Collector
قضايا قانونية | القوة القاهرة في قانون العمل البحريني.. حماية العامل وضمـان التــوازن فــي الأزمــات | Collector
قضايا قانونية | القوة القاهرة في قانون العمل البحريني.. حماية العامل وضمـان التــوازن فــي الأزمــات
صحيفة البلاد البحرينية

قضايا قانونية | القوة القاهرة في قانون العمل البحريني.. حماية العامل وضمـان التــوازن فــي الأزمــات

تستقبل “البلاد” مختلف الاستفسارات وطلبات الاستشارة القانونية. وجرى التعاون مع نخبة من المحامين المرموقين الذين تفضلوا بالموافقة على الإجابة عن استفسارات القراء، التي وصلت لبريد معد الزاوية (shaima.hussain@albiladpress.com) أو عبر حسابات “البلاد” بمنصات التواصل الاجتماعي. وللسائل ذكر اسمه إن رغب.  ومعنا في زاوية اليوم المحامي والمحكم يوسف مهدي حسن.     القوة القاهرة حادث استثنائي عام لا يمكن توقعه عند التعاقد ويترتب عليه استحالة تنفيذ الالتزام إذا تعذر العمل بسبب صاحب العمل يستحق العامل أجره كاملاً، أما إذا تعذر لأسباب قهرية فالأجر يُدفع بنسبة نصف العمل عن بُعد يُطبق عليه نفس منطق القوة القاهرة، بشرط قدرة العامل على مباشرة مهامه عبر الوسائل التقنية المتاحة تخفيض الأجر أو تعديل طريقة العمل في الظروف القاهرة يهدف لإعادة التوازن وليس لتحميل العامل وحده عبء الأزمة التفاوض الجماعي هو الحل الأمثل لإيجاد توافق بين مصالح صاحب العمل والعامل أثناء الأزمات القانون البحريني يمنح الشركات والعاملين أدوات لحماية الوظائف واستمرارية النشاط الاقتصادي في أصعب الظروف   ما مدى أحقية الشركات، وفقًا لقانون العمل البحريني ونظرية الظروف القاهرة، في اختصام جزء من راتب العامل أثناء الحروب أو الكوارث؟ وهل يرتبط استحقاق العامل لراتبه كاملًا أو جزئيًا بانتظامه في أداء العمل، سواء بالحضور الفعلي إلى مقر العمل أو من خلال العمل عن بُعد؟ في ظل ما يشهده العالم الآن من أزمات وحروب وكوارث طبيعية، يثار هذا التساؤل في مثل هذه الظروف الاستثنائية، لاسيما الحروب،حيث تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استمرارية الالتزامات التعاقدية، في تلك الظروف الاستثنائية خصوصا في عقود العمل التي تمس مباشرة معيشة الأفراد واستقرارهم الاجتماعي. في مملكة البحرين، ومع تصاعد التوترات الإقليمية وظهور حالات واقعية لإعلان “القوة القاهرة” من قبل شركات كبرى، فمن الضرورة الوقوف على الإطار القانوني الذي يحكم علاقة العمل في مثل هذه الظروف، وتحديد ما إذا كان لصاحب العمل الحق في تخفيض أجور العمال أثناء الحرب، وما الضوابط والمعايير التي تحكم ذلك. في الإطار التشريعي لمفهوم القوة القاهرة لم يضع المشرع البحريني تعريفًا حصريًا للقوة القاهرة في القانون المدني، بل ترك الأمر للفقه والاجتهاد القضائي، مع الإشارة إليها ضمن ما يُعرف بـ “السبب الأجنبي” الذي يشمل القوة القاهرة، الحادث الفجائي، وخطأ المضرور أو الغير. وقد نصت المادة (364) من القانون المدني البحريني على أنه “ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلاً عليه لسبب أجنبي لا يد له فيه”. ويجمع الفقه البحريني والأحكام القضائية السابقة على أن القوة القاهرة هي حادث استثنائي عام، لا يمكن توقعه عند التعاقد، ولا يمكن دفعه أو تلافي آثاره، ويترتب عليه استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة، بحيث يصبح التنفيذ غير ممكن بسبب ظرف خارج عن إرادة المدين. وتُعد الحروب من أبرز الأمثلة التي يسوقها الفقهاء والمحاكم على القوة القاهرة، إلى جانب الكوارث الطبيعية والاضطرابات العامة التي تؤدي إلى توقف الأنشطة أو انقطاع الإمدادات أو إغلاق الطرق والمنافذ. وقد أكدت المحاكم البحرينية ذلك في العديد من أحكامها المدنية والتجارية. وتوافر شروط القوة القاهرة يخضع لتقدير المحكمة وفق ظروف كل حالة. ومن الناحية العملية، فإن شركات بحرينية كبرى أعلنت حالة القوة القاهرة نتيجة الأحداث الإقليمية، ما أدى إلى تعطيل العمليات وتقييد الأنشطة التشغيلية، وهو ما يعكس الاعتراف الرسمي بأن الحرب تُعد ظرفًا قاهرًا في السياق البحريني. ولقد كان قانون العمل الأهلي البحريني صريحاً في صون وحماية العامل وعدم المساس بأجره، حيث إنه قد أكد مبدأ استقرار الأجر وحمايته ونظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، ويؤكد أن الأجر حق أساسي للعامل، لا يجوز المساس به إلا في حالات محددة. حيث نصت المادة (4) من القانون على بطلان أي شرط أو اتفاق ينتقص من حقوق العامل المقررة في القانون، ولو كان سابقًا على تاريخ العمل به. وفي ذات الوقت وحرصاً على المصلحة العامة والاستقرار الاقتصادي تبنى المشرع نظرية القوة القاهرة لإعادة التوازن المالي للعقود مع الظروف القاهرة، فنصت المادة (22) على صاحب العمل الخروج على الشروط المتفق عليها في عقد العمل الفردي أو الجماعي، أو تكليف العامل بعمل غير متفق عليه، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك منعًا لوقوع حادث، أو إصلاح ما نشأ عنه، أو في حالة القوة القاهرة، على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة.   ففي القانون نفسه فقد نظم الأجر في حالات تعذر العمل في المادة (43) من قانون العمل تُعالج حالة حضور العامل واستعداده للعمل، فإذا حالت أسباب ترجع إلى صاحب العمل دون أداء العمل، استحق العامل أجره كاملاً. أما إذا حالت أسباب قهرية خارجة عن إرادة صاحب العمل دون أداء العمل، استحق العامل نصف أجره. ويعد ذلك تطبيقا وإفراغاً لنظرية القوة القاهرة بموجب هذه النصوص، وذلك حرصاً من المشرع البحريني على الحفاظ على علاقة العمل واستمرارها في أحلك الظروف، وتأكد ذلك أيضاً بموجب المادة (150)، فقد تعلقت بشأن عقود العمل الجماعية، حيث نصت على أنه إذا أصبح تنفيذ أحد الطرفين لعقد العمل الجماعي مرهقًا بسبب ظروف استثنائية غير متوقعة، وجب على الطرفين سلوك طريق المفاوضة الجماعية لمناقشة هذه الظروف والوصول إلى اتفاق يحقق التوازن بين مصلحتيهما، وفي حال عدم الاتفاق يُحال النزاع إلى مجلس تسوية المنازعات الجماعية أو هيئة التحكيم. وعليه فإن التحليل القانوني لمدى جواز تخفيض الرواتب أثناء الحروب: ففي السياق العملي، إذا أدت الحرب إلى استحالة مطلقة لتنفيذ الالتزام (مثلاً: دمار المنشأة بالكامل أو دمار الجزء الذي يشغله العامل او النظام الذي يعمل عليه العامل)، يجوز لصاحب العمل إما إنهاء العقد وفق الإجراءات القانونية، مع التزامه بدفع التعويضات المستحقة للعامل وذلك وفقا للمادة (110) من قانون العمل. أو تخفيض الأجر من طرف واحد إذا كان الضرر مؤقت وجزئيًا فحينها القانون أجاز ذلك لصحاب العمل وذلك وفقاً لما نظمته المادة (43) من قانون العمل. وتُعد المادة (43) من قانون العمل البحريني تجسيداً للنص الأكثر صلة بحالة تعذر العمل بسبب القوة القاهرة. ويلزم التمييز بين حالتين: - إذا كان تعذر العمل بسبب صاحب العمل: يستحق العامل أجره كاملاً. - إذا كان التعذر بسبب أسباب قهرية خارجة عن إرادة صاحب العمل: يستحق العامل نصف أجره. فتبقى لنا أن نلقي الضوء على العمل عن بُعد، حيث إن حالات حضور العامل للعمل واستعداده لمباشرة مهامه تثير تساؤلًا مهمًا: هل يجوز تخفيض أجر العامل في حالات العمل عن بُعد؟ الحقيقة أن الإجابة ترتبط بمدى قدرة العامل على أداء عمله في ظل الظروف القاهرة. فالمادة (22) من قانون العمل البحريني تجيز لصاحب العمل، في حالة الضرورة أو القوة القاهرة، أن يُغيّر طريقة أداء العمل أو يكلف العامل بمهام مختلفة، بشرط أن يكون ذلك مؤقتًا ودون المساس بحقوقه الجوهرية. وهذا يفتح المجال أمام اعتماد العمل عن بُعد كبديل مشروع للحضور الفعلي، طالما أن العامل قادر على مباشرة عمله عبر الوسائل التقنية المتاحة. أما إذا حالت الظروف القاهرة – مثل تعطل الأنظمة اللاسلكية أو انقطاع شبكات الإنترنت – دون تمكن العامل من أداء عمله عن بُعد، فإننا نعود إلى حكم المادة (43)، التي تنص على أن العامل يستحق نصف أجره إذا كان التعطل ناتجًا عن أسباب قهرية خارجة عن إرادة صاحب العمل. وبذلك، فإن النصوص القانونية تُطبق على علاقة العمل عن بُعد بنفس المنطق الذي تُطبق به على العمل الحضوري، مع مراعاة أن الغاية هي قدرة العامل على مباشرة عمله من عدمها. وبالتالي، إذا أدت الحرب إلى توقف العمل بشكل كلي أو جزئي بسبب ظروف قاهرة لا يد لصاحب العمل فيها، يحق له قانونًا دفع نصف الأجر فقط عن فترة التعطل، بشرط إثبات أن التعطل ناتج عن قوة قاهرة حقيقية، وليس مجرد ظرف اقتصادي صعب أو تراجع في الإيرادات.  وهنا يبرز دور صاحب العمل بالرجوع الى المادة 22 من قانون العمل في أن إذا كان العامل قادر على أداء عمل آخر غير المتفق عليه فإنه يجب على العامل التعاون وتفهم هذه الظروف الاستثنائية التي أدت إلى اتخاذ صاحب العمل هذا القرار. وإلا صاحب العمل سيلجأ لتطبيق القانون أو انهاء خدمات العامل حسب المادة 110 من قانون العمل، مع الالتزام بالإجراءات القانونية المتبعة. وفي حالة العقود الجماعية، يجب اللجوء إلى المفاوضة الجماعية، ولا يجوز لصاحب العمل اتخاذ قرارات أحادية الجانب تتعلق بالأجور أثناء التفاوض. أما في حالات إنهاء العقد كليًا أو جزئيًا بسبب الحرب والذي نظمته المادة 110 من قانون العمل في القطاع الأهلي التي أجازت لصاحب العمل إنهاء عقد العمل بسبب إغلاق المنشأة كليًا أو جزئيًا أو تقليص حجم النشاط، بشرط إخطار الوزارة مسبقًا ودفع التعويضات المستحقة للعامل بعد اتباع الإجراءات القانونية بذلك، حتى في حالات القوة القاهرة. وفي القضايا التجارية والمدنية، قد استندت محكمة التمييز إلى أن القوة القاهرة تعفي المدين من المسؤولية عن عدم التنفيذ، بشرط إثبات الاستحالة المطلقة، وأن مجرد وقوع أزمة أو ظرف اقتصادي صعب لا يعد بذاته قوة قاهرة، ما لم يصل الأمر إلى حد استحالة التنفيذ استحالة حقيقية. والحرب ليست الحالة الوحيدة لتطبيقات القوة القاهرة، فبالأمس القريب كانت جائحة كورونا والتي اعتبرتها السلطات البحرينية وكل دول العالم ظرفًا استثنائيًا عامًا.  وهنا يثار التساؤل بشأن إمكان الطعن على قرارات صاحب العمل في هذا التخفيض؟ نعم يحق للعامل المتضرر من تخفيض الأجر أو إنهاء العقد اللجوء للقضاء عن طريق المحكمة العمالية المختصة. ولكن حسب السوابق القضائية إذا كان الانهاء أو الإنقاص بحسب القوانين المشار إليها وبنفس الشروط واتباع الإجراءات فإن مصير هذه الدعاوى الرفض.  ولكن هنا يبرز دور وزارة العمل والهيئات الإدارية في حالات الطوارئ فإنهم يلعبون دورًا مهما ومحوريًا في حماية حقوق العمال أثناء الأزمات من استقبال الشكاوى العمالية والتحقيق فيها، ومراقبة التزام أصحاب العمل بدفع الأجور وعدم اتخاذ إجراءات تعسفية، كذلك إصدار قرارات تنظيمية بشأن الدعم المالي للقطاعات المتضررة، والإشراف على المفاوضات الجماعية وتسوية المنازعات. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني) وكذلك هيئة تنظيم سوق العمل التي تتابع التزام أصحاب العمل بنظام حماية الأجور، وتوفر قنوات لتقديم الشكاوى والاستفسارات، وتفرض عقوبات على المخالفين. وهنا يبرز أيضًا دور النقابات والاتفاقيات الجماعية، حيث تلعب النقابات العمالية دورًا مهمًا في حماية حقوق العمال أثناء الأزمات، من خلال التفاوض الجماعي مع أصحاب العمل، والمشاركة في صياغة الاتفاقيات الجماعية التي تنظم شروط العمل والأجور في حالات القوة القاهرة، بهدف إعادة التوازن وتحقيق العدالة بين الطرفين. كما أن هناك سوابق في بعض دول الخليج ففي التجربة الكويتية والسعودية تشير الدراسات القانونية في الكويت إلى أن الحرب تُعد قوة قاهرة إذا أدت إلى استحالة التنفيذ، ويجوز في هذه الحالة فسخ العقد أو تعديله لرفع الإرهاق، مع ضرورة اللجوء إلى القضاء لتقدير مدى تحقق القوة القاهرة أو الظروف الطارئة. وفي السعودية، تعاملت المحاكم مع جائحة كورونا باعتبارها ظرفًا طارئًا، وأقرت بحق العامل في الأجر الكامل أو نصف الأجر حسب ظروف كل حالة، مع تأكيد ضرورة التفاوض الجماعي وعدم اتخاذ قرارات أحادية الجانب. البدائل القانونية لصاحب العمل بدلاً من تخفيض الأجور فالتفاوض والتفاهم بين العامل وصاحب العمل الخيار الأمثل لإعادة التوازن للعقد في حالات الأزمات، ويمكن الاتفاق على تخفيض مؤقت للأجور أو تقليص ساعات العمل أو منح إجازات مدفوعة أو غير مدفوعة، أو تطبيق نظام العمل عن بعد إذا كان ذلك ممكنًا بشرط موافقة الطرفين. فالخلاصة هنا أن خيار الاستمرارية للشركة في مثل هذه الظروف يعتمد على تعاون العامل مع صاحب العمل والعكس صحيح فهما وجهين لعملة واحدة، والتوازن بينهم هو في حقيقته مصلحة للعامل قبل الشركة وصاحب العمل لان إذا أفلست الشركة، فإن العامل هو الأكثر تضرراً، وإذا استمرت فإن ذلك بمثابة خلق لفرص جديدة في وقت حرج جداً ومُقلق وغير مستقر اقتصاديا وأمنياً، واذا تجاوز صاحب العمل الخسارة فهناك تتولد الفرص اقتصاديا ومدنيا على مستوى توفير الوظائف، فالخسارة المؤقتة أفضل من أن تكون خسارة مطلقة ودائمة، فالحلول المؤقتة والقرارات التدريجية هو ما يسعى إليه القانون في مثل هذه الظروف من تعديل الالتزام وإعادة التوازن في الأزمات.  فالقانون البحريني حين يجيز تخفيض الأجر أو تعديله في حالات استثنائية، لا يهدف إلى تحميل العامل وحده عبء الأزمة، ولا إلى إعفاء صاحب العمل من مسؤولياته، بل يسعى إلى إعادة التوازن وفي التوزان سبيل النجاة حتى لا تنهار العلاقة التعاقدية. وهنا يصبح التخفيض المؤقت أو الحلول التدريجية وسيلة لإنقاذ الكيان الاقتصادي والعامل، وبالتالي حماية الوظائف على المدى الطويل. إن القانون ليس أداة عقابية، بل وسيلة لإدارة الأزمات بحلول عادلة تحفظ مصالح الطرفين وتضمن استمرار النشاط الاقتصادي. ولا يفوتنا أن نُشيد بالدور الكبير لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، والحكومة الموقرة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الموقر، حفظه الله، في اتخاذ قرارات حكيمة خلال الأزمات الاستثنائية. هذه القرارات لم تقتصر على حماية حقوق العمال فحسب، بل امتدت لتشمل تحقيق الأمن الاقتصادي وضمان استمرارية النشاط التجاري والصناعي، بما يحفظ التوازن بين مصلحة العامل وصاحب العمل. إن السياسات التي أتُخذت في مواجهة الأزمات، مثل جائحة كورونا، جسدت رؤية استراتيجية تقوم على دعم الأجور، منع التسريح التعسفي، وتوفير حلول عملية تحفظ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فنتمنى أن تُتخذ مثل هذه الإجراءات في هذه الأزمة الراهنة، لتعكس ذات النهج الحكيم في تحقيق العدالة والتوازن، بما يضمن استمرار الشركات وحماية حقوق العمال، وتحويل الخسارة المؤقتة إلى فرصة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي.

Go to News Site