صحيفة البلاد البحرينية
النمو الاقتصادي لا يتعارض مع البيئة.. والمسؤولية التاريخية التراكمية للانبعاثات تقع على الغرب التكنولوجيا الخضراء باتت موردًا اقتصاديًّا ومحركًا للنمو وليست مجرد عبء مالي سلاح الرقابة والتشريعات ضرورة حتمية إذا غاب “الواعز المجتمعي” للالتزام البيئي دول الخليج تتصدر الأطلس الدولي لإنتاج الطاقة الشمسية بأقل تكلفة عالميًّا في مرحلة حاسمة من تاريخ الاقتصاد العالمي، لم يعد مفهوم “الاستدامة” مجرد مصطلح رنان يُتداول في أروقة المؤتمرات البيئية، بل أصبح المحرك الأساسي لرسم السياسات الاقتصادية والمالية للدول والمؤسسات الكبرى. وفي هذا السياق، يضع الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بتمويل خطة التنمية المستدامة لعام 2030، النقاط على الحروف في لقاء مع “البلاد” ، مؤكداً أن الاستدامة يجب أن تُدمج في صلب السياسات العامة وفق “منهج متكامل” . هذا المنهج يتجاوز النظرة الضيقة التي تحصر الاستدامة في التغير المناخي فقط، ليربطها بكافة أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، بما في ذلك قطاعات حيوية كالصحة والتعليم ومكافحة الفقر، حيث يؤدي إهمال البعد البيئي إلى تآكل المكاسب التنموية في تلك القطاعات. ويشرح الخبير الأممي الجدوى الاقتصادية للتحول الأخضر، معترفًا بأن الالتزام بالمعايير البيئية يحمل تكلفة رأسمالية، إلا أنه يحذر بشدة من “تكلفة التقاعس” التي ستكون أشد فداحة على الاقتصادات وحياة البشر. وفي مفارقة لافتة، يدحض الدكتور محيي الدين فكرة التعارض بين النمو الاقتصادي والاستدامة، مشيرًا إلى أن دول “الجنوب العالمي” باتت اليوم أكثر حماسًا لقيادة هذا التحول. فالتكنولوجيا الخضراء لم تعد عائقًا، بل أصبحت موردًا اقتصاديًّا تعتمد عليه دول سريعة النمو لتأسيس بنيتها التحتية، مع التأكيد المستمر على أن المسؤولية التاريخية التراكمية للانبعاثات منذ الثورة الصناعية تقع على عاتق الدول الغربية، وهو حق يجب أن تتمسك به الدول النامية في مفاوضات التمويل المناخي. وعلى الصعيد الإقليمي، يضع المبعوث الأممي المنطقة العربية ودول الخليج في صدارة مشهد التحول في الطاقة، مسلطًا الضوء على الاستثمارات الخليجية الضخمة التي مكنتها من تصدر الأطلس الدولي لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وبأقل تكلفة على مستوى العالم. هذا الإنجاز يعكس تبنيًا ذكيًّا لتكنولوجيا نزع الكربون والشراكات الاستراتيجية مع كبار الموردين العالميين، مما يمهد الطريق لتسارع ملحوظ في إسهام الطاقة المتجددة في الاقتصادات الخليجية بحلول عام 2030، لتشكل بذلك العمود الفقري لتحقيق مستهدفات الحياد الكربوني. وفيما يخص أداء الشركات والقطاع الخاص، يشدد المبعوث على أهمية تضافر الجهود الطوعية والضغط المجتمعي مع سلاح الرقابة والتشريع لضمان الالتزام. ويُشيد بالخطوات المتقدمة كإلزام بورصة البحرين للشركات المدرجة بإصدار تقارير الاستدامة، لكنه يطلق تحذيرًا صارمًا ضد ممارسات “الغسل الأخضر”، مؤكدًا أن الاستدامة عمل هيكلي في دورة الإنتاج وليست مجرد شراء لشهادات كربونية رخيصة لتلميع الصورة أو “التكفير عن الذنوب البيئية”. أخيرًا، يبرز محيي الدين الدور المزدوج والمحوري للقطاع المصرفي في هذه المرحلة الانتقالية. فالبنوك لم تعد مجرد ممول عبر السندات والصكوك الخضراء، بل أصبحت حارساً للأسواق من خلال مسؤوليتها في تسعير “المخاطر المادية” والمخاطر التنظيمية الناجمة عن التغير المناخي والتشريعات الدولية الجديدة، مثل “آلية تعديل ضريبة الكربون عبر الحدود” الأوروبية. هذه التحولات تفرض واقعًا جديدًا يسرّع من وتيرة التعاون الخليجي الأوروبي لتأسيس منصات وأسواق كربونية ناضجة، تحول التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية مستدامة. فإلى نص اللقاء: بدايةً، ما هي الأهمية الحقيقية للاستدامة في الاقتصادات المعاصرة؟ وكيف يمكن تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تحصرها في زاوية ضيقة؟. موضوع الاستدامة يُستخدم أحيانًا من قبل البعض بشكل محدود ومختزل للغاية، حيث يقصرونه حصرًا على التغيرات المناخية. فعندما ينظرون إلى البيئة، يتبادر إلى ذهنهم فورًا التغير المناخي فحسب. ورغم أننا يجب أن نؤكد دائمًا أن قضية التغير المناخي في غاية الخطورة ولها تأثيرات مباشرة وقاسية على ما نشهده اليوم من تطرف حاد في أحوال الطقس، إلا أنه يتوجب علينا تذكير الجميع، وتذكير أنفسنا، بأن المناخ، والذي خُصص له اتفاق دولي منفصل وهو “اتفاق باريس”، هو في النهاية مجرد هدف واحد من أصل 17 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. هذه الأهداف تشمل قضايا مصيرية مثل مكافحة الفقر، تحقيق العدالة في توزيع الدخل والثروة، إتاحة فرص العمل اللائقة، والاستثمار في قطاعات حيوية كالتعليم والرعاية الصحية. الاستدامة هنا يجب أن تكون عنصرًا مشتركًا وحاكمًا في كل هذه القطاعات. على سبيل المثال، إذا أدعى صانع قرار أنه مهتم بتطوير التعليم والرعاية الصحية ولكنه لم يحقق معايير الاستدامة الكافية، فإنه سيواجه أثرًا عكسيًّا، فترك الأمور لتسجل انبعاثات كربونية أعلى من المعدلات المسموح بها سيؤدي حتمًا إلى تدهور الصحة العامة للمجتمع. أضف إلى ذلك الأثر التبادلي بين القطاعات. قد يتفاجأ البعض بأن قطاع الرعاية الصحية نفسه يُعد في بعض البلدان من أهم مصادر التأثير السلبي على البيئة وتغير المناخ، وذلك نتيجة لضعف آليات إعادة تدوير المخلفات الطبية، والاعتماد على مدخلات ذات كثافة كربونية عالية. من هنا تأتي أهمية ما نطلق عليه “المنهج المتكامل”. هذا المنهج يضمن عدم قصر الاستدامة على قضية بعينها، بل دمجها في صلب السياسات العامة. فلا يمكن، بل ولا يعقل، أن يتم توجيه التمويل لمكافحة التغير المناخي على حساب باقي أهداف التنمية المستدامة. تواجه الشركات والمصانع تحديًا رئيسًا يتمثل في الجدوى الاقتصادية. الكثير يتساءل: ما هي الفائدة الاقتصادية من الاستثمار في الاستدامة طالما أنها تشكل تكلفة إضافية على ميزانية الشركة؟ دعنا نكون شفافين، هي بالفعل تحمل تكلفة. ومن يروج بأن التحول نحو الاستدامة هو أمر “عديم التكلفة” فهو يجانب الصواب. إذا طُلب منك اليوم تركيب فلاتر متطورة لتنقية الهواء، أو الالتزام بضوابط بيئية تستلزم التخلص من آلات قديمة واستبدالها بأخرى حديثة، أو إذا كنت تدير مصنعًا سُقفه مبني من مواد ضارة بالبيئة والإنسان مثل “الأسبستوس” وطُلب منك تغييره، فكل هذا يتطلب إنفاقًا رأسماليًّا وتكلفة مالية مباشرة. ولكن، في المقابل، يجب أن نحسب العائد من هذه التكلفة في ضوء الخسائر المترتبة على عدم القيام بها، وهو ما يُعرف بـ “تكلفة التقاعس”. إذا لم تقم بتلك الاستثمارات البيئية، فإن التكلفة ستظهر لاحقًا على شكل فواتير صحية باهظة لعلاج الأمراض الناتجة عن التلوث، ناهيك عن التكلفة الأغلى والتي لا تُعوض أبدًا وهي حياة البشر أنفسهم. علاوة على ذلك، هناك بُعد اقتصادي وتجاري بحت، فاشتراطات الاستهلاك والإنتاج البيئية، سواء في الأسواق المحلية أو في أسواق التصدير الخارجية، أصبحت صارمة وحتمية. يمكنك كصاحب مصنع أن تتجاهل هذه المعايير وتنتج بالطرق التقليدية، لكنك ستصطدم بواقع مرير حيث ستقوم الأسواق والمنافسة باستبعادك وتهميش منتجاتك تمامًا لأنها لا تتوافق مع الاشتراطات الخضراء الجديدة. هل الاهتمام بالاستدامة والالتزام باشتراطاتها البيئية لا يزال حكرًا على الأسواق المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة، أم أن النظرة تتسع لتشمل مناطق أخرى؟ على العكس تمامًا. من خلال متابعتي الميدانية، يمكنني القول بصراحة إن أكثر الدول حماسًا واندفاعًا اليوم لتبني موضوعات الاستدامة هي دول “الجنوب العالمي”. لقد رأيت ذلك بوضوح خلال زيارة حديثة للصين قبل بضعة أشهر، وكذلك في زياراتي لدول مجموعة “الآسيان” في جنوب شرق آسيا، وفي مختلف دول القارة الأفريقية. السر وراء هذا الحماس هو أن هذه الدول تبني اقتصاداتها وبنيتها التحتية من جديد، وهي ترغب في البناء استنادًا إلى أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا، لذلك فإن “التحول الرقمي” و”التحول الأخضر” يأتيان دائمًا في صدارة اعتباراتها التنموية. لقد ولّى الزمن الذي كانت تسود فيه العقلية التنموية القديمة القائلة: “أنتج اليوم ولوث البيئة، ثم نظفها غدًا”. هذه العقلية تسببت في خسائر فادحة. اليوم، دمج الاستدامة كآلية أساسية من آليات الاستثمار والنمو من خلال “المنهج المتكامل” أثبت أنه الخيار الأفضل والأقل تكلفة على المدى الطويل. تبرز وجهة نظر في الأوساط النامية ترى أن فرض معايير الاستدامة الصارمة اليوم هو بمثابة إجبار للدول النامية على دفع فاتورة النمو الاقتصادي التاريخي الذي حققته دول الغرب عبر عقود من التلويث.. كيف تردون على ذلك؟ إذا لم يدرك المفاوضون الممثلون للبلدان النامية ودول الجنوب أبعاد هذه المسألة المعقدة بالكامل، فإن مسار المفاوضات سينتهي بالفعل إلى السيناريو السلبي الذي تحذرون منه. الأمر يتطلب وعيًا تاريخيًّا دقيقًا في ملف التغير المناخي. نحن نعلم أنه منذ انطلاق الثورة الصناعية، كانت هناك دول محددة مسؤولة عن تراكم الانبعاثات في الغلاف الجوي، تركزت في غرب أوروبا أولاً ثم في الولايات المتحدة الأميركية، وانضمت إليها لاحقًا بعض الدول سريعة التصنيع مثل الصين والهند حيث ارتفعت معدلات انبعاثاتها بشكل كبير في العقود الأخيرة. لذا، عند تقييم المسؤولية، لا يمكن الاكتفاء بمؤشرات سطحية. يجب أخذ ثلاثة مؤشرات متداخلة بعين الاعتبار: الأول، حصة كل دولة من الانبعاثات الكلية الحالية. الثاني، متوسط نصيب الفرد من الانبعاثات في تلك الدولة. أما المؤشر الثالث والأخطر - والذي يجب على المنطقة العربية والدول النامية التمسك به في المفاوضات - فهو “الانبعاثات التراكمية التاريخية” منذ عام 1820 وحتى اليوم. من هنا تتحدد المسؤولية التاريخية الحقيقية التي لا ينبغي غض الطرف عنها تحت أي ظرف. بناءً على هذا التباين التاريخي، هل يعني ذلك أن الدول النامية معفاة من الالتزامات المناخية الحالية؟ لا، لسنا معفيين. حقيقة أن الدول الغربية تتحمل الذنب والمسؤولية التاريخية الأكبر ومطالبتها بتعويض ذلك لا يعني إعفاء بقية الدول من الانخراط في الحل، ولكن هذا التفاوت يجب أن يُترجم بقوة كأداة ضغط ومساومة في أروقة التفاوض الدولي لضمان الحصول على التمويل ونقل التكنولوجيا كحق أصيل وليس كمنحة. من الناحية العملية، هل هناك تعارض حقيقي وتناقض بين تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وبين الالتزام بالاستدامة؟ إطلاقاً، لا يوجد أي تعارض. خير دليل على ذلك هو الدول التي تحقق معدلات نمو عالية اليوم كالصين، والتي أصبحت في الوقت ذاته من كبار المستثمرين العالميين في مجالات الاستدامة. لنعُد بالذاكرة إلى الفترة التي استضافت فيها الصين دورة الألعاب الأولمبية. واجهت بكين حينها معضلة كبرى: كيف تستضيف حدثًا عالميًّا يجمع آلاف الرياضيين في بيئة ملوثة ومحاطة بمداخن المصانع؟ اضطرت السلطات حينها لاتخاذ إجراءات صارمة شملت وقف استخدام المداخن وإغلاق مصانع بأكملها خلال فترة الأولمبياد. أما اليوم، فقد تغير المشهد جذريًّا بفضل التطور التكنولوجي. روى لي أحد المطورين الصناعيين مؤخرًا – وبطبيعة الحال فيها شيء من المبالغة لتوضيح الفكرة – أنه بصدد إنشاء مصنع حديث يتمتع بدرجة عالية جدًّا من التحكم البيئي والسيطرة المطلقة على الانبعاثات الضارة، لدرجة أنه يمكن إقامة “مستشفى للأطفال” ملاصق لجدار المصنع دون أي خطر عليهم. ورغم أن أحدًا لن يفعل ذلك عمليًّا، إلا أن الرسالة واضحة: التكنولوجيا الخضراء المتقدمة سمحت بفك الارتباط بين التصنيع والتلوث. وبالتالي، فإن النمو لم يعد يتعارض مع الاستدامة، بل أصبحت التكنولوجيا الخضراء ذاتها موردًا اقتصاديًّا ومحركًا للنمو. إذا ما ركزنا على الدول العربية والخليجية، كيف يمكن للشركات في هذه المنطقة تبني مفهوم الاستدامة بشكل فعّال؟ وما هي القطاعات الواعدة، خصوصًا مع بروز نماذج ناجحة في قطاع الطاقة الشمسية؟ تشير الفحوصات والتقارير الميدانية إلى أن المنطقة العربية، ومنطقة الخليج على وجه الخصوص، تتصدر اليوم الأطلس الدولي لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية. ليس هذا فحسب، بل قطعت بعض دول المنطقة أشواطًا مهمة في مشاريع طاقة الرياح، واستثمرت رؤوس أموال ضخمة في تكنولوجيا “نزع الكربون” واحتجازه. وقد شهدنا دخول هذه الدول في شراكات استراتيجية ضخمة مع القطاع الخاص لإحداث نقلات نوعية وحقيقية في مجالات التحول الرقمي والتحول الأخضر. وقد أسفرت هذه الشراكات عن تسجيل براءات اختراع لبعض دول المنطقة في هذه التقنيات. من الأرقام اللافتة التي وثقتها وكالة الطاقة الدولية، أن دول مجلس التعاون الخليجي تمكنت من الوصول إلى “أقل تكلفة إنتاج على الإطلاق” للكهرباء من الطاقة الشمسية على مستوى العالم. هذا الإنجاز لم يتحقق فقط بفضل الطبيعة الجغرافية المشمسة، بل نتيجة التوظيف الذكي للتكنولوجيا الجديدة بالتعاون مع كبار الموردين العالميين كالصين، وإجراء عمليات بحث وتطوير مكنت من المواءمة بين الاعتبارات البيئية والكفاءة الاقتصادية للوصول إلى هذه التكلفة التنافسية. فيما يخص الجداول الزمنية للوصول إلى الحياد الكربوني، نرى تباينًا في التواريخ المعلنة كـ 2040 أو 2050 أو 2060.. متى تتوقعون وصول العالم العربي إلى هذه الأهداف خصوصًا في قطاع الطاقة؟ لقد وضعت الدول مستهدفات متباينة للوصول إلى الحياد الكربوني الصفري بناءً على ظروفها الاقتصادية والصناعية، تتراوح بالفعل بين عامي 2040 و2060. ولكن الأمر المدهش والإيجابي الذي رصدناه خلال العامين الماضيين هو القفزات النوعية الهائلة في إدخال تكنولوجيا الطاقة المتجددة ضمن مزيج الطاقة في دول كانت تعتمد لعقود طويلة بشكل شبه كلي على النفط، سواء في استهلاكها المحلي أو كسلعة تصدير رئيسة. هناك تسارع ملحوظ فاق التوقعات، وبحلول عام 2030 سنشهد قفزات كبرى في نسبة إسهام الطاقة الجديدة والمتجددة في الاقتصادات الخليجية. هل سيكون التحول في قطاع الطاقة هو العمود الفقري لتحقيق الحياد الكربوني في دول الخليج؟ بالتأكيد، قطاع الطاقة يمثل المصدر الأول والمحرك الأساس. ويأتي في المرتبة الثانية مباشرة مجالات النقل والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات حيوية جدًّا في الاقتصادات الخليجية. وتجدر الإشارة إلى أن دولاً أخرى، كالدول الزراعية، تواجه تحديات من نوع آخر تتطلب مراجعة جذرية لقطاع الزراعة ليس فقط لتقليل الانبعاثات الكربونية، بل للحد من انبعاثات غاز “الميثان” شديد الخطورة. عموماً، التحول الطاقي سيكون له الأثر الحاسم والأكبر على قدرة دول الخليج على تحقيق مستهدفات الحياد الصفري مستقبلًا. في حال عدم توفر الرغبة الطوعية لدى بعض الشركات، هل بات من الضروري تدخل المشرع لفرض الاستدامة بقوة القانون؟ إدارة هذا الملف تتطلب التحرك المتزامن على ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو التوجه الطوعي النابع من قناعة المؤسسات بأهمية الاستدامة، وهذا هو السيناريو الأفضل. المستوى الثاني يتمثل في قوة “الضغط المجتمعي” والثقافة المجتمعية، فالمجتمع الواعي يلفظ الممارسات المضرة. أما إذا غاب الواعز الضميري الطوعي والضغط المجتمعي، فليس أمام الدول سوى اللجوء إلى المستوى الثالث، وهو سلاح الرقابة والتشريع. وهذا يتضمن مسارين، مسار “التحفيز الإيجابي” عبر تقديم تسهيلات وإعفاءات للشركات الملتزمة، ومسار “الردع” عبر فرض غرامات وعقوبات صارمة على المخالفين. في المجتمعات المتقدمة بيئيًّا، إذا قمت بسلوك مضر كالقيادة بمركبة تصدر انبعاثات كثيفة، فإن المجتمع نفسه هو من سيحاسبك قبل القانون، وهذا ما نسعى للوصول إليه. في البحرين، على سبيل المثال، ألزمت البورصة الشركات المدرجة بإصدار تقارير سنوية حول الاستدامة كأداة لتوعية المستثمرين، كيف تقيمون مثل هذه الخطوات؟ هي خطوة بالغة الأهمية. وأنا على دراية بأن هناك شركات ومؤسسات مالية في البحرين تصدر تقارير استدامة متميزة وتتمتع بشفافية عالية. ولكن النقطة الجوهرية هنا هي تجنب فخ ما يُعرف بـ “الغسل الأخضر”. يجب ألا يكون تقرير الاستدامة مجرد نشاط علاقات عامة جانبي، أو كتيب ملون وأنيق يحتفي ببعض المبادرات السطحية في المسؤولية الاجتماعية أو زراعة بضعة أشجار. الاستدامة الحقيقية يجب أن تكون مُدمجة في دورة العمليات الإنتاجية للشركة من الألف إلى الياء. لا ينبغي لنا أن نحتفي بشركة تحقق أرباحًا طائلة بينما تتسبب عملياتها الأساسية في تدمير البيئة، لتقوم بعدها ببساطة بشراء “شهادات كربونية” رخيصة في محاولة بائسة للتكفير عن ذنوبها البيئية وغسل صورتها أمام الرأي العام. الاستدامة فعل هيكلي وليست مساحيق تجميل. ما هو الدور المنوط بالأمم المتحدة لتعزيز هذا الالتزام ودعم الشركات والدول؟ تمتلك الأمم المتحدة عدة آليات مؤسسية فاعلة في هذا الصدد. أولاً، هناك آليات المراجعة المستمرة والدقيقة لمدى الالتزام بالتعهدات، سواء ضمن إطار “اتفاق باريس”، أو الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ، ومؤتمرات الأطراف السنوية. ثانيًا، آلية “التقارير الوطنية الطوعية” المتعلقة بالتنمية المستدامة، وهي تقارير شاملة تقدمها الدول – ومن بينها البحرين ودول متقدمة ونامية أخرى – في شهر يوليو لتقييم التقدم المحرز بشفافية. وبالنسبة لنسبة التزام الدول العربية بالأهداف الـ 17، يمكن الرجوع إلى التحديثات التي تصدرها شبكة حلول التنمية المستدامة، والتي تصنف أداء الدول بنظام إشارات المرور (أخضر، أصفر، برتقالي). وبشكل عام، تسجل دول مجلس التعاون الخليجي تطورًا نوعيًّا إيجابيًّا مقارنة بالكثير من نظيراتها. دور القطاع المصرفي بالنظر إلى تخصصكم العميق في الشؤون المالية والتمويلية، ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع المصرفي وسوق المال لدعم التحول الأخضر، خاصة مع بروز أدوات كالسندات الخضراء؟ الابتكار المالي والهندسة المالية الخضراء تفتح أبوابًا لفرص هائلة. نلاحظ اليوم طفرة في القروض المؤسسية والمشتركة الموجهة لمشاريع الاستدامة، بالإضافة إلى التوسع في إصدار الصكوك الإسلامية الخضراء والسندات الخضراء. هذا التمويل يخدم أهدافًا مزدوجة: دعم البيئة وتنمية المجتمعات المحلية الأكثر احتياجًا. البنوك التجارية تتدخل بقوة في توفير التمويل قصير ومتوسط الأجل، في حين تتولى أسواق المال وبنوك الاستثمار ترتيب التمويلات طويلة الأجل لمشاريع البنية التحتية الخضراء الكبرى. هل تعتبرون أن هذا القطاع يمتلك إمكانات واعدة رغم ما قد يكتنفه من مخاطر؟ المسألة لا تقتصر على الفرص التمويلية فقط، بل تمتد لتشمل صميم “إدارة المخاطر”. بنك التسويات الدولية والمؤسسات الرقابية العالمية تتحدث اليوم بصوت عالٍ عما يُعرف بـ “الخطر المادي”. دعني أوضح لك: إذا طلب أحدهم تمويلًا لمشروع أو منشأة قريبة من شاطئ البحر، والبيانات المناخية تشير إلى خطر حقيقي متمثل في ارتفاع منسوب مياه البحر المستقبلي، فهذا يمثل خطرًا وجوديًّا على النشاط المُمول. وبالمثل، إذا كان المشروع المُراد تمويله يقع في منطقة مهددة بالتصحر. أكثر من ذلك، المخاطر التنظيمية، فإذا كانت صادرات الشركة ستخضع مستقبلاً لآلية تعديل ضريبة الكربون عبر الحدود التي طبقها الاتحاد الأوروبي مع بداية يناير، فإن هذه الشركة ستواجه تكاليف تشغيلية وضريبية إضافية باهظة. بغض النظر عن تحفظاتي الشخصية على طريقة إقرار هذه الآلية الأحادية، إلا أنها باتت واقعًا مفروضًا. البنك الممول هنا ملزم بإعادة تقييم دراسات الجدوى والائتمان للشركة في ضوء هذه التكاليف المستحدثة. الخلاصة أن دور القطاع المصرفي تضاعف ليصبح مرتكزًا على جناحي: “توفير التمويل المستدام” و”تسعير المخاطر المناخية” بدقة. أخيرًا، كيف تقرأون مستقبل “كوبونات الكربون” والمنصات الخاصة بتداولها في المنطقة، في ظل عدم نضوج هذه السوق خليجيًّا حتى الآن رغم مبادرات بعض الشركات الكبرى كـ “أرامكو”؟ مسألة إنشاء أسواق لتبادل شهادات الكربون تشهد زخماً كبيراً، سواء لتخفيض الانبعاثات التزاماً بتشريعات، أو لأغراض التكيف المناخي الطوعي. دخول آليات مثل الـ CBAM الأوروبي حيز التنفيذ سيخلق طلبًا حتميًّا ومتسارعًا على أسواق الكربون بفرعيها، الطوعية والإلزامية. في رأيي، المسار الطبيعي والمتوقع هو أن نشهد حراكًا واهتمامًا بالغًا من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لبناء منصات وأسواق كربونية متطورة. نظرًا للشراكة التجارية الضخمة مع الاتحاد الأوروبي - الذي يمتلك نظامًا متقدمًا لتداول الانبعاثات - أرى أن هناك مساحة هائلة للتعاون المشترك. يمكن أن يبدأ هذا التعاون في الجوانب الفنية والرقابية لوضع القواعد المنظمة، تمهيدًا لإشراك القطاع الخاص بشكل مؤسسي ومنظم في هذه الأسواق المستقبلية الواعدة، مما سيعود بالنفع الاقتصادي والبيئي على المنطقة بأسرها.
Go to News Site