عكاظ عاجل
اكتشف الإنسان طريقة ينضج بها طعامه في إناء يقوم بضغط البخار العالي لرفع درجة غليان المياه، وهو ما قام به الفيزيائي «دينيس بابان». وفي عرضه الأول على الجمعية الملكية لاعتماد اختراعه انفجرت منه، مما أضطره إلى التفكير في إضافة صمام الأمان، خاصة والقدر أو الطنجرة -كما تسمى في الشام- مضغوطة للغاية وتحتاج تنفيساً.وبالحديث عن الشام نستذكر أيضاً كيف فكرت أنظمة قمعية من شاكلة نظام الأسد في ضرورة وجود صمام أمان، خاصة أن حكم حافظ الأسد -والذي انطلق في 1971- استلزم أن يكون شديد الضغط كالإناء سالف الذكر، للحفاظ على استقرار الحكم في بلد كان يعج بالانقلابات العسكرية حينها، وقد وجد النظام ضالته في الدراما والكوميديا تحديداً.وكان الفنان القدير «دريد لحام» هو الأكثر تمثيلاً لهذا المتنفس، والذي يجب القول إنه لا يمثل متنفساً فقط للشعب، لكنه يمثل قوة ناعمة لهذه الدول، وشهادة عند الزوّار بربطات العنق للتأكيد على أن البلد حضاري، حيث يجمع التاريخ والحضارة، واليوم يسمح للفن والسخرية التي تستلزم الواقعية أن تعكس واقع الأمن وتحطيم المثقف كما كانت مسرحية «كأسك يا وطن».دريد لحام شكّل ثنائية مع الكاتب محمد الماغوط، ولكن بشكل يسمح للنصوص الأقل حدة للعبور درامياً والنصوص الأكثر حدة للبقاء في صفحات الكتب، وهو صاحب عبارات ساخرة من الأمن قد تعبّر في مجملها دون أن يسمح للتأويل أن يصل الرئيس، وكأن توجيهات الأمن تأتي من النرويج، وقد قيل إن دريد لحام كان الرقابة الداخلية التي تفصل درامياً بين ما يقع في قائمة الضغط المسموح وبين ما يمر عبر صمام الأمان.دريد لحام اشتهر بتمثيل الشخصية الأبرز «غوار الطوشة»، وقد درس الفيزياء أيضاً كمخترع إناء الضغط، مثل دور «غوار» والتي تمثل العامل البسيط المتذاكي والذي يتصدى للبيروقراطية والفساد الإداري، مثل ثنائية أخرى مع الفنان الراحل نهاد القلعي والذي مثل الطبقة الوسطى العاجزة.احتاج في مرحلة لاحقة أن يقدم أدواراً أخرى، والدور هنا بالمعنى الدرامي والسياسي معاً، حيث عبّر في أفلام مثل «غربة» و«الحدود» عن سخرية تتجاوز جغرافيا سوريا إلى نقد للمحيط العربي، وكأنها مسرحية في سويسرا تسخر من روسيا أو بيلاروسيا، بينما كان النظام السوري في واقع الأمر ينظر إلى الحدود مع لبنان كحدود استعمارية تفصل بين أجزاء الجسد الواحد، وينظر بالمقابل إلى الحدود مع إسرائيل كمنطقة سلام توجت باتفاق مع الجانب الإسرائيلي في 1974 سمي باتفاق فض اشتباك.والشخصيات صاحبة البصمة كغوار الطوشة من الصعب أن تموت، فتجدها تتكرر في واقعنا اليوم، فترى غوار الطوشة بزي مختلف وتفاصيل مختلفة، لكنه نفس الخط الدرامي، فصمام الأمان يستلزم أن يكون نقد الداخل مختصراً في الاعتراض على رفع أسعار البنزين، وضغط الإناء يستلزم أن لا تنتقد صاحب محطة البنزين.وكما في فيلم الحدود كذلك الحدود في اليمن مصطنعة من المستعمر الإنجليزي، أو قد تكون عقدة لدى الآخرين، وتقارير المنظمات حول جرائم الدعم السريع وجهات نظر قد لا تحمل الكثير من المصداقية، أو لا يجب لصمام الأمان الحديث عنها كما كان غوار لا يجرؤ على مناقشة مجزرة نظام الأسد في حماة على سبيل المثال.وهذه الدراما الأكاديمية تمثل أيضاً ضرورة عند زوار ربطات العنق، فبالبلد يمثل نموذج الأمان والرقي والسلام، ويسمح بحرية الرأي حتى لو وصلت إلى انتقاد رفع أسعار البنزين.
Go to News Site