Collector
شخصياتنا الرقميّة! | Collector
شخصياتنا الرقميّة!
عكاظ عاجل

شخصياتنا الرقميّة!

أفكّر كثيرًا في تلك النسخة التي نتركها خلفنا على منصّات التواصل الاجتماعي. هل تشبهنا فعلًا؟ أم أنها صدقًا نحن، ولكن بعد أن مرّرنا أنفسنا عبر فلترٍ خفي لا نراه؟في الواقع، لسنا عشوائيين كما نعتقد. نحن دقيقون إلى حدّ لافت؛ نختار الصورة، نعيدها، نحذفها، نعدّل الإضاءة، ونراقب تفاصيلنا كما لو كنّا مشروعًا قيد التشكيل، لا إنسانًا يعيش لحظته. نحن لا نقدّم أنفسنا كما نحن، بل نقدّم نسخة «مفهومة»، قابلة للعرض، لا بالضرورة نسخة حقيقية كاملة.شخصيّاتنا الرقمية ليست كذبًا صريحًا، لكنها أيضًا ليست الحقيقة كاملة. هي أقرب إلى نسخة مصقولة من الداخل؛ نسخة تعرف كيف تُرى، لا كيف تُعاش. وفي هذا الفارق البسيط، تختبئ مسافة واسعة بين ما نكونه فعلًا، وما نظهره.نحن، في هذه المنصّات، لا ننشر يوميّاتنا كما هي، بل ننتقي اللحظة التي بدت وكأنها تستحق أن تُخلَّد. لا نعرض مشاعرنا كما نشعر بها، بل نعرض المشاعر التي نعرف أنها ستُفهم وتُستقبل. ومع الوقت، يصبح هذا الانتقاء أسلوب حياة، لا مجرّد سلوك رقمي عابر.السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن من نصنع هذه الشخصية الرقمية، أم أنها — بهدوء — تعيد تشكيلنا؟ مع مرور الوقت، تتلاشى الحدود. نلبس ما يشبه «نسختنا الرقمية»، نتصرف بما يليق بها، ونختار الأماكن التي تعكسها. نبحث عن الاتساق معها، حتى لو جاء ذلك على حساب عفويتنا.من وجهة نظري، الأمر ليس خطأ بحدّ ذاته، لكنه أيضًا ليس بريئًا تمامًا. في العالم الرقمي، القبول سريع، والإعجاب واضح، والتقدير قابل للقياس. وهذا ما يجعلنا ننجذب إليه؛ ليس لأننا نبحث عن الآخرين بقدر ما نبحث عن انعكاس لأنفسنا في عيونهم. وهنا تحديدًا، تبدأ العلاقة المعقّدة بين الذات وصورتها.قد تكون الشخصية الرقمية جميلة، متماسكة، بل وحتى ملهمة. لكنها، في نهاية الأمر، تظل واجهة. والواجهة — مهما كانت صادقة — ليست كل البيت. المشكلة لا تكمن في وجودها، بل في أن ننسى ما وراءها.ربما لا نحتاج أن نكون حقيقيين بالكامل على المنصّات، لكننا نحتاج على الأقل ألا نفقد صلتنا بأنفسنا خارجها، وألا نُرهق ذواتنا بمحاولة التماهي مع صورة صنعناها بعناية. لأن أخطر ما قد يحدث، ليس أن نخدع الآخرين، بل أن ننجح في إبهارهم... ثم نعجز عن التعرّف على أنفسنا دون شاشة، دون عدسة، ودون منصّة.ختامًا...تظل اللحظات المرتبكة، والمشاعر غير المفهومة، والتفاصيل التي لا تبدو جميلة بما يكفي للنشر... هي ما يصنع حقيقتنا. هي ما يذكّرنا أننا بشر، لا صورًا مُنتقاة بعناية!

Go to News Site