Collector
مغالطة التكاليف الغارقة.. | Collector
مغالطة التكاليف الغارقة..
ترك برس

مغالطة التكاليف الغارقة..

عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس في اليوم الأربعين من الهجمات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت. أما أهم بند على جدول أعمال المفاوضات التي جرت في باكستان، فهو إعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب. والحال أن “مضيق هرمز” لم يكن ضمن الأهداف السياسية للهجوم المشترك الأمريكي-الإسرائيلي. إن إغلاق مضيق هرمز كان مجرد واحد من النتائج التي لم تُؤخذ في الحسبان مسبقاً في هذه الحرب. الحروب لا تسير كما يُخطط لها. هناك عدد لا يُحصى من العوامل التي تغيّر مسار الحرب. وبعض هذه العوامل تبدو ضئيلة إلى درجة لا يمكن توقعها مسبقاً. إن حادثة وقعت في المشهد الأخير من محاولة أثينا غزو صقلية قبل 2500 عام تُعد مثالاً لافتاً. في هذا المشهد الأخير، قرر الجنرال الأثيني نيسياس سحب قواته. وفي تلك اللحظة تحديداً حدث “خسوف للقمر”. وكان الأثينيون يعتقدون أن خسوف القمر يجلب النحس. لذلك قام نيسياس بتأجيل قرار الانسحاب. غير أن هذا التأجيل انتهى بتدمير جيش أثينا وأسطولها. كان الانسحاب هزيمة، أما إبادة الجيش والأسطول مع قادتهما، بمن فيهم نيسياس، فكانت هزيمة مضاعفة. كما أشرت في مقالاتي السابقة، فإن الأثينيين الذين ذهبوا لغزو صقلية بأسطول ضخم، كانوا يتوقعون أن تستسلم مدينة سيراكوزا التي حاصروها دون أن تدخل حتى في وضع الدفاع. إلا أن العديد من العوامل غير المحسوبة وغير المتوقعة والتي اعتُبرت غير مهمة أدت إلى بقاء الأثينيين هناك لأكثر من عامين. لقد كان لهم ذهاب، لكن لم يكن لهم عودة. يشير الجنرال والاستراتيجي البروسي كارل فون كلاوزفيتز في كتابه الشهير “عن الحرب” الصادر عام 1832، في فصل “الاحتكاك في الحرب”، إلى أن العوامل التي تبدو بسيطة قد تؤدي إلى نتائج مهمة تغير مسار الحرب، ويواصل قائلاً: “لكل حرب خصائصها الخاصة. فكل حرب أشبه ببحر مجهول مليء بالصخور: قد يشعر القائد بوجود هذه الصخور، لكنه لم يرها من قبل، لذا عليه أن يحدد مساره في الظلام ليتجنبها. فإذا هبت رياح معاكسة، أي إذا انقلب الحظ ضده، فحتى لو بدا كل شيء على ما يرام لمن ينظر من بعيد، فإن ما ينقذ القائد هو مهارة كبيرة وطاقة ورباطة جأش.” في فيلم “الأشياء الصغيرة”، يقول جو ‘ديك’ ديكون، الذي جسده دنزل واشنطن، لزميله المحقق الجديد: “التفاصيل الصغيرة يا جيمي! التفاصيل الصغيرة هي التي تدمّرك. ما يفضحك هو الجزئيات.” هذه الجملة هي تجسيد على لسان شخصية سينمائية لرأي كلاوزفيتز القائل إن حتى أبسط الأمور قد تكون قاتلة. إن سوء تقدير أثينا لقدرة العدو على الصمود وإرادته في القتال أدى إلى إطالة أمد الحملة التي كان يُفترض أن تكون قصيرة. وعلى الرغم من علمها بالخسارة، وقعت أثينا في وهم إمكانية تغيير الوضع عبر إرسال تعزيزات إضافية. وكانت أثينا متكبرة إلى درجة لا تسمح لها بالاعتراف بهزيمة أكبر أسطول في العالم اليوناني. لقد استثمر الأثينيون كثيراً في محاولة غزو صقلية. ومن أجل ألا يذهب هذا الاستثمار سدى، أنفقوا المزيد من الأموال، وأرسلوا مزيداً من الجنود والسفن، لكن النتيجة لم تتغير. لقد كلف الغرور الإمبريالي الأثينيين ثمناً باهظاً من دمائهم وخزينتهم. واليوم يتم تناول مثل هذه الهزائم العسكرية وتقييمها تحت عنوان “مغالطة التكاليف الغارقة”. كما أن تدخل الولايات المتحدة في فيتنام بدأ أيضاً بقصف جوي مكثف. وكانت الولايات المتحدة تبدو واثقة من أن القصف الجوي سيكسر إرادة “قوات فيتنام الشمالية”. ولما لم تحقق النتيجة المرجوة، اضطرت الولايات المتحدة إلى إنزال مئات الآلاف من الجنود على الأرض. ومع تصاعد الحرب وطول أمدها، بدأت مفاجآتها بالظهور. وستدفع الولايات المتحدة، صاحبة أقوى قوة عسكرية في العالم، ثمناً باهظاً لاستهانتها بمقاومة الفلاحين الفيتناميين. بينما كان الأمريكيون يقاتلون في بلد لا يعرفون حتى موقعه على الخريطة، كان الفيتناميون يقاتلون لتحرير بلدهم. وبعد أن بقيت الولايات المتحدة في فيتنام قرابة عشر سنوات وفقدت نحو 60 ألف جندي، اضطرت إلى الانسحاب تاركة “حكومة فيتنام الجنوبية” لمصيرها. يرى المؤرخون أن “مغالطة التكاليف الغارقة” لعبت دوراً مهماً في تصعيد “حرب فيتنام”، إذ إن صانعي السياسات، بعد استثمارهم الكبير في الصراع، اعتقدوا أنهم لا يستطيعون التراجع. ومثل المقامرين الذين يضعون المزيد من المال على الطاولة لاستعادة ما خسروه ثم يخسرونه كله في النهاية، يقع صانعو السياسات أيضاً في فخ “مغالطة التكاليف الغارقة”، ليصبحوا ضحايا كوارثهم السياسية.

Go to News Site