عكاظ عاجل
في عالم يتسارع فيه التطوّر التكنولوجي بشكل غير مسبوق لم تعد الحروب تُخاض بالأساليب التقليدية وحدها، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على أدوات تكنولوجية متقدمة في مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وتبرز الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحوّل، حيث تتداخل القوة العسكرية مع التكنولوجيا الرقمية في رسم ملامح الصراع، دون الدخول في مواجهة برية مباشرة حتى كتابة هذه السطور، غير أنها تبقى احتمالية قائمة في أي لحظة.لقد غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الاشتباك في الحروب الحديثة، حيث أصبح بالإمكان تحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، وهو ما يسهم في اتخاذ القرارات السريعة والدقيقة، وفي العمليات الهجومية تعتمد الأنظمة العسكرية على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف بدقة من خلال تحليل الصور الفضائية والمعلومات الاستخباراتية، وهو ما يقلل من الأخطاء البشرية ويزيد من كفاءة الضربات، كما تلعب الطائرات المسيّرة الذكية دورًا محوريًا، إذ يمكنها تنفيذ مهام استطلاعية وهجومية بشكل شبه مستقل، ما يجعلها أحد أبرز مظاهر الحرب الذكية.أما في الجانب الدفاعي فقد أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا لا غنى عنه في أنظمة الحماية الحديثة، إذ تعتمد أنظمة الدفاع الجوي على خوارزميات متقدمة لتحليل مسارات الصواريخ والطائرات المعادية والتنبؤ بحركتها، مما يساعد على اعتراضها بكفاءة أعلى، كما تُستخدم هذه التقنية في تعزيز الأمن السيبراني ومنع الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية مثل شبكات الطاقة والاتصالات، وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي كخط دفاع أول قادر على اكتشاف التهديدات والتعامل معها في وقت قياسي.ورغم أن الصراع الحالي لم يشهد حتى الآن تدخلًا بريًا مباشرًا إلا أن احتمالية التصعيد تظل قائمة، خاصة إذا قررت الولايات المتحدة تنفيذ عمليات إنزال بري، سواء في عمق الأراضي الإيرانية أو على إحدى جزرها، وطبقاً لهذا السيناريو سيلعب الذكاء الاصطناعي وقتئذٍ دورًا أكثر تعقيدًا، حيث سيتم استخدامه في إدارة المعارك على الأرض وتنسيق تحركات القوات، وتحليل ردود فعل الخصم بشكل فوري، وهذا يعني أن أي مواجهة برية محتملة لن تكون تقليدية بل ستدار عبر منظومات ذكية قادرة على تغيير مسار المعارك في لحظات.لكن الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي في زمن الحروب لا يقل خطورة عن استخداماته العسكرية المباشرة، بل ربما يكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، والمقصود هنا توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى إعلامي مضلل، مثل الصور والفيديوهات المزيفة التي تبدو واقعية إلى حد كبير، وقد أصبح من السهل اليوم إنشاء مقاطع تُظهر أحداثًا لم تقع أصلًا، أو تزييف أحداث حقيقية لخدمة أجندات معينة، وهذا النوع من «الحرب الإعلامية» يستهدف بشكل مباشر الرأي العام داخل بعض الدول أو على المستوى العالمي.تسعى بعض الأطراف المنخرطة في الحروب إلى استغلال هذه الأدوات لتأليب الرأي العام وكسب التعاطف، وتشويه صورة الخصم، فقد يتم نشر صور مفبركة تُظهر دمارًا أو انتهاكات منسوبة لطرف معين بهدف إثارة الغضب وتحريك المشاعر، ومع سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تصبح هذه المواد قادرة على التأثير في الجماهير العريضة في وقت قياسي قبل أن يتم التحقق من صحتها، ومن هنا تكمن خطورتها.من المؤكد أن الأحداث الحالية تفرض تحديات حقيقية تتطلب تعزيز وعي الأفراد، فلم يعد انتشار صورة أو مقطع فيديو كافياً لتصديق أي منهما، بل يجب التحقّق من المصدر ومقارنة المعلومات والتعامل بحذر مع كل ما يُنشر، فالمتلقي لم يعد مجرد مشاهد، بل أصبح جزءًا من المعركة الإعلامية، وهنا تبرز أهمية وعي المواطن كخط دفاع أول في مواجهة هذا النوع من الحروب، فالحروب اليوم لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل غدت معركة معلوماتية، المنتصر فيها هو القادر على توجيه الرأي العام، وهو ما يعد مكسبًا إستراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي انتصار عسكري.من هنا يمكننا القول إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في الحروب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا يعيد تشكيل طبيعة الصراع نفسه، وفي ظل الحرب الحالية يتضح لنا أن المستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على توظيف هذه التقنية بفعالية سواء في الميدان العسكري أو في الفضاء الإعلامي، ولكن يبقى الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول ضد محاولات التضليل والتأثير السلبي، وفي زمن تختلط فيه الحقيقة بالأكاذيب يصبح التفكير النقدي والتحقق من المعلومات ضرورة لا غنى عنها، ليس فقط لفهم ما يحدث بل لحماية المجتمع من الانجرار وراء روايات قد تكون بعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقة.
Go to News Site