jo24.net
يعد شم النسيم واحداً من أقدم الأعياد التي عرفتها البشرية، إن لم يكن أقدمها على الإطلاق. عيد لم يولد في عصر حديث، ولا ارتبط بحدث عابر، بل خرج من قلب الحضارة المصرية القديمة، واستمر عبر آلاف السنين، متجاوزاً تغير الأزمنة وتعاقب الحضارات، ليصل إلى المصريين اليوم بنفس الروح، وإن اختلفت التفاصيل. في هذا اليوم، لا يحتفل المصريون فقط بقدوم الربيع، بل يعيدون – دون أن يشعروا – إحياء طقوس مارسها أجدادهم منذ آلاف السنين على ضفاف النيل. من الخروج إلى الطبيعة، إلى تلوين البيض، وصولاً إلى تناول الفسيخ والرنجة، تبدو تفاصيل المشهد وكأنها نسخة معاصرة من احتفال فرعوني قديم لم ينقطع. حكاية أقدم مما تتخيل يرجع أصل شم النسيم إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث كان يعرف باسم "شمو"، وهو فصل الحصاد وبداية الربيع. في هذا اليوم، كان المصري القديم يخرج إلى الطبيعة احتفالاً ببعث الحياة، مؤمناً بأن الكون يتجدد، وأن النور ينتصر على الظلام. ولم تكن هذه الاحتفالات مجرد نزهة، بل ارتبطت بطقوس رمزية، خاصة في الطعام. ومن هنا، تأتي أهمية الأكلات التي ما زالت حاضرة حتى اليوم. فالبيض، الذي كان يلون ويكتب عليه الأمنيات، رمز للخلق وبداية الحياة. أما الأسماك المملحة، وعلى رأسها الفسيخ والرنجة، فلها حكاية أقدم مما يتخيل الكثيرون، حيث تشير دراسات تاريخية إلى أن المصريين القدماء عرفوا طرق حفظ الأسماك بالتمليح منذ آلاف السنين، خاصة مع نهر النيل ووفرة الأسماك، فكان التمليح وسيلة عملية لحفظها، ثم تحولت مع الوقت إلى عادة مرتبطة بالمواسم والاحتفالات. طريقة إعداد الفسيخ تحديداً، والتي تعتمد على تخمير السمك في الملح لفترات طويلة، تعكس معرفة قديمة بأساليب الحفظ، وربما لم تتغير كثيراً عبر القرون، أما الرنجة فظهرت لاحقاً بشكلها المدخن، لكنها احتفظت بنفس الفكرة: طعام قوي النكهة، يرتبط بالتجمعات والاحتفال. تعاقبت عليه العصور ومع تعاقب العصور، لم يختف العيد بل تغيرت بعض ملامحه، بينما بقي جوهره كما هو، ففي العصر القبطي ارتبط شم النسيم بعيد القيامة، ثم استمر في العصر الإسلامي كعادة شعبية مصرية خالصة يتشارك فيها الجميع بغض النظر عن الدين أو الخلفية، ومع ذلك بقيت الأطعمة كما هي تقريباً، كأنها خيط يربط المصريين بأسلافهم. واليوم ما زال المصريون يحتفلون بشم النسيم بنفس الروح، وإن اختلفت التفاصيل، فالبعض يفضل الخروج إلى الحدائق والمتنزهات، بينما يختار آخرون الاحتفال في المنازل، فيما لا يزال تلوين البيض حاضراً، وأطباق الفسيخ والرنجة تتصدر الموائد، رغم ما يحيط بها من جدل بين عشاقها ومن يخشون مخاطرها الصحية. وربما يكون هذا التناقض جزءاً من سحر العيد نفسه، فهو يجمع بين البساطة والجرأة، بين الماضي والحاضر، بين الطقوس القديمة والحياة الحديثة، فرغم تغير أنماط المعيشة على مر العصور، يظل شم النسيم يوماً خاصاً، يحرص فيه المصريون على التمسك بعاداتهم ولو بأبسط الأشكال. هكذا لا يكون شم النسيم مجرد احتفال موسمي، بل حكاية ممتدة عبر الزمن، تبدأ من ضفاف النيل في مصر القديمة، وتصل إلى شوارع وحدائق مصر اليوم، حاملة معها نفس الروح: الاحتفال بالحياة، بطعم الفسيخ، وألوان البيض، ودفء اللمة. .
Go to News Site