيتا: أنا أعرف بعض العيادات في البحرين، المستشفيات الخاصة، أكثر من نصف المراجعين من الخليج. بجهد بسيط مع المجلس الأعلى للصحة ومع وزارة الصحة ومع الجهات الحكومية مثل إدارة الجوازات، نسهل دخول كثير من الناس لتلقي العلاج في البحرين. العملية بقدر ما هي معقدة، هي والله سهلة، فقط أن تؤمن بها وتصبح جزءا من كيانك وتفكيرك، والله العظيم لترين البحرين تكون مركزا طبيّا للخليج. صحيح دول مجلس التعاون وضعت أكبر المستشفيات وأفضل الإمكانات، لكن سبحان الله فينا بركة. كذلك القطاع الرياضي. اليوم القطاع الرياضي يعتمد اعتمادا كليّا على وزارة الشباب والرياضة في دعمه، والدعم الذي يراه دعما بسيطا جدّا. أريد أن يضع العاملون في القطاع الرياضي رؤية أن يستغنوا عن الدعم الحكومي من خلال استثمارات خاصة لديهم، من خلال إقامة فعاليات رياضية إقليمية ودولية في البحرين تدر عليهم مبالغ. اليوم أندية مثل المحرق والمنامة والرفاع، وباقي المنشآت، منشآت راقية ومؤهلة، فيها كل المعايير الدولية. واستغلالها لا يتجاوز 10 %، والـ 90 % الباقية لا تأخذ أقلها على مستوى العالم. كنت في يوم من الأيام أرتب لمعسكرات الفرق البحرينية التي تعسكر في أوروبا وفي آسيا. مبالغ ضخمة تذهب، خمسون أو ستون شخصا يذهب كطاقم ولاعبين، يعسكرون في دولة معينة من أجل الدخول في بطولة بمكان لا أعرفه، أكل وشرب وسكن ومواصلات وكل شيء. زين، لنجعل البحرين تأخذ هذا الدور. وليس صعبا إذا وجدت الرؤية، ووجدت الإرادة، ووجدت التسهيلات، سنصل. فإذا كان لديك ثلاثة قطاعات يمكن أن تلعب دورا كبيرا في رفع موارد الدولة، وتشغيل المواطنين، وإيجاد دخل للقطاع الخاص. نظرة متفائلة وإيجابية، وأعتقد أيضا بأن لها ما يثبتها ويؤيدها. لكن أتوقف عند السؤال الأخير، وهو سؤال مهم يتعلق بالدين العام. لكم موقف واضح من الدين العام، وصرحتم سابقا بأنكم لا تريدون توريث أبنائكم هذا الدين. في فترة ما كنتم في مجلس النواب. كيف ترون تطور هذا الملف اليوم؟ وما هي الحلول الواقعية من وجهة نظركم؟ الدين العام حقيقة شيء يؤرق، يؤرق كل مواطن غيور على هذا الوطن. كنا في مجلس النواب في العام 2012 طُرح علينا مشروع لرفع سقف الدين العام من ثلاثة مليارات ونصف إلى ستة مليارات. كنت أتخيل أن هذه مجرد بداية المشكلة. وفعلا انتقلنا من سبعة مليارات إلى تسعة إلى اثني عشر. الآن هناك مطالبة برفعه إلى عشرين مليارا. شيء مؤلم حقيقة، أشعر بأني أبكي بعض الأحيان؛ لأن هذا الدين ليس على الدولة، علينا نحن. والفوائد التي تدفع، تُدفع من قوت الشعب. اليوم البحرين تستدين من أجل تسديد الأرباح للدين وليس لأصل الدين. خدمة الدين تقارب المليار، وهو ما يعادل ثلث الناتج المحلي للدولة. يعني تخيل أن تأخذ ثلاثة أرغفة، تعطي رغيفا واحدا للشخص الذي يطالبك، ويظل بعد ذلك يطالبك بعشرين رغيفا. شيء مؤلم. هنا أضع سؤالا: من المستفيد من الدين العام؟ هو من يروّج إلى أن البحرين اقتصادها قوي وتستطيع أن تقترب؟ يعني أقول هذه جريمة والله في حق البحرين. لكن تقول: خلاص وصلنا إلى مرحلة اللاعودة، لا يمكننا أن نأخذ خطوات قد تكون مؤلمة وجريئة وخارجة عن السياق الذي تعود عليه الناس، أو الذي تنصح به المنظمات الدولية. لا تضع هنا خطّا تحت المنظمات الدولية، هي التي تشجعك على الاقتراض، وهي التي تهاجمك من أجل أن تبتزك في مواقف سياسية واقتصادية وعسكرية، سمها ما شئت. فاليوم أنا حقيقة أعرف أن القيادة السياسية واعية، لكن أيضا لا بد من أن يكون هناك مشاركة مع المختصين. ملف شائك، ولا بد من أن نرتقي على مصالحنا الشخصية أو الشعور بالتجاهل. يمكن للبحرين أن تعالج هذا الدين العام من خلال وضع أولويات معينة. يا أخي، أنا مثلا أقصر على نفسي كحكومة، وأقصر شيئا على شعبي، وأضع سيناريو بأنه لا بد من أن أجعل الدين العام في الحد المعقول. الآن صار الدين العام مثل الثعلب الذي يأكل الأسد، لا يعقل. سأعطيك مثلا بسيطا، قد يزعج هذا بعض المؤسسات المصرفية. الآن يضعون لك برامج: تعال ضع أموالك، خذ خمسين دينارا أو سبعين دينارا، وتفوز بكذا وكذا، ويعطونك الأصل. ويأخذون أموالك ويضعونها عند الدولة ويأخذون عليها 6 أو 7 %. لم يفعلوا شيئا هم، أثروا على حساب الدولة من أموال المواطنين. هذه واحدة فقط من الأمور، ويشترون بها سندات بأرباح عالية ويعطونك أنت جزءا. لم يفعلوا شيئا في الاقتصاد، أخذوا أموالك وشغلوها، ووضعوا جزءا في هذه، وأعطوك شيئا قليلا. هذا ليس ما نطمح إليه. نريد من المؤسسات المصرفية أن تنشئ مشروعات تدعم القطاع الخاص، لا أن تأخذ أموالا وتضع أموالا وتربح في النصف.
Go to News Site