صحيفة البلاد البحرينية
افتُتح معرض "الفن بأسعار ميسّرة" في نسخته الأولى، بمشاركة نحو ثلاثين فنانًا وفنانة، وذلك في عكاس جاليري، في مبادرة ثقافية نوعية تهدف إلى ترسيخ ثقافة اقتناء الأعمال الفنية، وجعل الفن جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع. أعربت الشيخة مروة آل خليفة عن سعادتها بافتتاح معرض "الفن بأسعار ميسّرة"، الذي يأتي احتفاءً بـ اليوم العالمي للفن، مؤكدة إعجابها بفكرة المعرض التي تسهم في التوعية بأسعار الأعمال الفنية وتسهيل عملية اقتنائها داخل المجتمع البحريني. وأشادت بالدور الذي تلعبه هذه المبادرات في تعزيز الانفتاح الثقافي والفني، حيث يجمع المعرض أطيافًا متنوعة من الفنانين بمختلف مدارسهم، إلى جانب المثقفين والكتّاب، مما يجعله بمثابة ملتقى فني ثري بالحوار والإلهام والتحليل البصري للأعمال التشكيلية. وأضافت أن مثل هذه المعارض تعيد إحياء تقاليد فنية مهمة، حيث كانت المعارض سابقًا تصاحبها نقاشات مباشرة مع الفنانين، تتيح للجمهور فهم فلسفاتهم الفنية والتعرف على تجاربهم الإنسانية والإبداعية، وهو ما يعزز العلاقة بين العمل الفني والمتلقي. كما عبّرت عن سعادتها بالاقبال الملحوظ على المعرض، معتبرة أن كثرة المعارض الفنية تمثل ظاهرة إيجابية تسهم في تنشيط الحركة التشكيلية، وتمنح الجمهور فرصة التنقل بين المدارس الفنية المختلفة، بما يعمّق الوعي الجمالي. وشجّعت الشيخة مروة الجمهور على اقتناء الأعمال الفنية الأصيلة من الفنانين والفنانات المحليين، معتبرة ذلك شكلاً من أشكال تقدير الفن ودعمه، كما أثنت على الجهود المشتركة بين جمعية البحرين للفنون التشكيلية وأصحاب المعارض في طرح مبادرات نوعية تسهم في دعم الفنان البحريني وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي. وأوضحت الفنانة ومنسقة المعرض زكية زادة أن الهدف من المعرض لا يقتصر على البيع، بل يتعداه إلى ترسيخ الفن كجزء من الحياة اليومية، مؤكدة أهمية دعم الفنان المحلي وإتاحة أعماله لشريحة أوسع من المجتمع وقد أكدت الفنانة في تصريح لها " الفن للجميع… ومعرض بأسعار ميسّرة الهدف منه أن يصبح في كل بيت بحريني عمل فني". توضح زكية زادة أن فكرة إقامة المعرض لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى فترة طويلة، إلا أن الظروف التي مرّت بها الساحة حالت دون تنفيذها في وقت سابق، حتى حان التوقيت المناسب ليخرج المعرض إلى النور متزامنًا مع هذه المناسبة العالمية. وتؤكد أن فكرة المعرض تنطلق من اسمه، إذ يقوم على تقديم أعمال فنية "ميسّرة" بأسعار في متناول الجميع، بهدف واضح يتمثل في أن يضم كل بيت بحريني عملاً فنياً لفنان أو فنانة بحرينية. وتشدد على أن الطموح يتجاوز العرض والبيع، ليصل إلى ترسيخ الفن التشكيلي كـظاهرة مجتمعية لا تقتصر على النخب، بل تمتد لتلامس مختلف فئات المجتمع. وفي هذا السياق، تشير إلى مفارقة لافتة، حيث يلجأ البعض إلى شراء أعمال فنية أو مطبوعات من محلات الهدايا بأسعار مرتفعة، في حين أن هناك فنانين بحرينيين يقدمون أعمالاً أصيلة لا تقل قيمة، بل تتفوق من حيث الهوية والصدق الفني، وبأسعار مناسبة. ومن هنا جاءت الدعوة إلى استبدال الفن المستورد أو المكرر بالفن الحقيقي لفنانين محليين. وتتراوح أسعار الأعمال المشاركة في المعرض ما بين 80 و400 دينار بحريني، بما يعزز فكرة إتاحة الفن واقتنائه لشريحة أوسع من الجمهور. أما عن معايير اختيار الأعمال، فتوضح زكية زادة أنها ركزت على جودة العمل وقيمته الفنية مع الحفاظ على الأسعار التشجيعية، بهدف تحريك السوق الفني المحلي. وتسلط الضوء على إحدى أبرز التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي في البحرين، وهي ضعف تسويق الأعمال الفنية، حيث يمتلك الفنان القدرة على الإبداع، لكنه يفتقر أحيانًا إلى أدوات التسويق والوصول إلى الجمهور. ومن هنا، تؤكد أهمية تكاتف الجهود لدعم الفنان، سواء عبر الإعلام أو المؤسسات المختلفة. وفي ختام حديثها، تشيد بدور جريدة البلاد في دعم الحركة التشكيلية وإعادة تسليط الضوء عليها، معربة عن أملها في استمرار هذا الدعم، إلى جانب الدور الأكبر للمؤسسات الحكومية، بما يسهم في رفع شأن الفن التشكيلي في مملكة البحرين وترسيخ حضوره في المجتمع. قدّمت الفنانة لينا جناحي عملها “مسار اللؤلؤ” كرحلة رمزية تختزل تاريخ البحرين، حيث تتحول اللآلئ إلى مفردات بصرية تشير إلى الذاكرة البحرية، بينما يبرز الأفق العمراني داخل دائرة كإطار زمني للحاضر. وتقوم اللوحة على ثنائية الماضي والحاضر، حيث تتقاطع الرموز مع الحركة، ويصبح المسار عنصرًا دلاليًا يقود العين نحو المستقبل. اختيار اللون الأزرق يعزز البعد الجغرافي والهوية البحرية، فيما تمثل الشخصية النسائية الوطن في حالة سير دائم، ما يمنح العمل بعدًا إنسانيًا وحيويًا. في عملها الثاني "فسيفساء النور"، المستلهم من جامع الشيخ زايد الكبير، اعتمدت أسلوبًا تكعيبيًا معاصرًا بتفكيك العناصر المعمارية وإعادة تركيبها ضمن مساحات هندسية يعكس تعددية الرؤية، بينما يضفي استخدام الذهب والنحاس بُعدًا ضوئيًا وروحانيًا، حيث يتحول الضوء إلى عنصر بنائي داخل التكوين، لا مجرد تأثير بصري. وفي عملها "حين تبوح النخيل"، تذهب الفنانة نهلة الكيب إلى ما هو أبعد من التمثيل البصري للنخلة من خلال تذويب الحدود بين الإنسان والطبيعة الذي يخلق وحدة عضوية داخل التكوين، حيث تتحول النخلة إلى كيان حي يحمل ذاكرة المكان. التدرجات اللونية الدافئة تمنح إحساسًا بالحميمية، وتؤكد على البعد العاطفي والانتمائي. أما عن مشاركة الفنان إسكندر ديواني فقد تعددت وسائطه في تقديم المرأة من خلال التنقل بين البورتريه والتجريد يعكس محاولة لتفكيك الصورة النمطية للأنوثة، حيث لا تُقدَّم المرأة كرمز ثابت، بل كحالة متغيرة بين القوة والهشاشة، ما يفتح المجال لقراءات متعددة. وترى الفنانة الشيخة مريم آل خليفة أن الفن ضرورة إنسانية في أوقات الأزمات من خلال أعمالها المشاركة في المعرض المستلهمة من طبيعة حائل التي لا تقدم مشهدًا طبيعيًا فقط، بل توثيقًا شعوريًا للمكان، حيث تتحول الطبيعة إلى وسيط لنقل الإحساس بالسكينة والتوازن. وصرحت "الفنان التشكيلي اليوم يمثل الصوت البصري الذي يوثق اللحظة ويعيد صياغتها برؤية تزرع الأمل ". كما أكدت الفنانة الشيخة ضوى آل خليفة أن الفن رسالة وطنية من خلال حضور الأطفال في أعمالها الذي يرمز إلى البراءة والمستقبل، بينما تعكس العناصر التشكيلية حالة من الطمأنينة، في محاولة لإعادة التوازن النفسي للمجتمع عبر الصورة. وقالت في هذا الصدد إن البداية الحقيقية لكل تعبير فني صادق في هذه المرحلة تنطلق من الولاء للقيادة الرشيدة، باعتبارها الدعامة الأساسية التي تمنح المجتمع الاستقرار والدعم، مشيرة إلى أن هذا الولاء ينعكس بدوره في الأعمال الفنية التي تعبّر عن ارتباط الإنسان بأرضه وهويته. وأضافت أن دور الفنان لا يقتصر على تقديم الجماليات البصرية، بل يتجاوز ذلك ليؤدي رسالة إنسانية نبيلة، تتمثل في بث روح الطمأنينة والسلام داخل المجتمع، خاصة في ظل ما قد تمر به المجتمعات من لحظات قلق أو توتر. وأوضحت أن المرحلة السابقة شهدت حالة من القلق في بعض الأوساط، الأمر الذي يضع على عاتق الفنان مسؤولية مضاعفة في إعادة التوازن النفسي والمعنوي، من خلال أعمال تبعث رسائل إيجابية تعزز الثقة والانتماء. وبيّنت أن مشاركتها جاءت بهدف طمأنة المجتمع والتأكيد على أن مملكة البحرين ستظل كما عهدها الجميع، وطنًا للأمن والسلام والجمال، مؤكدة أن البحرين لا تزال تحتفظ بسحرها ومكانتها كـ"لؤلؤة الخليج"، وهو ما سعت إلى تجسيده بصريًا عبر مفردات تشكيلية تعكس الاستمرارية والقوة والسكينة. كما تناولت في بعض أعمالها حضور الأطفال، موضحة أن إدراج هذه العناصر لم يكن عابرًا، بل يحمل دلالات رمزية عميقة، حيث يجسد الطفل البراءة والصفاء الفطري والشعور بالأمان، إلى جانب انتمائه الصادق للوطن وحبه له. وأشارت إلى أن هذه البراءة تمثل جوهر الإخلاص والنقاء، وتسهم في إيصال رسالة إنسانية صادقة تعكس الأمل بمستقبل أكثر إشراقًا. ويرتكز الفنان سعيد رضي على اللون الأخضر في أعماله المشاركة حين يتحول اللون إلى لغة قائمة بذاتها، حيث لا يعتمد العمل على سردية مباشرة، بل على تجربة حسية مفتوحة، تمنح المتلقي حرية التأويل وفق حالته الشعورية التي تفيض بالانتماء والهوية لطبيعة البحرين النضرة كما أن أعماله تعزز روح الأمل والطاقة الإيجابية في ظل أجواء التوتر والأزمات. وتعكس أعمال الفنانة فاطمة جناحي تجربة شخصية عميقة من خلال استحضار أجواء العرس البحريني، بما يحمله من رمزية الفرح والبدايات، يأتي في مقابل خلفية شعورية مثقلة بالتوتر، ما يخلق تضادًا بين الظاهر والباطن. العمل هنا يصبح وسيلة مقاومة نفسية، حيث يتحول الجمال إلى فعل مواجهة. وفي عملها "راقصة الباليه"، تقدّم الفنانة ضوية إبراهيم قراءة إنسانية للإصرار؛ فالجسد الجالس لا يعبر عن الضعف بل عن لحظة استعادة القوة، فيما يشير حذاء الباليه إلى القيود المفروضة. اللون الأحمر يرمز إلى الشغف والألم، ليصبح العمل حوارًا بصريًا بين الانكسار والقدرة على النهوض. كما عرضت الفنانة نوال الصباغ مفهومًا فلسفيًا للهدوء فتميل أعمالها إلى تبسيط الشكل وتكثيف اللون، ما يخلق حالة من الصفاء البصري. السكون في أعمالها ليس فراغًا، بل مساحة تأملية تتيح للمتلقي التواصل مع ذاته.فقد تقدمت الصباغ بثلاثة أعمال تصويرية تعكس حسًا إنسانيًا بسيطًا وعميقًا في آن، حيث تبرز المرأة كعنصر محوري في لوحاتها بأسلوب تعبيري يعتمد على تبسيط الملامح وتكثيف اللون. تميزت الأعمال بحضور لوني جريء ومتوازن، يجمع بين الدفء والهدوء، ويمنح المشاهد إحساسًا بالألفة والتأمل. كما طرحت الفنانة مجموعة من الأفكار الداعمة للحراك التشكيلي، من أبرزها أهمية إقامة سوق مخصص للرسامين البحرينيين، بما يسهم في تعزيز حضورهم الفني، وفتح آفاق جديدة للتسويق والتواصل مع الجمهور، بما يرفع من مكانة الفن محليًا. وقدّمت الفنانة رند القشطيني عمل "مصباح الطاولة – نخلة" فقد حولت في عملها ورق النخيل إلى عنصر وظيفي يخلق تداخلًا بين الفن والتصميم، حيث تصبح المادة التقليدية وسيطًا معاصرًا، والضوء لا يكتفي بالإضاءة، بل يعيد تشكيل العمل بصريًا عبر الظلال، ما يوسّع التجربة الجمالية. يمكن اعتبار هذا العمل تجربة في إعادة تدوير الهوية، ليس فقط على مستوى المادة، بل على مستوى المعنى، حيث تعيد الفنانة صياغة رمز تقليدي (النخلة) ضمن سياق معاصر، يزاوج بين الفن والتصميم، ويؤكد أن التراث ليس جامدًا، بل قابل للتحول المستمر. وتقدّمت الفنانة سلوى القائد في عمليها المشاركين بالمعرض بعنوان " نساء من الريف " رؤية بصرية تحتفي بالمرأة بوصفها محورًا جماليًا ورمزيًا، مع توظيف لوني غني يقترب من التعبيرية. في العمل الأول تبدو الشخصية النسائية شبه متماهية مع الخلفية، حيث تتداخل الألوان بحرية، ما يمنح اللوحة طابعًا وجدانيًا وتأمليًا. استخدام الأحمر في الغطاء يوحي بالقوة والحضور، بينما تذوب التفاصيل في محيط لوني ضبابي يعكس حالة داخلية أكثر من كونه مشهدًا واقعيًا. أما العمل الثاني فهو أقرب إلى المشهد السردي؛ إذ توضع المرأة في بيئة طبيعية واضحة، مع عناصر مثل الزهور والسلة التي تعزز البعد الريفي. هنا تصبح الشخصية أكثر تحديدًا وواقعية، لكن دون التخلي عن اللمسة اللونية الحرة التي تمنح العمل حيوية وانسيابية. بشكل عام، توازن الفنانة بين التعبير والانطباع، وتنجح في تقديم المرأة كرمز للبساطة والارتباط بالأرض، ضمن معالجة لونية جريئة تضفي على العملين دفئًا وإنسانية. يكشف معرض "الفن بأسعار ميسّرة" عن مشهد تشكيلي غني، لا يكتفي بعرض الأعمال، بل يقدّم تجارب إنسانية وفكرية متكاملة، حيث تتقاطع الهوية مع الحداثة، ويصبح الفن مساحة للتأمل والحوار. ويستمر المعرض حتى 30 أبريل، مؤكدًا أن الفن حين يكون قريبًا من الناس، يتحول إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير في الوعي وبناء الجمال في الحياة اليومية.
Go to News Site