صحيفة البلاد البحرينية
الأكاديمية كارين يونغ: الحرب الحالية تمثل أكبر صدمة لإمدادات الطاقة في التاريخ الحديث الباحثة نوآم ريدان: التراجع لا يعكس أزمة مؤقتة بل يؤثر في استمرارية التدفقات وسلامة المسارات الخبير الاقتصادي دانيال فالكون: إضعاف الثقة في الترتيبات الأمنية التقليدية نتيجة طبيعية الباحثة أبريل لونغلي: دول الخليج كانت تدرك منذ البداية خطورة الانزلاق إلى صراع مفتوح لم تعد اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تواجه مجرد دورة تقلبات نفطية، بل دخلت مرحلة إعادة تعريف شاملة لمفاهيم القوة الاقتصادية وأمن الطاقة؛ فالأزمة التي أشعلت المنطقة، كما تشير تحليلات الباحثين والخبراء، كشفت عن أن النموذج الاقتصادي التقليدي القائم على وفرة الموارد واستقرار الإمدادات لم يعد كافيا، وأن المنطقة باتت أمام اختبار تاريخي يعيد رسم أولوياتها الاستراتيجية. الشحن والطاقة في هذا المسار، رصدت “البلاد” تقارير ودراسات وتحليلات خبراء عالميين بشأن “اقتصاد الخليج في زمن الحرب” لتكوين ولو فكرة يسيرة لرؤية مستقبلية. ولعل الباحثة في معهد واشنطن نوآم ريدان أوضحت في دراسة نشرتها على الموقع الإلكتروني للمعهد أن قطاعي الشحن والطاقة يقفان في صميم هذا التصعيد، إذ تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 30 % من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا لاضطرابات حادة، دفعت العديد من الشركات إلى تجنب العبور بسبب مخاطر الحرب وارتفاع تكاليف التأمين، لكنها وصفت هذا التراجع بأنه لا يعكس فقط أزمة مؤقتة، بل تحول عميق في مفهوم أمن الطاقة، الذي لم يعد قائما على الإنتاج وحده، بل على استمرارية التدفقات وسلامة المسارات. الضغوط تتزايد ولا تقف تداعيات هذه الاضطرابات عند حدود الخليج، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي؛ إذ تعتمد دول مثل الصين واليابان بدرجة كبيرة على نفط المنطقة، فيما تعتمد أوروبا على الخليج في نسبة مهمة من وقود الطيران، ومع استمرار الانقطاعات، تتعرض هذه الاقتصادات لضغوط متزايدة، في حين تجد دول الخليج نفسها أمام مفارقة صعبة؛ فهي مركز الإمدادات العالمية، لكنها في الوقت ذاته الأكثر تأثرا بتعطلها. إعادة تقييم المواقف إذًا، أين “صلب” تلك “المفارقة الصعبة”؟ في شأن ذلك، تشير الباحثة أبريل لونغلي آلي، وهي خبيرة اقتصادية بمعهد واشنطن، إلى أن دول الخليج كانت تدرك منذ البداية خطورة الانزلاق إلى صراع مفتوح، إلا أن الضربات التي طالت أهدافا مدنية وبنية تحتية للطاقة في عدد من دول المجلس دفعتها إلى إعادة تقييم مواقفها؛ ما أدى إلى تقاربها مع الولايات المتحدة في إطار الدفاع المشترك، مع استمرار محاولات بعض الأطراف، مثل سلطنة عُمان، إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا. الحماية الخارجية لكن هذه التطورات، كما يراها الخبير الاقتصادي بمركز “فورين بوليسيس” دانيال فالكون، ألقت بظلال ثقيلة على اقتصادات المنطقة، حيث تعاني قطاعات حيوية مثل الطيران والسياحة والاستثمار من ضغوط كبيرة، في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة، إلا أنه رأى أن الحرب لم تحقق لدول الخليج مكاسب سياسية توازي تكلفتها الاقتصادية، بل ساهمت في إضعاف الثقة في الترتيبات الأمنية التقليدية، ودفعت إلى إعادة التفكير في جدوى الاعتماد على الحماية الخارجية. وفي هذا السياق - أضاف فالكون - تبرز أهمية إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية كخيار استراتيجي لا يحتمل التأجيل؛ إذ لم يعد الاعتماد على شريك واحد كافيا لضمان الاستقرار أو حماية المصالح. ويتجه التفكير الخليجي، بحسب عدد من الخبراء، نحو بناء شبكة شراكات متعددة ومتوازنة تشمل الشرق والغرب، بما يعزز قدرة الدول على المناورة وتقليل المخاطر. ممرات اقتصادية بديلة وتتجسد هذه الهيكلة الجديدة عبر مسارات عدة، أبرزها تنويع الشركاء التجاريين والاستثماريين، وتعزيز الاتفاقيات الثنائية والإقليمية، إضافة إلى تطوير شراكات في مجالات حيوية مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة وسلاسل الإمداد، كما يتزايد الاهتمام بإنشاء ممرات اقتصادية بديلة، وتوسيع الاستثمارات السيادية في الأسواق العالمية، بما يضمن توزيع المخاطر وعدم رهن الاقتصاد بجهة واحدة. وهذه التحولات لا تعني استبدال تحالف بآخر، بل الانتقال إلى نموذج “التوازن المرن”؛ إذ تحتفظ دول الخليج بعلاقاتها التقليدية، مع توسيع دائرة الشراكات لتشمل قوى صاعدة؛ ما يمنحها مساحة أكبر لاتخاذ قرارات مستقلة تتناسب مع مصالحها الوطنية. البعد الإنساني بالإمكان إعادة ما طرحه عدد من المحللين من أن استهداف البنية التحتية للطاقة، سواء مباشرة أو عبر وكلاء، يمثل تحولا خطيرا في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المنشآت النفطية ومحطات التحلية بعيدة عن دائرة الاستهداف، وقد انعكس ذلك على تزايد المخاوف بشأن أمن الإمدادات، خصوصا في ظل اعتماد كبير لسكان الخليج على المياه المحلاة؛ ما يضيف بُعدا إنسانيا للأزمة الاقتصادية. أضف إلى ذلك أن التطورات تُسرّع من توجه دول الخليج نحو تنويع شراكاتها الاقتصادية والدفاعية، والابتعاد تدريجيّا عن الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة عبر تعزيز علاقاتها مع قوى مثل الصين وروسيا. وهذا التحول لا يعني القطيعة، بل يمثل إعادة توازن تهدف إلى تقليل المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية. أكبر صدمة للإمدادات ما تقدم شرحته الأكاديمية في مركز سياسات الطاقة بجامعة كولومبيا كارين إي يونغ، إذ ذهبت إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن الحرب الحالية تمثل أكبر صدمة لإمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، إذ تراجعت حركة نقل النفط والغاز بشكل حاد، وتعرضت منشآت حيوية للتعطيل؛ ما أدى إلى خسائر كبيرة في الإيرادات، خصوصا في الدول التي تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة، علاوة على أن التعافي من هذه الصدمة لن يكون سريعا؛ إذ يتطلب إعادة تشغيل الإنتاج تدريجيّا واستعادة الثقة في الأسواق. حلول ليست محصنة ولفتت يونغ إلى أن بعض دول الخليج تمكنت من تخفيف آثار الأزمة بفضل استثماراتها في خطوط الأنابيب البديلة، التي سمحت باستمرار تدفق الصادرات بعيدا عن المضائق البحرية، إلا أن هذه الحلول ليست محصنة بالكامل؛ إذ يمكن أن تتحول بدورها إلى أهداف في حال تصاعد الصراع. وفي موازاة ذلك، كشفت الأزمة عن هشاشة بعض القطاعات غير النفطية، على رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها دول الخليج لتنويع اقتصاداتها في السنوات الماضية، فالطيران والسياحة والخدمات اللوجستية، التي تمثل ركائز أساسية في اقتصادات مثل الإمارات والسعودية، تواجه ضغوطا مشابهة لتلك التي شهدتها في جائحة “كورونا”؛ ما يطرح تساؤلات عن مدى قدرة هذه القطاعات على الصمود في بيئة جيوسياسية مضطربة. وتعكس توقعات الأسواق حالة من عدم اليقين، إذ تتراوح السيناريوهات بين تعافٍ جزئي واستقرار نسبي في الأسعار، وبين استمرار الاضطرابات وارتفاعها إلى مستويات قياسية، غير أن العامل الحاسم، بحسب الخبراء، لا يتمثل في الأسعار بقدر ما يتمثل في قدرة الدول على الحفاظ على تدفق صادراتها؛ إذ إن فقدان الحصة السوقية قد يكون أكثر ضررا من تقلب الأسعار نفسها. الاحتياطات الاستراتيجية وفي ضوء هذه التحديات، تتجه دول الخليج إلى إعادة صياغة استراتيجياتها الاقتصادية عبر تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وتنويع مسارات التصدير، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، كما يتزايد التركيز على بناء اقتصاد قائم على المعرفة وقادر على التكيف مع التغيرات العالمية. خلاصة الرصد أعلاه أن الحرب تكشف عن أن دول الخليج لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت لاعبا رئيسا في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، ومع تصاعد المخاطر، يتشكل نموذج جديد يقوم على المرونة والتكيف؛ لأنها أمام لحظة تاريخية تعيد تعريف اقتصادها ودورها العالمي، في اتجاه نموذج أكثر تنوعا واستدامة، قادر على الصمود في وجه الأزمات، وصناعة المستقبل في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة الاقتصادية.
Go to News Site