Collector
عمان ودمشق: إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في زمن الصدام الإقليمي #عاجل | Collector
عمان ودمشق: إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في زمن الصدام الإقليمي #عاجل
jo24.net

عمان ودمشق: إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في زمن الصدام الإقليمي #عاجل

كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - لم يعد من الممكن قراءة الزخم المتصاعد في العلاقات الأردنية-السورية، والذي توج بلقاءات مجلس التنسيق الأعلى مؤخراً، من زاوية بروتوكولية ضيقة أو كفعل "مجاملة وتنسيق مرحلي". نحن اليوم أمام مشهد يتجاوز ثنائية العلاقات بين دولتين، ليصل إلى مرتبة "إعادة التموضع الاستراتيجي" الضروري لدول المشرق العربي في لحظة تاريخية بالغة السيولة والخطورة، تتصادم فيها القوى الدولية والإقليمية فوق صفيح ساخن. سياق اللحظة: التحصين ضد العاصفة يأتي هذا التقارب في قلب "تصعيد جيوسياسي" حاد؛ فالمنطقة تعيش تداعيات حرب صهيو-أمريكية واسعة النطاق تستهدف إعادة ترتيب التوازنات مع دول المنطقة وفي مقدمتها إيران، وهي حرب لا تستثني بآثارها أحداً. في هذا المناخ، تبدو عمان ودمشق في أمسّ الحاجة لصياغة "منطقة عازلة ووازنة" من المصالح المشتركة التي تحمي سيادتهما وتؤمن استقرارهما الداخلي. إن التحصين الاستراتيجي هنا لا يعني الانحياز لمحاور، بقدر ما يعني خلق "محور ضرورة وصمود" وطني يؤكد أن أمن الأردن وسوريا لا يمكن رهنه لإملاءات الخارج أو لمسارات الصراع التي لا تخدم شعوب المنطقة. فلسفة "الأمن التنموي: ما وراء الحدود المقاربة الجديدة التي تتبدى في الأفق هي الانتقال من "الأمن العسكري الصرف" إلى "الأمن التنموي". لقد أثبتت التجربة أن ضبط الحدود بطول 375 كيلومتراً لا يتم فقط عبر الأبراج والخنادق، بل عبر "ربط المصالح". إن تثبيت الاستقرار في مناطق حساسة مثل السويداء والجنوب السوري يمثل شرطاً مهما لأي تعاون اقتصادي. بدون جنوب سوري مستقر تنموياً، ستبقى مشاريع الربط الكهربائي وسكك الحديد مجرد أمنيات في الأدراج. لذا، فإن المعادلة اليوم بسيطة ولكنها عميقة: الاستقرار يبدأ من خلق بيئة حاضنة للمشاريع التنموية الكبرى، تجعل من المواطن على ضفتي الحدود شريكاً في حماية هذه المنجزات. إعادة الإعمار والعودة الطوعية: الرهان على المستقبل في هذا السياق، يبرز ملف إعادة إعمار سوريا ليس كفرصة اقتصادية ضخمة فحسب، بل كضرورة أمنية واجتماعية ملحة. إن انخراط الأردن بخبراته الهندسية وقطاعه الخاص الماهر في ورشة الإعمار السورية يمثل حجر الزاوية في تهيئة الأرضية المناسبة لـ "العودة الطوعية والكريمة للاجئين السوريين". إن إعادة بناء البنية التحتية، وتأمين الخدمات الأساسية من مياه وطاقة ومسكن في الداخل السوري، هو الضمانة الوحيدة لتحويل "حق العودة" من شعار إلى واقع ملموس ومستدام. هنا، يلعب الأردن دور الجسر الحيوي الذي لا يكتفي بتقديم الدعم اللوجستي والفني، بل يساهم في بناء "بيئة الاستقرار" التي تضمن عودة الأشقاء السوريين إلى ديارهم للمشاركة في بناء وطنهم الجديد، مما يخفف الأعباء عن كاهل الدولة الأردنية ويعيد تمتين النسيج الإجتماعي التاريخي بين الشعبين. الجغرافيا السياسية: كسر العزلة وتعظيم دور القيادات الوطنية استراتيجياً، نحن أمام محاولة جريئة لاستغلال "عبقرية المكان والقيادة". فالتكامل بين مينائي اللاذقية وطرطوس على المتوسط، وميناء العقبة على البحر الأحمر، هو في جوهره محاولة لكسر مشاريع الطرق التجارية البديلة التي تحاول تهميش العمق العربي. هذا "الشريان اللوجستي"، وبوجود قيادات وطنية عليا مخلصة في الأردن وسوريا، يمنح الدولتين قوة تفاوضية كبرى، ويحول جغرافيا المشرق من "ساحة صراع" إلى "ممر إلزامي" او" بديل آمن" اقل كلفة على التجارة العالمية والطاقة ، مما يمنحهما استقلالية اقتصادية هي الضمانة الحقيقية للسيادة السياسية. تحدي الفعالية: من البروتوكول إلى الميدان لكن السؤال الذي يطرحه الشارع والمراقبون على حد سواء: هل ستنجو هذه الاتفاقيات( أكثر من 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم غطت معظم القطاعات الحيوية) من لعنة "البيروقراطية والأدراج العربية"؟ التاريخ العربي الحديث حافل باتفاقيات بدأت بآمال عريضة وانتهت كحبر على ورق. التحدي الحقيقي اليوم هو في "تسريع وتيرة التنفيذ". إن اللحظة الجيوسياسية الراهنة لا تمنح صانع القرار ترف الانتظار؛ فإعادة إعمار سوريا، واستعادة الحقوق المائية، وتدشين الربط السككي، كلها ملفات وجودية تتطلب "إدارة تنمية ووجود" لا "إدارة بروتوكول". خلاصة القول إن ما يحدث بين عمان ودمشق هو اعتراف متأخر، ولكنه ضروري ووجودي، بأن المصير واحد. استقرار سوريا هو حصانة للأردن، وقوة الأردن هي سند لتعافي سوريا. إننا أمام فرصة تاريخية لإثبات أن دول المشرق قادرة على صناعة قدرها بنفسها، وتحويل الجغرافيا من عبء أمني إلى رافعة تنموية، بعيداً عن ضجيج الحروب وحسابات القوى العظمى التي لا ترى في منطقتنا سوى ساحات لتصفية الحسابات. .

Go to News Site