Collector
مضيق هرمز وقانون أعالي البحار! | Collector
مضيق هرمز وقانون أعالي البحار!
عكاظ عاجل

مضيق هرمز وقانون أعالي البحار!

في العام 1980، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، لم تكن مجرد معركة حدودية، بل تحوّلت إلى نار أشعلت الإقليم من البصرة أعلى الخليج ممتداً إلى مضيق هرمز، حروب عبثية لا تزال لليوم.لقد مر الخليج العربي إثر تلك الحرب بالعديد من الأحداث الجسيمة، بدءاً من تلغيم مضيق هرمز، وليس انتهاءً بحرب الناقلات، وإغراق السفن والبارجات، وتحطم الطائرات، تحوّل معه الخليج إلى بحيرة متأزمة لا تكاد تنطفئ نيرانها إلا وتشتعل مرة أخرى.لعل قدر هذه المنطقة أنها تحوي بين أراضيها وبحارها «النفط والغاز»، أغلى ثروات البشرية، وأكثرها مطمعاً، لكنها أيضاً تحمل طموحات غير مشروعة لدول وقوميات، تحاول من خلال أحلامها التوسعية إما فرض هيمنتها ووصايتها أو حتى تسديد فواتير تاريخية وجغرافية قديمة.الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، تضعنا أمام تداعيات أزمة غير مسبوقة، فمطالبة طهران بفرض رسوم على العبور من مضيق هرمز، يعني بلا شك تحديّاً للقانون الدولي، بل وحرفه عن شرعيته للأبد، إنه انقلاب لا يمكن التنبؤ بعواقبه.ولعلنا نعود إلى اتفاقية أعالي البحار والمضائق المنظمة التي تنظم عبور السفن والناقلات، وتحمي حقها في العبور، وتمنع دولة المضيق أو المشاطئة لها من المنع، إذ يعد قانون البحار الإطار القانوني الشامل الذي ينظم الأنشطة في البحار والمحيطات، وتعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982م، المرجع الأساس لهذه القواعد.القانون يعتبر المضائق ممرات مائية طبيعية ضيقة تربط بين جزءين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة وينقسم إلى:أولاً: حق المرور العابر (Transit Passage): هو النظام المطبق على المضائق الحيوية (مثل مضيق هرمز وجبل طارق)، ويمنح السفن والطائرات حرية الملاحة والتحليق لغرض العبور المتواصل والسريع دون إعاقة من الدول المشاطئة.ثانياً: حق المرور البريء (Innocent Passage): ويطبق في حالات معينة (مثل المضائق التي تربط بحراً إقليمياً بدولة أخرى)، حيث يُسمح للسفن بالمرور طالما لا يمس سلامة الدولة الساحلية أو نظامها.ثالثاً: واجبات الدول المشاطئة.. لا يجوز للدول المطلة على المضائق وقف المرور العابر، وعليها الإعلان عن أي خطر يهدّد الملاحة.أهمية هذه القواعد هي تنظيم وحماية التجارة الدولية، وتضمن تدفق سلاسل الإمداد عبر الممرات المائية الحيوية، وكذلك تسوية النزاعات، فقد وفرت الاتفاقية آليات لفض الخلافات عبر المحكمة الدولية لقانون البحار.إذن وبموجب القانون الدولي، لا يحق لإيران قانونياً وعرفياً منع السفن أو فرض رسوم بمجرد مرورها في مضيق هرمز، حتى وإن كانت السفن تمر في مياهها الإقليمية، وذلك لأن مضيق هرمز يُصنف مضيقاً دولياً يربط بين جزءين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)؛ ولذلك تتمتع جميع السفن (بما فيها الحربية والتجارية) بحق «المرور العابر» الذي لا يعطي للدولة الساحلية حق تعليقه أو إعاقته، بل يجب أن يكون المرور مستمراً وسريعاً، ولا يجوز للدول المشاطئة (إيران) فرض شروط سياسية أو تمييزية على السفن العابرة.ولعل من المهم الإشارة إلى المادة 26 من الاتفاقية التي تنص صراحة على أنه «لا يجوز فرض أي رسوم على السفن الأجنبية لمجرد مرورها بالبحر الإقليمي».لقد وقّعت إيران على اتفاقية 1982م، لكن برلمانها لم يصادق عليها؛ لذا فهي تدّعي أحياناً أنها غير ملزمة ببنود «المرور العابر»، وتتمسك بقواعد «المرور البريء» التي تمنحها سلطة أكبر للتدخل إذا رأت أن السفينة تهدّد أمنها، لكنها الآن لا تمنع السفن الحربية بل تمنع السفن التجارية.إن مجرد التغافل عن محاولات إيران فرض رسوم عبور، سيؤدي إلى انهيار أحد أهم أسس النظام الاقتصادي والقانوني العالمي، وسيدفع دولاً أخرى إلى فرض رسوم أو إغلاق مضائق يعيش العالم عليها.فالمضائق البحرية هي شرايين التجارة العالمية، وأهمها بدءاً من منطقة جنوب شرق آسيا مضيق ملقا في ماليزيا الذي يعد أكثر ممرات العالم ازدحاماً ورئة الصين الذي لو أغلق أو تعطل لتغيّر حال الصين نحو الأسوأ، يليه مضيق هرمز أهم ممر يمد العالم بالطاقة، ثم باب المندب بوابة الشرق إلى الغرب، ومضيق جبل طارق، ثم مضيق البوسفور والدردنيل، وهما ممران مائيان استراتيجيان في تركيا، لكنه يعد «الرئة» الجيوسياسية والاقتصادية لروسيا، فهي المنفذ الوحيد الذي يربط موانئها على البحر الأسود بالمياه الدافئة وبقية محيطات العالم.فهل ستقبل الدول العظمى (أمريكا وروسيا الصين) أن تفرض إيران وتركيا وماليزيا – وغيرها- رسوماً، أو تتحكم في حركة مرور السفن التجارية وحتى العسكرية تمنع من تشاء وتسمح لمن تشاء؟بلا شك أن ذلك سيخلق فوضى وتعطيلاً لحياة البشرية، وسيفرض تمرداً غير مقبول على القانون الدولي الذي اعترف به الجميع، وأصبح واقعاً عاشت عليه الدول خلال المئة عام الماضية.

Go to News Site