Collector
حروب عَرَضيّة وحروب استعراضية | Collector
حروب عَرَضيّة وحروب استعراضية
عكاظ عاجل

حروب عَرَضيّة وحروب استعراضية

ربما لا تحاسب شعوب رؤساءها على أخطائهم وخطاياهم، إن حقّقوا لهم نتائج إيجابية، تطلّعَت طموحاتهم إليها، ومنها استتباب الأمن، واستقرار الاقتصاد. وبما أنّ التاريخ مفتاح الحاضر، وقنطرة المستقبل، وقفتُ على مقالة كتبها عام 1941م المليونير الإعلامي الأمريكي «هنري لوس» في مجلته «لايف»، بشّر فيها بالقرن الأمريكي، وذهب إلى أن المشكلة الأساسية التي يواجهها العالم حينها، هي أن أمريكا لم تقبل حتى ذلك التاريخ، كامل المسؤولية لتثبيت ملكيتها للقرن العشرين، وكان الكاتب شديد التحزب والتعصب، علماً بأنه مولود في الصين، ودرس في إنجلترا، وربما كان أول الداعين إلى أمركة العالم.لم تمرّ مقالته مرور الكرام، بل ردّ عليها «هنري أغارد والاس»، وكان يعمل نائباً للرئيس «فرانكلين روزفلت»، عبر كلمة ألقاها عام 1942م، ومما جاء فيها: «القرن الـ21 قرن الإنسان العادي، ويمكنها أن تكون فرصة أمريكا لتوفير الحريات والواجبات، التي يجب على الإنسان العادي أن يعيش بهداها، ولن يكون لأيّ أمة حقٌّ إلهي باستغلال باقي الأمم، وسيكون للبلدان العريقة الامتياز في مساعدة الأمم الناشئة، للانطلاق في مجال التصنيع، ولكن لا يجوز ممارسة أي استعمار عسكري أو اقتصادي، علماً بأن الطرق المستخدمة في القرن الـ19، لن تنجح في قرن الشعب الذي سيبدأ الآن».نلحظ عند الكتابة عن أمريكا وقراءتها، بروز هاجس الاقتصاد، الذي تراه صلب حياتها، وأنه لابد له من قوة توجّهه وتحميه، وتبيد أو تحجّم من يهدّده، وهناك حروب عَرَضيّة غير محسوبة الحساب، محكومة بالصدفة، وغالباً تنجم عن استفزاز آني، فيما هناك حروب استعراضية، للتباهي بالقوة، وفرد عضلات، بحكم ما وصلت إليه القوة العسكريّة، أو لتمرير رسائل سياسية، ولا أدري لماذا كان الشبه الأقرب لذهني «رياضات استعراض العضلات»، فلاعب كمال الأجسام لا يُبقي عليه من ملابسه إلا ما يشبه الساتر الوهمي، كون لجنة التقييم تعطي كل عضلة حقها من التقييم، ولذا نراه يستدير يميناً وشمالاً، ويشحّط عروق زنوده وعضوده ليبدي التفوق، خصوصاً للمنافسين الشرسين.ومما يلفت في مؤلفات الحروب، اتفاق الأساطير القديمة على التلازم بين آلهة الحرب، والحُبّ، والخصب، ولعله لم تتفق الأديان، والأساطير، والذاكرة الشعبية على شيء مثل اتفاقها على علامات الساعة، وحروب آخر الزمان، إما إجمالاً أو تفصيلاً، وإما كشفاً أو ترميزاً، وبمقاربة بين تلازم الآلهة المصنوعة «للحرب والحب والخصب»، وبين واقعنا، تعود صورة العاشق الحالم والطامح لفرض هيمنته، التي لا سبيل إليها إلا بالقتال وافتعال المعارك، فالصيت بالطغيان، يولّدُ الخوف والإذعان، بينما تحلم الجميلات بلقاء المحارب البطل وتتشرّف بالاقتران به، ومن لوازم العشق، الإسراف في القتل، لإقصاء كل نزق ومراهق عن فضاء المحبوبة، وليخلو الجوّ للمحارب الأقوى، ولا عتب على عنترة عندما قال «فوددتُ تقبيل السيوف لأنها، لمعت كبارق ثغرك المتبسم».وإن ظفر الفارس بمعشوقته، يبدأ معها مرحلة استقرار، فتأتي الزراعة والرعي وإصلاح الأراضي، وكلما اهتنى بعيشه انفتحت شهيته للاستقواء تحسّباً لأي خطر محتمل، وفي حالة الشعور بالخطر، يقرر التوسع، لحماية خصبه ونصبه، ويفتعل الإشكالات في محيطه وجواره ليبرز عضلاته، ويرهب كل من تسوّل له نفسه منافسته أو الاقتراب من حماه وذراه. وتاريخ الشعوب مليء بقصص حروب دامت لعقود، وثأرات مات أهلها، وظلّت حيّةً تسعى، وتطل برأسها بين فينة وأخرى.وتؤكد الكتب التراثية المقدسة أن الصراع ضرورة، بين متدينين موحدين، وبين كفار، ومؤمنين ولا دينيين، ومسلمين وأهل كتاب، وكلٌ لديه من نصوصه ما يُبوئه مرتبة الإيمان، ويضع غيره في خانة الكفر، فيغدو قتله باسم الدين والعقيدة مبرراً، ولعل عبدالمطلب جدّ النبي، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أوّل من تنبّه لقضية الاستدراج للصراع، وخير من تفاداها، فسأل أبرهة: تريد إبلي أم البيت؟ فأجابه: لا شأن لي بإبلك، فقال: أنا حامي إبلي، وللبيت ربٌّ يحميه.وبمراجعة سريعة لأحداث إخراج الخميني من العراق إلى فرنسا، وكفالة القوى له خروجاً آمناً، نلحظ جانباً من لعبة الأمم، فالشاه حليف أمريكا، ولذا كان تبني الخميني أوروبياً فرنسياً، وتأتي الثورة، وتتنكر أمريكا للشاه، وسرعان ما مكّنت الخميني من جغرافيا وشعوب، وخلقت له كاريزما وصنعت تاريخاً، ثم أرهبت منه العراق والخليج، ثم حوّلته إلى شرير، وسماها الشيطان، وها هي اليوم تدمّر إرثه الذي صنعته له بالأمس.وإذا سلّمنا بأننا في زمن هو الأقرب لقيام الساعة، فما على عشّاق الدهشة إلا جمع النصوص والروايات والحكايات والأساطير، وإنزال منطوقها أو مفهومها على ما يراه ويسمعه، ففي ذلك تسلية له، وانشغال عن هاجس فناء العالم، بالطبع ليس هناك من يريد الفناء، لا حبّاً في العالم، بل لأن فكرة الخلود فطرة الإنسان، ولن يخلّده مثل عمل صالح، وما أوسع باب التفاؤل والأمل الذي فتحه لنا النبي الكريم عليه السلام «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، والغالبية اليوم نسوا أو أهملوا غرس الفسائل، بسبب تركيزهم على قُرب القيامة، علماً بأن غرس الفسيلة «طوق نجاة».

Go to News Site