صحيفة البلاد البحرينية
تواصل مبادرة “منبر القلم” حراكها الثقافي المتجدد، محتفظة بعهدها في أن تكون الجسر الحي بين ذاكرة الرواد وتطلعات الأجيال. وفيما تستعد المبادرة لفتح صفحات جديدة مع قامات فكرية أخرى في دوراتها القادمة، نصل اليوم إلى المحطة الختامية في رحلة الاحتفاء بسعادة الدكتور منصور محمد سرحان. لقد طفنا على مدار الأسابيع الماضية في عوالم السرحان البحثية، واليوم نضع بين أيديكم “مسك الختام” لهذا الشهرين الحافلين؛ وهو استعراض لأحد أثمن مؤلفاته وأكثرها التصاقاً بذاكرة المهنة: كتاب “. كتاب بمثابة وثيقة وطنية تؤرخ لولادة الكلمة الحرة، ونستكشف من خلاله تضحيات الرعيل الأول الذين غرسوا بذور الصحافة في تربة الوطن. مقتطفات من مقدمة الكتاب: “عرفت البحرين الصحافة في وقت مبكر من تاريخها الثقافي، وبالتحديد في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، حين كانت ترد إلى مكتبة الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة —التي أسسها بمجلسه في المحرق— مجلة “المقتطف” المصرية ومجلة “العروة الوثقى” التي كانت تصدر في باريس. وتتابع وصول الصحف العربية إلى مكتبته، ومنها: الأهرام، الهلال، والمنار من مصر، كما وصلت إلى مكتبته صحف الجاليات العربية في المهجر الأمريكي ومنها جريدتا “السائح” و”الهدى”. وشارك أبناء البحرين بالكتابة في الصحافة العربية من خلال مراسلاتهم لمجلتي “المقتطف” و”المنار” المصريتين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واتسمت تلك المراسلات بطرح أسئلة متنوعة تتعلق معظمها بالشؤون الدينية والحياة الاجتماعية. وبتأسيس الأندية الشبابية والمكتبات التجارية في عشرينيات القرن المنصرم، بدأت الصحافة العربية —وبخاصة تلك التي تصدر في مصر— ترد إلى تلك المكتبات. وقد سبق للمواطن البحريني أن تعرف على الصحافة الإنجليزية من خلال ما كانت توفره “المكتبة الإرسالية” التي تأسست عام 1894م. تعد تلك المعطيات أهم عناصر نشأة الصحافة في البحرين، التي توجت بإصدار أول جريدة في البلاد وهي جريدة “البحرين” لصاحبها عبد الله الزايد عام 1939م. ثم ازدهرت الصحافة في الخمسينيات بشكل لم يكن له نظير، حين كان التوجه القومي ومقارعة الاستعمار السمة الغالبة على تلك الصحافة. ويجد المتبحر في تاريخ الصحافة البحرينية حركة “المد والجزر” التي تعرضت لها الصحافة المحلية طوال عهد الحماية البريطانية؛ حيث توقف بعضها لأسباب فنية أو مادية، وأُجبر بعضها الآخر على التوقف من قبل السلطة الإنجليزية، إلا أن قافلة الصحافة المحلية استمرت في مسيرتها رغم المعوقات. لقد كان لرواد الصحافة في البحرين دورهم المميز وجهدهم الكبير، وبفضل صبرهم وتضحياتهم تمكنوا من تأسيس صحافة محلية تضرب بجذورها إلى العقد الثالث من القرن العشرين. ويأتي إصدار كتاب “مؤسسو ورواد الصحافة في البحرين” وفق بادرة “اتحاد الصحافة الخليجية” بتكريم هؤلاء الرواد، تقديراً لما بذلوه من جهود مضنية، وتوثيقاً لها للأجيال القادمة بكل أمانة وصدق. لقد نلتُ شرف التكليف من قبل “اتحاد الصحافة الخليجية” لتأليف هذا الكتاب الذي يوجز مسيرة الرواد. وقد اعتمدتُ منهجية خاصة لتحديد رواد الحركة الصحفية في عقود الثلاثينيات والخمسينيات والستينيات وبداية عهد الاستقلال في أوائل السبعينيات. وتمثلت الحصيلة في مجموعة من الصحفيين الرواد البارزين، وهم: عبد الله الزايد، محمود المردي، علي سيار، حسن جواد الجشي، عبد الله الوزان، إبراهيم حسن كمال، أحمد يتيم، إبراهيم علي إبراهيم، تقي البحارنة، أحمد سلمان كمال، عبد الرحمن عاشير، محمد قاسم الشيراوي، وعبد الله المدني.... وهؤلاء جميعاً التقوا في خندق واحد وهو “الحركة الوطنية” والمطالبة بالإصلاح، فوظفوا أقلامهم لخدمة وطنهم ومناصرة القضايا القومية، وبخاصة قضية فلسطين، فكانوا “المرآة” التي عكست وهج الحركة الوطنية. لقد اعتمدتُ في رصد هذه السير على مجموعة من مؤلفاتي ودراساتي السابقة التي وثقت الحركة الفكرية، ومن أهمها كتاب: “الصحافة في البحرين: رصد الصحف المتوقفة والجارية 1939-2005م”، وكتاب “رصد الحركة الفكرية في البحرين خلال القرن العشرين”. أرجو أن أكون قد وفقت في تقديم مادة توثيقية مرضية عن كل رائد، مع إيماني الجازم بأنني لم أوفهم حقهم كاملاً، ولكن عملاً بالمقولة: “ما لا يُدرك كله، لا يُترك جله” (أو شيء خير من لا شيء)
Go to News Site