صحيفة البلاد البحرينية
حتى يمكن تقدير السينما الجديدة في المكسيك والتعرف على أبعادها، لا بد من التعرض لما يقدمه المخرجون الجدد في تسليط الضوء على عالم وتفاصيل ومتاهات المؤسسات الرسمية، وفضح جروح البلد الاجتماعية عبر شاشة السينما، من خلال إنتاج ضخم يتفرع على مستويات عديدة؛ جمالية واجتماعية وأخلاقية. ويعتبر المخرج رودريغو فالديس من المخرجين الذين أثبتوا جدارة نادرة، حيث خرجوا عن خط سينما المؤلف التقليدي، رغم أننا نجد دائماً تشابهاً في القصص التي يختارها من زاوية أو أخرى. في فيلمه الجديد "الانتقام"، الذي يُعرض حالياً على المنصات الرقمية، تدور الأحداث حول رجل من قوات النخبة المكسيكية يدعى "تورو"، وهي فرقة لا ينضم إليها سوى واحد من كل ألف جندي. تنجح الفرقة في القبض على مجرم ومهرب يدعى "هكتور لونا"، وهو عسكري سابق في نفس الفرقة، لكنه يحظى بدعم قادة فاسدين. وعندما يلقي "تورو" كلمة أمام تجمع عسكري لتكريمه، يتوعد بالقبض على كل من يثبت تورطه في دعم لونا؛ لتبدأ نقطة التحول الدرامي حين تتعرض زوجته للقتل خلال عطلة في أحد المنتجعات على يد عسكريين فاسدين، فيقرر السعي للانتقام مستعيناً بفريق من أصدقائه وزملائه في النخبة. ورغم أن قصص الانتقام في السينما تبدو مكررة، إلا أنها في هذا الفيلم اتخذت شكلاً مغايراً بفضل قوة السيناريو؛ فالسيناريو هو العمود الفقري للعمل، وبجودته وُضع الأساس المتين لخلق فيلم قوي. القصة هنا بمثابة شحنة متدفقة من الأحداث المثيرة، بطلها رجل عسكري حائر يراقب عالماً أكبر منه، والفيلم يعلنها صريحة بأن الفساد قد ينخر أي مؤسسة في أمريكا اللاتينية مهما عظم شأنها؛ لذا ترمز القصة بذكاء إلى معنى سياسي عميق هو المفهوم العام الذي تدور حوله الأحداث. أما من الناحية التقنية، فقد جاءت مشاهد الحركة والعنف والمطاردات بلقطات سريعة زاد من تأثيرها التباين البصري، مما وجه انفعالات المتفرج ورفع منسوب التشويق دون التأثير على نمط السرد أو التسبب في هبوط مفاجئ في التوتر الدرامي. وثمة نقطة تستحق الاهتمام من الناحية الحرفية، وهي أن المخرج فالديس صاغ فيلمه بلغة عميقة عبر ثيمة الخير والشر بسلاسة فائقة، متوجاً ذلك بتركيب محكم وانتقالات متطابقة بين اللقطات، مما خلق كثافة تعبيرية لا حد لها.
Go to News Site