Collector
سيميولوجيا الكادر والأداء. قراءة نقدية في رائعة روبرت بنتون | Collector
سيميولوجيا الكادر والأداء. قراءة نقدية في رائعة روبرت بنتون
صحيفة البلاد البحرينية

سيميولوجيا الكادر والأداء. قراءة نقدية في رائعة روبرت بنتون

تعدّ نفسك محظوظاً حين تعرض إحدى المنصات الرقمية فيلماً حائزاً على "الأوسكار" لم يتسنَّ لك مشاهدته من قبل؛ فكل عاشق للسينما يسكنه شغف محموم لاكتشاف الأطر الإبداعية والقدرات التعبيرية التي منحت عملاً ما صكّ الخلود. لقد سنحت لي الفرصة مؤخراً لمشاهدة الفيلم الأمريكي "كرامر ضد كرامر" سيناريو وإخراج روبرت بنتون، وبطولة الثنائي داستين هوفمان وميريل ستريب. وهو العمل الذي هيمن على جوائز الأوسكار لعام 1980 بخمسة جوائز، أبرزها جائزتا "أفضل فيلم" و"أفضل إخراج." يعالج الفيلم إحدى أكثر زوايا الحب تعقيداً؛ إذ يشتبك مع معضلة الزواج وتلازم مشاعر الود والألم في آن واحد. وبدقة أكثر، يمكن وصفه بأنه "قصة عن موت الحب" داخل المؤسسة الزوجية، وتسليط ضوء خافت على تلك التفاصيل الساحرة التي لا يدرك المرء قيمتها إلا حين يقع الفراق وتتبعثر أوراق الأسرة. تتجلى ذروة الدراما عندما يجد "كرامر" نفسه وحيداً في مواجهة الواقع بعد رحيل زوجته "جوانا". نراه يتحامل على نفسه بروح محطمة وسلوك يغلفه الارتباك، محاولاً مجابهة حياته الجديدة مع طفله "بلي". لقد عقد العزم على أن يكون أباً مثالياً، واضعاً نصب عينيه الوفاء بدوره تجاه منزله وطفله رغم مرارة الفقد. لكن الفجوة الشاسعة بين عالمَي الأب والابن تنقل لنا شعوراً بالفوضى ينعكس بوضوح على تصرفات كرامر؛ فهو يحاول اكتساب صلابة مصطنعة وسط ظروف وظيفية متأزمة، إلا أن محاولاته تصطدم بجدار الرفض، فالصغير لا يتقبل هذا التحول بسهولة، وصورة أمه لا تزال تهيمن على مخيلته. يتجسد هذا الصراع في "التمرد على الطعام"، حيث يجد الأب نفسه مضطراً لتبني نبرة فظة وآمرة بدلاً من الإنصاف والاحتواء. وأمام هذا التشدد، يستسلم الطفل لهواجسه، متسائلاً عن السبب الحقيقي لرحيل أمه: "هل أنا السبب؟"، ليأتيه رد الأب المثقل بالذنب: "كلا.. أنا هو السبب. بصرياً، نحن أمام لغة سينمائية متميزة فرضت سطوتها منذ اللقطات الأولى. يبدأ الفيلم بـ "لقطة قريبة جداً "لوجه الزوجة وهي في ذروة معاناتها؛ حيث يربط الكادر ببراعة بين تعابيرها وخاتم الزواج الذي برز كعنصر رئيسي حين وضعت يدها على وجهها. ثم تجمع الكاميرا لاحقاً بينها وبين طفلها، وكأن "الأمومة" قد تراجعت إلى المرتبة الثانية أمام صراع كيانها ووجودها المستقل. داستين هوفمان استطاع ببراعة عكس التحولات العميقة في شخصية "كرامر"، فاستحق الأوسكار عن جدارة، وميريل ستريب في دور "جوانا" أكدت أستاذيتها في الأداء الصامت والتعبير العيني، خاصة في مشهد قاعة المحكمة.  كانت تجربة مشاهدة هذا الفيلم متعة سينمائية خالصة؛ سواء في معالجته العميقة للقضية الأسرية، أو في إيقاعه المتزن وقوة سيناريوه السردي على الأقل في – تلك الفترة -

Go to News Site