صحيفة الرياضية
قبل أن يولد ديربي الهلال والنصر بأربعة أعوام، كان هناك ديربي آخر، أقدم، أشد حرارة، يشتعل تحت شمس الرياض الملتهبة في ملعب الصايغ، في الستينيات الميلادية. تراب وجبس أبيض، في حيّ وسط العاصمة.. ملعب بلا خضرة ولا أضواء كهرباء، فقط وايت الماء يُرشّ الأرضية الترابية من البوابة الجنوبية قبل المباراة بساعات، من رآه يعرف أنه جاء مبكرًا. أما أبو مرزوق ـ رحمه الله ـ فكان صوته الجهوري يملأ المكان: «قرمش... قرمش» يبيع الفصفص، وكأنه يردد النشيد الرسمي للديربي. «تسمح تدخلني معك؟» كان الصغار يقولونها للكبار بصوت خجول لكنه مليء بالأمل، فيبتسم الحارس، ويلوح بيده: «تعال يا وليدي، ادخل مع عمك». تذكرة واحدة تكفي لاثنين، أو ثلاثة، أو حتى أربعة إذا كان الضغط شديدًا. جاء البعض مشيًا على الأقدام، والبعض على دراجات هوائية صدئة، وقلة قليلة بسيارات فورد قديمة تُطلق دخانًا أسود كأنها تتنفس من التعب. لم تكن هناك ميكروفونات.. ولا مذيع.. فقط صوت الحكم يدوي بلهجة صارمة: «يا عيال... العبوا!». ديربي الرياض والشباب، جاء بعد مئتين وستة وأربعين عامًا، منذ أن أطلق البريطانيون كلمة «ديربي» على سباق خيل في مضمار إبسوم داونز بالقرب من لندن وأصبح بعدها عنوانًا للصراع الكروي بين فريقي المدينة الواحدة حول العالم. لم يكن أحد يعلم أن الكلمة ذاتها ستصل بعد عقود، إلى قلب الصحراء، لم يكن هناك ضباب..كان هناك حرّ يذيب حتى الظلال، وكان هناك أربعة آلاف رجل يتوافدون على ملعب الصايغ. السجادات المفروشة على الخرسانة كانت التذكرة الوحيدة، من يصل أولًا يفرشها ويحجز مكانه. كان الفريقان يسرقان الأضواء ـ إن وُجدت أصلًا ـ في البطولات المناطقية والكؤوس. أما النصر، فكان لا يزال يقاتل في الدرجة الثانية، يحلم بالصعود، ينظر من بعيد إلى هذا الديربي الذي يحضر فيه أيضًا الهلال بصورة مغبشة. مع مرور السنين، تغيّرت الرياض، بنيت ملاعب خضراء، ودوري عالمي، وأضواء كاشفة تصل إلى السماء، لكن الليث بقي محافظًا على عرينه ينكسر أحايين ويجبر حينًا، بينما فقد الرياض بعض هيبته بين درجات الظل والحضور المؤقت إلا ما ندر. صار الديربي بينهما يُذكر بابتسامة حزينة: «كان زمان».. لا أحد يضاهي الآن ديربي الهلال والنصر.. أو بالأحرى... لا ديربي سواه. اليوم في الجولة السابعة والعشرين من دوري روشن السعودي، يستقبل الرياض ضيفه الشباب على ملعب مدينة الأمير فيصل بن فهد الرياضية في الملز، بعد زمن تبادلا فيه اللاعبين مثل محمد الشويرخ، عبد العزيز اليوسف، وإبراهيم الحلوة، لكنه لم يعد ديربي صراع أمجاد، صار محاولة للبقاء بين الكبار أو ديربي دفن في الصايغ.
Go to News Site