Collector
الأردن ليس ممرًا: كيف يجب تفكيك الرواية الإسرائيلية عن “الجبهة الشرقية”؟ | Collector
الأردن ليس ممرًا: كيف يجب تفكيك الرواية الإسرائيلية عن “الجبهة الشرقية”؟
jo24.net

الأردن ليس ممرًا: كيف يجب تفكيك الرواية الإسرائيلية عن “الجبهة الشرقية”؟

كتب زياد فرحان المجالي - في اللحظات الإقليمية التي يشتد فيها القلق وتتداخل فيها الجبهات، لا يقتصر التحدي على ما يجري في الميدان، بل يمتد إلى الطريقة التي يُعاد بها تعريف الميدان نفسه. فالحدود لا تبقى مجرد خطوط سيادية فاصلة، بل تتحول في الخطاب الأمني إلى معانٍ، وتُدرج داخل خرائط تفسيرية جديدة قد تكون آثارها السياسية أوسع من آثارها العملياتية المباشرة. ومن هذا الباب تحديدًا، ينبغي مقاربة ما يرد في الدراسات والمواد الإسرائيلية التي تتحدث عن ما تسميه تل أبيب "الجبهة الشرقية”، وتربط بين تهريب السلاح إلى الضفة الغربية وبين المسارات الحدودية المحاذية للأردن. ومنذ البداية، لا بد من تثبيت نقطة منهجية وسياسية في آن واحد: ما يرد في هذه الدراسات هو قراءة أمنية إسرائيلية تحاول تفسير الجغرافيا المحيطة بإسرائيل من منظور الخطر المحتمل، وليس توصيفًا نهائيًا محايدًا للواقع، ولا حقيقة مكتملة يجوز نقلها كما هي ثم البناء عليها. وأهمية هذا التمييز لا تنبع من حساسية لغوية أو من رغبة في تخفيف وقع بعض العبارات، بل من حقيقة أن المفردات الأمنية، حين تصدر عن دولة في حالة اشتباك دائم مع محيطها، لا تكون بريئة في الغالب، ولا تكون منفصلة عن حاجتها إلى إعادة صياغة بيئة التهديد بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية. هنا بالذات تظهر خطورة التبسيط. فحين تتحدث إسرائيل عن محاولات تهريب سلاح تمر عبر المسارات المحاذية للأردن نحو الضفة الغربية، فإن الخطر لا يكمن فقط في مضمون الادعاء ذاته، بل في قابلية هذا الادعاء لأن يُفهم، إن لم يُفكك بعناية، بوصفه توصيفًا يضع الأردن داخل دائرة الشبهة، أو يقدمه كأنه ممر رخوي في منظومة تهديد عابرة للحدود. وهذا استنتاج يجب رفضه ليس بدافع الحساسية الوطنية وحدها، بل بدافع الدقة الصارمة. لأن الفرق كبير، سياسيًا وأمنيًا، بين القول إن شبكات التهريب تحاول استغلال بيئة حدودية معقدة محاذية للأردن، وبين الإيحاء بأن الأردن نفسه يقع في موقع التورط أو التساهل أو العجز. والأردن، في هذه المسألة، ليس دولة هامشية تقف على تخوم الخطر وتراقبه من بعيد. المملكة تتعامل منذ سنوات مع تهريب السلاح والمخدرات، ولا سيما من الجنوب السوري، باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني، ولسيادتها، ولتماسكها الداخلي. وهذا ليس خطابًا سياسيًا ظرفيًا يُستخدم عند الحاجة، بل نهج دولة كرسته الممارسة الأمنية والعسكرية الفعلية على الأرض. فالأردن لم يقرأ هذا الخطر بوصفه ملفًا يخص الآخرين أو أزمة مؤجلة أو مسألة يمكن احتواؤها بالتجاهل، بل واجهه بصفته تحديًا سياديًا مباشرًا، عبر حرس الحدود، والأجهزة الأمنية، والقوات المسلحة، وسلاح الجو، وبما ينسجم مع رؤية تعتبر أن حماية الحدود ليست إجراءً تقنيًا بل وظيفة دولة. ومن هنا، فإن أي خطاب يختزل المملكة في صورة "الممر” أو "المعبر” لا يكون فقط غير منصف، بل يناقض الوقائع الميدانية التي أثبتت أن الأردن طرف فاعل في إحباط هذه الشبكات، لا بيئة حاضنة لها. فالدولة التي تطارد التهريب، وتضبط الحدود، وتتعامل مع محاولات الاختراق باعتبارها اعتداءً على سيادتها، لا يمكن أن تُدمج بسهولة في البنية نفسها التي تُدمج فيها شبكات الجريمة المنظمة أو المسارات التي تحاول تلك الشبكات استغلالها. إن هذا الخلط، الذي قد يبدو في بعض القراءات تبسيطًا لغويًا عابرًا، هو في حقيقته انزلاق سياسي وأمني خطير، لأنه يساوي بين الدولة التي تقاتل الخطر وبين الجغرافيا التي يحاول الخطر أن ينفذ عبرها. لكن قيمة هذه الدراسات الإسرائيلية لا تكمن فقط في ما قد تنطوي عليه من مبالغة أو توسع في تعريف التهديد، بل أيضًا في أنها تكشف شيئًا أعمق في الذهنية الإسرائيلية نفسها. فإسرائيل، من خلال هذا النوع من النصوص، لا تعيد فقط توصيف بعض المسارات المحتملة لتهريب السلاح، بل تعيد كتابة الشرق أمنيًا. المنطقة في هذه القراءة لا تظهر كفسيفساء من الدول ذات السيادات والمصالح والوظائف الأمنية المختلفة، بل كحيز رمادي واسع قابل لإعادة الإدراج داخل سردية تهديد واحدة. وبهذا المعنى، لا يعود السؤال فقط: هل ثمة شبكات تهريب؟ بل يصبح السؤال: كيف تريد إسرائيل أن يُفهم هذا الشرق، ومن أي زاوية تريد للعالم أن يقرأه؟ الجواب، كما توحي هذه النصوص، هو أن تل أبيب تريد للشرق أن يُقرأ بوصفه جبهة مرنة، متحركة، قابلة لإنتاج المخاطر، حتى لو كانت الدولة الواقعة في قلب هذه الجغرافيا تخوض أصلًا حربًا مفتوحة ضد هذه المخاطر. وهذا هو جوهر المشكلة. فبدل التمييز بين الدول التي تحارب الظاهرة وبين الظاهرة نفسها، تميل القراءة الإسرائيلية إلى ضمّ البيئة المحيطة كلها داخل تعريف أمني متسع، يُعامل الجغرافيا أحيانًا بوصفها شبهة مؤجلة، ويعامل الحدود بوصفها مسارًا محتملًا للخطر لا بوصفها خطوط سيادة تعمل الدولة على حمايتها. ومن الطبيعي، في ضوء هذه المقاربة، أن يتقدم داخل الخطاب الإسرائيلي مفهوم "الجبهة الشرقية”. فالمسألة لم تعد، في نظر دوائر إسرائيلية متزايدة، مجرد حدود مع دولة مستقرة أو جوار جغرافي تقليدي، بل باتت تُقدَّم كحيز يمكن أن تحاول شبكات عابرة للحدود استغلاله لإدخال أدوات قتالية إلى الضفة الغربية، بما قد يرفع مستوى التهديد هناك من عمليات متفرقة إلى بنية أكثر تنظيمًا. وحين تتحدث هذه المواد عن عبوات، وقذائف مضادة للدروع، ومكونات صاروخية، وكميات كبيرة من الذخائر، فهي لا تعرض مجرد قائمة مواد مهربة محتملة، بل تبني حجة كاملة حول ضرورة إعادة تعريف طبيعة الخطر نفسه، وطبيعة الرد عليه أيضًا. وهنا نصل إلى نقطة لا تقل أهمية عن مضمون التهريب ذاته: هذه الدراسات لا تكتفي بوصف الخطر، بل تهيئ الأرضية النظرية لإعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فحين تتكرر في النصوص الإسرائيلية مفردات من قبيل "المنع المسبق”، و”الاستهداف المبكر”، و”إنهاء الاكتفاء بالاحتواء”، فإننا لا نكون أمام تحذيرات أمنية تقنية فحسب، بل أمام ملامح تفكير استراتيجي يريد أن ينقل إسرائيل من مرحلة إدارة التهديد إلى مرحلة كسره قبل أن يكتمل. وهذا التحول، إن استقر، ستكون له آثار تتجاوز الحدود المباشرة، لأنه يمنح إسرائيل هامشًا أوسع لتبرير الفعل الاستباقي، ليس فقط على أساس الخطر القائم، بل على أساس الخطر المتوقع أيضًا. ومن هنا فإن تفكيك هذه الرواية لا يخدم الأردن وحده، بل يخدم الدقة السياسية في فهم ما تحاول إسرائيل أن تفعله بالمعنى قبل أن تفعله بالفعل. فحين تتوسع إسرائيل في تعريف التهديد، فإنها لا توسع فقط خرائط الخطر، بل توسع أيضًا اللغة التي يمكن أن تُستخدم لاحقًا لتبرير سياسات أمنية أو عسكرية أو ضغوط سياسية على دول ومجالات مختلفة. والخطر هنا لا يكمن في الادعاء المنفرد، بل في تراكم هذا النوع من النصوص حتى يتحول، بمرور الوقت، إلى إطار تفسيري مقبول، أو إلى سردية جاهزة يُتعامل معها وكأنها حقائق بديهية. ولهذا تحديدًا، فإن الرد الأردني، أو الرد المنصف على هذه النصوص، لا ينبغي أن يأخذ شكل رد فعل انفعالي أو نفي مجرد. المطلوب هو ما هو أعمق من ذلك: إعادة ترتيب المعنى. نعم، هناك بيئة حدودية معقدة في الإقليم، وهناك شبكات تهريب تحاول استغلال الفوضى في بعض الساحات، وهناك قلق إسرائيلي متزايد من إمكان انتقال السلاح إلى الضفة الغربية. لكن لا، هذا لا يجعل الأردن ممرًا. ولا يحول الدولة التي تواجه الخطر إلى جزء منه. ولا يبرر دمج المملكة في خطاب يوحي بأنها مجرد مساحة عبور في خرائط الآخرين. فالأردن، في هذا المشهد، ليس جغرافيا سائبة، بل دولة ذات قرار أمني واضح، ووظيفة سيادية محددة، وخبرة عملية متراكمة في ضبط حدودها والتعامل مع التهديدات العابرة لها. إن إحدى أهم المسائل التي يجب التوقف عندها هنا هي أن الأردن لا يواجه هذه الظاهرة باعتبارها إحراجًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها مسألة تمس جوهر الاستقرار الوطني. فتهريب السلاح والمخدرات من الجنوب السوري لم يكن، بالنسبة إلى الدولة الأردنية، مجرد ملف حدودي أو شأن تقني يخص الأجهزة المختصة فحسب، بل تحديًا مركبًا يمس السيادة، والأمن الاجتماعي، وبنية الردع الوطني نفسها. وهذا الفهم هو ما يفسر أن عمان لم تتعامل مع الخطر على قاعدة رد الفعل المؤقت، بل على قاعدة المعالجة الأمنية الحازمة، واليقظة المستمرة، ومنع تحول الحدود إلى نقطة ضعف بنيوية. وعليه، فإن أي محاولة لوضع الأردن داخل تعريف فضفاض للجبهة الشرقية تتجاهل عنصرًا حاسمًا: أن المملكة ليست موضوعًا سلبيًا في هذه المعادلة، بل فاعل أمني مباشر فيها. فالأردن لا يُعرَّف هنا من خلال ما قد تقوله عنه الدراسات الإسرائيلية، بل من خلال ما يفعله على الأرض. وبين التعريفين مسافة كبيرة. الأول يصدر عن عقل أمني خارجي يوسع دوائر الشك. والثاني يصدر عن دولة تدافع عن حدودها وتدرك أن أمنها الوطني لا يقبل التهاون ولا الغموض. وفي هذا السياق، لا بد أيضًا من التنبه إلى أن الخطر في الرواية الإسرائيلية لا يكمن فقط في ما تقوله عن الأردن، بل في ما قد تقوله عنه ضمنًا للآخرين. فحين تُبنى سردية تربط بين تهريب السلاح إلى الضفة وبين الجوار الشرقي، من دون تمييز صارم بين الدولة التي تحارب الظاهرة وبين المسارات التي تحاول الشبكات استغلالها، فإن ذلك يفتح الباب أمام صورة ذهنية غير دقيقة، وربما غير عادلة، عن موقع الأردن ووظيفته. وهذه الصورة، إذا تُركت من دون تفكيك، قد تجد طريقها إلى دوائر أوسع في التفكير الإقليمي والدولي، بما يجعل المهمة الأساسية ليست فقط رفض التوصيف، بل منع ترسخه أصلًا. في المحصلة، ليست القضية هنا مجرد خلاف على تعبير أو اعتراض على صياغة، بل خلاف على تموضع الأردن داخل السردية الأمنية للإقليم. إسرائيل، في هذه الدراسات، لا تتحدث فقط عن شحنات سلاح أو مسارات تهريب، بل تعيد رسم خرائط الخطر بما يناسب رؤيتها للحرب المقبلة. أما الأردن، فيجب أن يُقرأ من موقع مختلف تمامًا: ليس ممرًا، وليس هامشًا، وليس فراغًا أمنيًا، بل دولة تقف في خط المواجهة مع التهريب، وتتعامل معه كاعتداء على سيادتها وأمنها الوطني، لا كمسألة عارضة أو قابلة للتأجيل. لهذا، فإن القراءة الأكثر تماسكًا وعدالة ليست تلك التي تنقل الرواية الإسرائيلية كما هي، بل تلك التي تعرضها ثم تضعها في موضعها الصحيح. نعم، يمكن فهم لماذا توسع إسرائيل تعريف الخطر. لكن لا يجوز أن يُترجم هذا التوسع إلى تحميل الأردن ما ليس فيه، أو إلى التعامل مع الدولة التي تحرس حدودها بوصفها مجرد جغرافيا يُمرَّر عبرها التهديد. فالأردن، في جوهر هذه المسألة، ليس جزءًا من المشكلة التي تصفها إسرائيل، بل جزء من خط المواجهة معها. وهذه ليست خاتمة بلاغية، بل مفتاح الفهم كله: ما يتوسع فعلًا في هذه الدراسات ليس دور الأردن في الخطر، بل تعريف إسرائيل للخطر نفسه، ومحاولتها أن تجعل من هذا التعريف إطارًا حاكمًا لفهم المنطقة بأسرها. .

Go to News Site