Collector
سوق العمل الخليجية في زمن الحرب.. كيف تغيرت تركيبتها ومستقبلها؟ | Collector
سوق العمل الخليجية في زمن الحرب..  كيف تغيرت تركيبتها ومستقبلها؟
صحيفة البلاد البحرينية

سوق العمل الخليجية في زمن الحرب.. كيف تغيرت تركيبتها ومستقبلها؟

قيمة الوظائف تغيرت.. فلم تعد للأعلى أجرا بل للأكثر قدرة على إبقاء الاقتصاد مستمرا تحت الضغط الحرب لم تدفع إلى تسريحات جماعية واسعة بل قلصت الدخل وساعات العمل بشكل تدريجي في معظم القطاعات التجزئة انقسمت بوضوح بين تراجع الكماليات وانتعاش قوي في السلع الغذائية والأساسية اللوجستيات والنقل البري شهدا طلبا مرتفعا لكن ذلك ترافق مع ضغط تشغيلي وتحديات يومية تحول مسارات التجارة أعاد توزيع الوظائف نحو السائقين والتخليص وسلاسل الإمداد القطاع المصرفي حافظ على استقراره ما خفف من انتقال الأزمة إلى سوق العمل بشكل أوسع العمالة الأجنبية لم تغادر بأعداد كبيرة لكنها واجهت ضغوطا تشغيلية وقيودا في الحركة الحرب أعادت تعريف أهمية الوظائف لتتقدم أدوار الغذاء والنقل والصناعة على غيرها رغم تراجع السياحة مؤقتا إلا أن القطاع أثبت مرونته مع قدرة سريعة على التكيف واستعادة النشاط فور تحسن الظروف سوق العمل الخليجية أظهرت قدرة على إعادة توزيع الوظائف نحو القطاعات الأكثر طلبا ما عزز من مرونتها في الأزمات   أعادت الحرب توزيع الطلب على العمل بين القطاعات بسرعة قياسية، وبدّلت قيمة الوظائف، وغيّرت أولويات الشركات من التوسع إلى الاستمرار. ولم يعد السؤال الرئيس: كم وظيفة فُقدت؟ بل: أي الوظائف أصبحت أكثر أهمية لبقاء الاقتصاد؟  ماذا تقول الوقائع على الأرض؟ السياحة والسفر أول ما تكشفه الوقائع هو أن السياحة والطيران والفنادق كانت الحلقة الأشد تضررا. على سبيل المثال، قفزت إلغاءات الإيجارات السياحية قصيرة الأجل في الإمارات إلى 8,450 ليلة في يوم واحد مقابل متوسط يومي يقارب 3,100 خلال بقية الشهر، وارتفع معدل الإلغاء إلى 43.8 % مقابل 14.5 % سابقا، فيما قدرت رويترز أن إنفاق الزوار المهدد هذا العام يتراوح بين 34 و56 مليار دولار.  هذا كله يعني أن الضرر في سوق العمل لم يبدأ بتسريح واسع، بل بدأ بـانخفاض الإشغال، تقليص المناوبات، إلغاء العمل الإضافي، تجميد التوظيف الموسمي، وضغط الحوافز والعمولات. وهذه نقطة محورية: في الخليج، الوظائف السياحية لا تتضرر أولا من قرار فصل جماعي، بل من تآكل الدخل الفعلي قبل كل شيء.  والأهمية هنا لا تقف عند حدود الفنادق وشركات الطيران؛ لأن السياحة في الاقتصادات الخليجية تؤدي دور مضاعِف الوظائف. فالسائح لا يشتري غرفة فندقية فقط؛ بل يحرك معه النقل والمطاعم والتجزئة والفعاليات والخدمات اليومية. وعندما يتوقف هذا التدفق، فإن الضرر ينتقل من الوظيفة المباشرة إلى شبكة خدمات كاملة.  قطاع التجزئة أما قطاع التجزئة، فالصورة فيه أكثر تركيبا، ولا يجوز وضعه كله في خانة الخسارة. فالتجزئة المرتبطة بالسياحة والسلع الكمالية تضررت بوضوح، إذ أفادت رويترز بأن مبيعات السلع الفاخرة في بعض المراكز التجارية الكبرى في دبي هبطت بين 30 % و50 %، مع تراجع الحركة في بعض المواقع إلى حدود 50 %.  لكن في المقابل، كان تجزئة الأغذية والسلع الأساسية من القطاعات التي استفادت فعليا، لا سيما في الأيام والأسابيع الأولى؛ لأن سلوك المستهلك تحول من الإنفاق العادي إلى الشراء الاحترازي. في مثل هذا السياق، يصبح تهافت الناس على شراء المواد الغذائية والمياه والمستلزمات الأساسية سلوكا اقتصاديا طبيعيا، وليس مجرد رد فعل نفسي. وهذا يرفع الطلب على العاملين في السوبرماركت والمخازن والتوزيع والنقل الداخلي، ويزيد ساعات العمل في المتاجر الغذائية.  النقل البري واللوجستيات أما النقل البري واللوجستيات، فكانا من أكبر المستفيدين، لكن استفادتهما لم تكن مريحة بل اضطرارية ومكلفة. فمع تعطل الملاحة عبر هرمز وسباق المستوردين الخليجيين لإيجاد بدائل للغذاء والدواء والمواد الصناعية، ارتفع الاعتماد على المسارات البرية بشكل واضح. وقد أفادت رويترز بأن المستوردين سارعوا إلى استخدام موانئ بديلة مثل ينبع وجدة وصلالة وصحار وخورفكان، ثم نقل البضائع برا إلى بقية دول الخليج العربي، كما قفزت صادرات النفط السعودية من ينبع إلى نحو 4.6 مليون برميل يوميا، مقتربة من الطاقة القصوى، في مؤشر واضح على انتقال مركز الثقل اللوجستي غربا وعلى تنامي أهمية الممرات البرية والبدائل الساحلية. هذا التطور لا يعني فقط تحويل خط سير للبضاعة؛ بل يعني ارتفاع الطلب على السائقين، والتخليص الجمركي، وإدارة المستودعات، وجدولة الشحنات، والنقل الداخلي، وخدمات المناولة.  القطاع المصرفي وفي القطاع المصرفي، لم تكن الصورة درامية كما في السياحة أو النقل. البنوك لم تشهد أزمة ثقة، وإن كانت قد دخلت حالة احترازية مع بعض السحوبات وزيادة الطلب على السيولة وارتفاع حساسية المودعين والشركات للمخاطر. هذا ينسجم مع ما شهدته السوق: تأثر محدود في التشغيل المصرفي، دون صدمة توظيفية كبيرة. فالبنوك الخليجية، ومنها البحرينية، بقيت أقرب إلى وضع الدفاع والتحوط منها إلى وضع الانكماش الحاد.  وهذا الاستقرار النسبي في القطاع المصرفي مهم لسوق العمل؛ لأنه يعني أن أحد أعمدة الاقتصاد الخليجي لم ينكسر.  العمالة الأجنبية أما العمالة الأجنبية، فمن الضروري جدا تشخيص حالتها بدقة بعيدا عن المبالغة. فالحرب لم تنتج موجة خروج جماعي واسعة من الخليج، كما لم تؤد إلى انهيار في توافر العمالة الوافدة، لكن ذلك لا يعني أن الملف لم يتأثر. رويترز أشارت إلى أن الخليج العربي يستضيف نحو 31 مليون عامل وافد، وأن الضغوط وقعت أساسا على مستوى المخاطر المباشرة وتعطل التنقلات وتبديل الأطقم وارتفاع هشاشة أوضاع العمال في بعض المواقع.  الصناعات الرئيسة وفي الصناعات الرئيسة، لا سيما الألمنيوم والبتروكيماويات والطاقة، برزت زاوية مختلفة تماما عن بقية القطاعات. فهذه القطاعات ليس فقط كثيفة العمالة، بل وزنها الاقتصادي والتشغيلي كبير وحيوي، وأي استهداف لها يخلق آثارا مباشرة وغير مباشرة على سوق العمل. فقد أعلنت رويترز في أوائل مارس عن توقف شحنات من البحرين وتعطل كبير في سوق الألمنيوم، مع احتمال إغلاق مصهر في قطر. كما أشارت تقارير أخرى إلى استهداف منشآت بتروكيماوية في السعودية والإمارات والكويت والبحرين، وإلى انخفاض في طاقة الإنتاج السعودية بنحو 600 ألف برميل يوميا وتراجع في تدفقات خط الشرق - الغرب بنحو 700 ألف برميل يوميا بعد الهجمات. هذه الأرقام تعني أن أثر الحرب على العمالة الصناعية لا يظهر فقط عبر التسريح، بل عبر توقف الإنتاج، وتأجيل الصيانة، وتشديد إجراءات السلامة، وزيادة الطلب على الأمن الصناعي، وارتفاع كلفة التشغيل.  إذا جُمعت هذه الصور معا، تتضح النتيجة الأساسية: سوق العمل الخليجية تنطوي على جوانب ضعف عديدة. توصيات أما التوصيات الواقعية، فهي يجب أن تنطلق من هذا التشخيص لا من أمنيات عامة.  أولا، على دول الخليج العربي أن تنتقل من سياسات التوظيف العامة إلى سياسات استمرارية تشغيل، أي تحديد الوظائف التي لا يجوز أن تتعطل في كل قطاع: السائقون، التخليص، المستودعات، الصيانة، الأمن الصناعي، سلاسل الغذاء، والأطقم الفندقية الأساسية.  ثانيا، ينبغي إنشاء آلية خليجية طارئة لتنقل العمالة التشغيلية القائمة بين دول المجلس؛ لأن سد النقص أثناء الأزمات لا يتم عبر الاستقدام الخارجي البطيء، بل عبر إعادة توزيع العمالة والخبرات الموجودة داخل الخليج.  ثالثا، يجب أن يوجَه الدعم الحكومي في القطاعات المتضررة، خصوصا السياحة والفنادق والسفر، إلى الاحتفاظ بالوظائف والدخل لا إلى دعم عام، وذلك من خلال مساندة الأجور الجزئية، وتمويل التشغيل قصير الأجل، وتأجيل الرسوم والالتزامات على المنشآت الصغيرة والمتوسطة.  رابعا، في اللوجستيات، المطلوب ليس الاكتفاء بالاستفادة من الطلب المرتفع، بل تنظيم هذا التوسع عبر مسارات تخليص أسرع، وإطار أكثر مرونة للشاحنات والمستودعات، وحماية تشغيلية تمنع إنهاك السائقين والشركات الصغيرة.  خامسا، في الصناعة، يجب أن تُبنى خطط استمرارية أعمال وربط أقوى بين المنشآت الكبرى ومورديها المحليين، حتى لا يتحول استهداف منشأة واحدة إلى تعطل متسلسل في الوظائف المحيطة بها.  وبالنسبة إلى البحرين تحديدا، فإن الدرس الأبرز هو أن صغر السوق يمكن أن يكون ميزة إذا استُخدم بسرعة ومرونة. فالبحرين ليست مطالبة اليوم بشعارات واسعة عن إعادة هيكلة كاملة لسوق العمل، بل بخطوات عملية: حماية وظائف السياحة والتجزئة والصناعات الصغيرة المتضررة من خلال دعم موجه ومؤقت، استثمار موقعها في سلاسل الخدمات المالية واللوجستية الخفيفة، ورفع نسبة البحرينيين تدريجيا في الوظائف التشغيلية والإدارية التي تنمو الآن في النقل والتخزين والأمن الصناعي، عبر إحلال تدريجي وتدريب واقعي مرتبط بطلب السوق. فالمطلوب ليس تغيير بنية السوق بقرار إداري، بل زيادة مرونتها وقدرتها على امتصاص الأزمات.  الخلاصة أن الحرب لم تخلق فقط قطاعات رابحة وخاسرة، بل أعادت تعريف القيمة الاقتصادية للعمل نفسه. فالوظائف التي تضمن وصول الغذاء، ونقل البضائع، واستمرار الصناعة، والحفاظ على السيولة، أصبحت أهم من كثير من الوظائف التي بدت أكثر جاذبية في زمن الاستقرار. ولذلك فإن السؤال بعد الحرب لن يكون كم وظيفة يجب خلقها، بل: كيف نبني سوق عمل خليجيا أكثر قدرة على إبقاء الاقتصاد حيا عندما تتعطل الممرات ويضطرب الإقليم؟ هذا هو السؤال الحقيقي، وهو أيضا المدخل الصحيح لأي سياسة عمل جادة في دولنا الخليجية بعد هذه الحرب.

Go to News Site