صحيفة البلاد البحرينية
حين يستوطنك مرضٌ نادر، بلا ملامح واضحة ولا تفاصيل، تغرق في عتمة الغموض، وتصبح أسير الحيرة والقلق واللايقين. هذا ما عاشته عائشة الرويعي ذات الـ 23 ربيعا حين أُصيبت بمرض نادر، لكنها قررت التمرد عليه ومواجهته، حتى تمكنت من رسم ملامحه وانتزاع قناعه الرمادي وكشف حقيقته؛ تلتقط حروفه وتفك رموزه؛ ليكون نقص فوسفات الدم المرتبط بالكروموسوم X، والذي يُعد اضطرابا وراثيا يؤدي إلى انخفاض الفوسفات الضروري لصحة العظام والأسنان، ما يسبب كساح الأطفال ولين العظام وتشوهات هيكلية، وينتج عن طفرات في جين PHEX المسؤول عن امتصاص الفوسفات في الكلى، لكن في حالتها ما تزال الأسباب غامضة، وهو غموض يغذي روح التحدي لديها، التي تتقنه باحترافية. فعاشت طفولة مختلفة وحياة مقيدة، لكنها تقبلت مرضها، وحاولت دائما التعامل معه بالرضا بالقضاء والقدر، فهزمت غموضه وتعايشت معه. في حياةٍ تتزاحم فيها الأسئلة بلا إجابات، يتراكم الإحباط ويُحجب نور الاستقرار، ويظل الأمل متأرجحا بين الارتفاع والانخفاض مع كل تشخيص غير دقيق. هذا الإحباط المتراكم تحول مع الوقت إلى دافع للاستمرار في البحث. قادها مقال صحافي إلى استجابة سريعة تكفل خلالها صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بعلاجها في ألمانيا، فيما فتحت لها صدفة أخرى باب علاج تجريبي غير حياتها ومنحها فرصة جديدة. ترى عائشة مستقبلها الصحي بتفاؤل واقعي، تدرك فيه حقيقة مرضها، وتؤمن بأن التقدم الطبي لابد أن يصل إلى حل نهائي. وقد اكتشفت قوتها الداخلية وصبرها الحقيقيين، ولولا هذا الابتلاء لما عرفت حدود نفسها وقدرتها على التحمل. كان لـ “صحتنا” هذا اللقاء مع عائشة الرويعي؛ لتسرد تجربتها. الملامح الأولى أوضحت عائشة الرويعي أن ملامح رحلتها مع مرض X-linked hypophosphatemic rickets بدأت عندما بدأ والداها يلاحظان الفرق بينها وبين أقرانها، خصوصا أطفال العائلة، في عمر الثلاث سنوات. فخلال تجمعاتهم العائلية وأثناء اللعب، كانت بعض الحركات البسيطة صعبة عليها، مثل الانحناء الكامل لالتقاط الألعاب أو الركض. كانت ركضتها مختلفة وبطيئة نسبيا، وحتى عند محاولة التقاط أي شيء كانت تستخدم الجزء العلوي من جسمها فقط دون ثني الركبتين. كان عمها أول من لاحظ هذا الاختلاف بوضوح، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن التشخيص والعلاج. في بدايتها، كانت الرحلة مليئة بالتشخيصات السطحية والخاطئة قبل أن تصل أخيرا إلى التشخيص الحالي. تفاوت الأمل وأشارت إلى أنه في البداية كان الشعور مزيجا من الحيرة والقلق، فعدم وضوح التشخيص وكثرة المواعيد الطبية وتعدد الآراء جعل الأمر مرهقا، وكان الأمل يتفاوت بين الارتفاع والانخفاض مع كل تشخيص غير دقيق. كطفلة، كانت تشعر بالاختلاف عن أقرانها وتعجز عن القيام بأشياء بسيطة، ما سبب لها إحباطا وتساؤلات بلا جواب. ومع الوقت، تحول هذا الغموض إلى دافع للاستمرار في البحث عن تشخيص صحيح. تحديات الطفولة وأشارت إلى أن أبرز تحديات طفولتها كانت صعوبة القيام بالحركات البسيطة مقارنة بأقرانها، مثل الركض أو القفز أو اللعب في الألعاب المفضلة. كانت تتعب بسرعة وتحتاج لمجهود أكبر، وتُحرم من المشاركة الكاملة في حصص الرياضة، ما أفقدها متعة المشاركة وأشعرها بالاختلاف. كما فقدت متعة أشياء بسيطة مثل حمل حقيبتها المدرسية أو الانصراف مع زميلاتها، وأحيانا كانت تضطر لتفويت طابور المقصف والرحلات المدرسية وأيام الحفلات بسبب التعب ومواعيد المستشفيات. كل هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لها الكثير، لكن المرض جعلها تعيشها بشكل مختلف. لطف خفي وأوضحت أنه حين أدركت أنها تختلف عن الآخرين، كانت تلك من أصعب اللحظات في حياتها، لكن مع هذا الشعور، كان هناك لُطف خفي يحيط بها، كأن الله يهون عليها ما تمر به من دون أن تشعر. ومع الوقت، أدركت أن اختلافها لم يكن نقصا، بل طريقا خاصا بها، فيه من القوة والصبر ما لم تكن لتكتشفه لولا هذا المرض. شعور الضياع رحلة البحث عن التشخيص كانت صعبة جدا على أكثر من مستوى. الألم الجسدي لم يكن وحده ما يثقل كاهلها، بل شعور العجز والإحباط من عدم وجود تشخيص واضح أو علاج مؤكد. تنقلت بين مستشفيات وأطباء متعددين، وتجرب فحوصات مختلفة، ومع كل خطوة كان شعورها بالضياع يزداد، خصوصا عند غياب سبب المشكلة أو عدم وضوحه. وكان هذا الوضع مرهقا ومؤلما لعائلتها أيضا، الذين تحملوا التعب والقلق بصمت. سمو ولي العهد رئيس الوزراء يتكفل بالعلاج في ألمانيا حين تقطعت السبل، لجأت للصحافة، حيث نشر الصحافي محمد المحميد مقالا في عموده الرأي الثالث بصحيفة “أخبار الخليج” بشأن طلب علاج طفلة بحرينية بحاجة للعلاج في ألمانيا. وكانت الاستجابة سريعة، فتكفل ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، بعلاجها في ألمانيا، ومنها بدأت رحلة العلاج. صدفة طبيب أميركي وأشارت إلى أن صدفة فتحت لها أبوابا جديدة، حيث شارك طبيبها الألماني في مؤتمر للأمراض النادرة في دبي وطرح حالتها الصحية، وكانت حينها في مرحلة الاستسلام والتعب. وطلب منه طبيب أميركي هناك أن تتواصل المريضة معه بشأن دواء تجريبي سيتم البدء به قريبا، لكن وقتها، كان لديها كسر كبير اضطرها لإجراء عملية كبيرة جدا، فأُلغيت خطة انتقالها إلى الولايات المتحدة الأميركية. تحسنت حالتها بعد العملية، وبدأ الفريق التجربة، لكنها لم تستطع الانضمام إليهم. لكنها بدأت بالعلاج لاحقا بعد أن توافر بشكل رسمي. لمسة وفاء لطبيب أميركي وقالت: لأن بعض الأيادي تمتد لتصنع فرقا لا يُقاس بالكلمات، فقد كان وجود د. توماس كاربنتر ومساعدته ماري برونسون نقطة تحول في رحلتي. لم يكتفيا بمحاولة العلاج، بل سعيا لأن يمنحاني راحة وطمأنينة، وأن يفتحا أمامي بابا جديدا للحياة بعد عناء طويل. كان جهدهما كبيرا، واهتمامهما صادقا، وكأنهما يحملان معي ثقل الطريق، ويزرعان في كل خطوة أملا جديدا. بذلا ما استطاعا من وقت وخبرة وحرص، ليكون هذا الدواء بداية لتغيير طال انتظاره. فالحمد لله الذي سخرهما لي، ثم لهما جزيل الشكر على إنسانيتهما، وعلى وقفتهما التي ستبقى أثرا جميلا في حياتي، وذكرى خالدة بالامتنان. شكرا د. وليد المانع وأوضحت أن علاج بوروسوماب Burosumab غير حياتها بالكامل ومنحها فرصة جديدة للحياة. قبل العلاج، كانت كل حركة مؤلمة، وأبسط الأمور مثل حمل الهاتف أو تناول الطعام تحديا، وكانت تعتمد على المسكنات يوميا دون فرق. اليوم، خف الألم بشكل كبير، وأصبحت تستطيع الحركة والاعتماد على نفسها في معظم واجباتها اليومية. وعلى الرغم من استمرار المرض وخطر الكسور، تعيش بحرية أكبر وتشعر بالأمل والقوة وكأنها ولدت من جديد. وشكرت وكيل وزارة الصحة السابق سفير البحرين في ماليزيا د. وليد خليفة المانع، على دعمه الكبير في صرف هذا الدواء لها في البحرين. استجابة فاقت التوقعات ولفتت أن استجابتها لعلاج بوروسوماب Burosumab فاقت توقعاتها. بعد سنوات من الألم والقيود الجسدية، شعرت بتحسن ملموس في الحركة وتخفيف الألم، وأصبحت تقوم بمعظم واجباتها اليومية بنفسها، ما أعاد لها شعور الاستقلالية. ورغم استمرار المرض وخطر الكسور، أصبح بإمكانها العيش بحرية أكبر، وتشعر بالقوة والأمل. فرط نشاط الغدد جارات الدرقية وتابعت أنها أثناء وجودها في الولايات المتحدة الأميركية أجرت بعض التحاليل الروتينية، ليتم اكتشاف إصابتها بفرط نشاط الغدة جار الدرقية (Hyperparathyroidism) بشكل مفاجئ. كانت مستويات الكالسيوم في الدم مرتفعة جدا، وكانت الغدة جار الدرقية نشطة بشكل غير طبيعي، وبسبب هذا الوضع الطارئ خضعت لعملية عاجلة لإزالة إحدى الغدد. علما أنها كانت قد أجرت بعض التحاليل في البحرين، لكنها لم تكشف عن هذا الخلل، ما جعل اكتشاف المرض مفاجئا وخطيرا في الوقت ذاته. عملية طارئة وقالت إن عملية استئصال الغدة جار الدرقية كانت طارئة ومفاجئة لها، نتيجة اكتشاف المرض وخطورة الحالة وندرتها. ورغم صعوبتها، أظهر الطاقم الطبي مهارة عالية وعملا متكاملا بين التخصصات. وكانت من أفضل تجاربها الجراحية مقارنة بعمليات سابقة داخل البحرين وخارجها، لما شهدته من احترافية ودقة واهتمام ومتابعة حتى عودتها للبلاد. أصعب مرحلة وأوضحت أن أصعب مرحلة مرت بها كانت سنوات التشخيصات الخاطئة واستسلام بعض الأطباء لعدم وضوح المرض النادر وغياب علاج فعال. كانت فترة مليئة بالإحباط، حيث تلقت أدوية كثيرة دون تحسن، وتفاقمت حالتها تدريجيا، حتى اضطرت للاعتماد على الكرسي المتحرك وعلى أهلها في أبسط أمورها اليومية. كان هذا الاعتماد صعبا نفسيا وجسديا، واحتاجت لصبر وقوة داخلية كبيرة لمواجهة تحديات الحياة اليومية. اكتشاف القوة الداخلية المرض أثر على حياتها وجعلها تواجه تحديات كبيرة، لكنها تأقلمت معه واكتشفت قوتها الداخلية وصبرها الحقيقيين. ولولا هذا الابتلاء لما عرفت حدود نفسها وقدرتها على التحمل. ومع كل صعوبة، تعلمت تقدير حياتها وأدركت أن الصبر ليس مجرد تحمل، بل إيمان بأن لكل شيء حكمة. وكما قال تعالى: «وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ»، فالرضا يمنح القلب طمأنينة وقوة، ويجعلها تواجه الحياة بثقة وأمل. تقبل المرض بكل ما فيه وبينت أنها متقبلة لمرضها بكل ما فيه، حتى وإن لم ينتهِ، وتحاول دائما أن تتعامل مع ذلك بالرضا بالقضاء والقدر. وتذكر دائما أن الصبر أجره عند الله وتحتسبه، مستمدة الطمأنينة من قول الله تعالى: «وَبَشِّرِ الصَابِرِينَ». مرضها صار جزءا منها ويميزها؛ علمها الصبر وقوة التحمل، وأكسبها معرفة أعمق بنفسها وقدراتها، وجعلها ترى الحياة بحب وامتنان أكبر لكل لحظة، وتقدر كل إنجاز مهما كان صغيرا. ولفتت إلى أنها مرت بلحظات ضعف شعرت فيها بالإرهاق واليأس أحيانا، لكنها كانت تتجاوزها بالتفكر وبالرضا بما كتبه الله لها، إذ تعلم أن الله أعطاها هذا المرض؛ لأنه يعلم أنها تستطيع تحمله. الداعم الأكبر وأضافت أن عائلتها هي الداعم الأكبر لها خلال هذه الرحلة؛ فوالدها الذي لا يعرف كلمة “مستحيل”، حتى عندما استسلم الأطباء، وحنان أمها وإخوتها، ثم اهتمام وحرص جميع العائلة. ووجودهم حولها منحها الأمان والقوة، وحبهم واحتواؤهم أعطاها القدرة على مواجهة كل صعوبة وتعب بثقة وصبر. ولا تنسى أخيها التوأم الذي كان سليما، وكان يرافقها في كل مكان برحلتها مع المرض. رسالة إلى الأطباء ودعت الأطباء إلى التأني في كل كلمة يوجهونها للمريض. فقد سمعت كلمة “يمكن” مرارا خلال مواعيد مختلفة، وكانت بالنسبة إليها قاسية ومؤلمة. كان التشخيص يُطرح بصيغة “متوقع” أو “قد يكون”، من دون وضوح أو حسم، ومن دون أن يقول أحد ببساطة: “لا أعلم”. وأضافت بالنسبة للمريض ووالديه، هذه الكلمة ليست عابرة؛ بل تفتح بابا من القلق والحيرة. كلمة واحدة قد تُثقِل القلب بأسئلة بلا إجابات، فيما تبقى الصراحة، رغم صعوبتها، أرحم من تعليق المريض بين الاحتمالات. وقالت: “تأنوا كذلك في التشخيص، فكم من مريض ضاعت سنوات من حياته بسبب تشخيص خاطئ، بين أدوية غير مناسبة وآمال تتبدد، كان يمكن تجنبها بالدقة والتأني. فالمريض لا يبحث عن إجابة كاملة، بقدر ما يبحث عن وضوح - وكلمة صادقة تمنحه الطمأنينة”. تفاؤل واقعي ترى عائشة مستقبلها الصحي بتفاؤل واقعي؛ فتقول: “العلاجات الحالية تساعدني على التعايش مع المرض، لكنها ليست النهاية. أنا أتعلم كيف أعتني بنفسي، وأكتشف حدودي وقوتي، وأركز على كل لحظة أستطيع فيها أن أعيش حياة طبيعية قدر الإمكان. العلاج الحالي ليس العلاج النهائي، ولكن لدي أمل دائم في تطور العلاجات، وأؤمن أن البحث الطبي والتقدم العلمي قد يقدمان حلولا أفضل”. ورغم كل التحديات، أنهت عائشة الرويعي دراستها في جامعة البحرين بتخصص اللغة العربية وآدابها، بالرغم مما شهدته فترة دراستها من عمليات جراحية متعددة وإجراءات طبية مرهقة، مؤكدة أن المرض لم يكن نهاية الطريق، بل بداية لاكتشاف قوة لم تكن تعلم بوجودها.
Go to News Site