Collector
من حلم “كلية حكومة” إلى واقع الأكاديمية: هل نقترب من نموذج هارفارد أم نبتعد عنه؟ | Collector
من حلم “كلية حكومة” إلى واقع الأكاديمية: هل نقترب من نموذج هارفارد أم نبتعد عنه؟
jo24.net

من حلم “كلية حكومة” إلى واقع الأكاديمية: هل نقترب من نموذج هارفارد أم نبتعد عنه؟

كتب أ. د. هاني الضمور - قبل أكثر من عشر سنوات، وفي نقاشات جادة داخل الجامعة الأردنية، لم تكن الفكرة المطروحة مجرد إنشاء معهد تدريب أو مركز دورات، بل كانت رؤية أوسع بكثير: تأسيس كلية وطنية للحكومة على غرار ما تمثله Harvard Kennedy School. كانت الفكرة تقوم على بناء صرح أكاديمي-حكومي يجمع بين التعليم، وصناعة السياسات، وتأهيل القيادات، ويصبح جزءاً من بنية الدولة لا مجرد جهة مساندة لها. لم يكن الطموح حينها أن ندرّب الموظف، بل أن نُعيد تشكيل طريقة إعداد من يدير الدولة. اليوم، تعود الفكرة تحت مسمى الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية. ورغم أهمية الخطوة في ظاهرها، إلا أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحتاج أكاديمية؟ بل: هل ما يُطرح اليوم هو امتداد لتلك الرؤية العميقة، أم نسخة مخففة منها؟ الفارق بين "كلية حكومة” و”أكاديمية تدريب” ليس فارقاً في الاسم، بل في الدور والوظيفة. كلية الحكومة، كما في التجارب العالمية، ليست جهة تقدم برامج قصيرة، بل مؤسسة تُخرّج صناع قرار، وتُنتج معرفة، وتُسهم مباشرة في صياغة السياسات العامة. الطالب فيها لا يتلقى المعرفة فقط، بل يعمل على مشكلات حقيقية، ويتفاعل مع صناع القرار، ويصبح جزءاً من منظومة الحكم قبل أن يدخلها رسمياً. هذا النموذج كان حاضراً في التصور الأول الذي طُرح قبل سنوات. كان الهدف أن تكون هناك مؤسسة تمنح درجات علمية متخصصة في السياسات العامة والإدارة الحكومية، وتربط بين البحث الأكاديمي واحتياجات الدولة، وتُنشئ مساراً واضحاً لتأهيل القيادات قبل وصولها إلى مواقع المسؤولية. لم تكن الفكرة أن نضيف مؤسسة إلى الجهاز الحكومي، بل أن نخلق "عقلاً مؤسسياً” يواكب تطور الدولة. لكن ما نراه اليوم يثير تساؤلاً مشروعاً: هل نحن نسير نحو هذا النموذج، أم نعود إلى الإطار التقليدي الذي يختزل الفكرة في التدريب؟ المشكلة في الإدارة العامة الأردنية لم تكن يوماً نقصاً في الدورات، بل في غياب منظومة متكاملة لإعداد القيادات. لسنوات طويلة، ظل التدريب نشاطاً منفصلاً عن التعيين والترقية، لا يحدد من يصل إلى القرار، ولا يغير طبيعة من يتخذه. ولهذا، فإن تحويل فكرة "كلية الحكومة” إلى مجرد أكاديمية تدريب، مهما كانت متطورة، يعني فقدان جوهر المشروع. إن نجاح أي نموذج مشابه لـ Harvard Kennedy School لا يقوم على البرامج وحدها، بل على ثلاثة عناصر مترابطة: التعليم الأكاديمي العميق، الارتباط المباشر بصناعة القرار، وربط التأهيل بالمسار الوظيفي. بدون هذه العناصر، تفقد المؤسسة دورها التحويلي، وتصبح مجرد جهة داعمة لا أكثر. في الحالة الأردنية، التحدي الحقيقي هو الانتقال من فكرة "التدريب” إلى فكرة "إعداد الدولة”. أي أن تكون الأكاديمية – أو الكلية – جزءاً من منظومة اتخاذ القرار، لا مجرد مزود للخدمات التدريبية. أن يكون خريجوها هم النواة الطبيعية للقيادات الحكومية، وأن يصبح التأهيل فيها شرطاً ضمنياً أو صريحاً للوصول إلى المواقع العليا. الخطر اليوم لا يكمن في إنشاء الأكاديمية، بل في أن تُبنى على تصور أقل من الطموح الذي طُرح سابقاً. أن نكتفي بنموذج تدريبي، بينما كانت الفكرة الأصلية مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الإدارة العامة. عندها سنكون قد انتقلنا من رؤية استراتيجية إلى حل إداري محدود. أكتب هذا اليوم من موقع من شارك في تلك النقاشات الأولى، ورأى في فكرة "كلية الحكومة” فرصة حقيقية لإحداث نقلة نوعية في أداء الدولة. وما زلت أرى أن هذه الفرصة قائمة، لكن بشرط أن نعيد النظر في حجم الطموح، وأن لا نختزل المشروع في شكله المؤسسي، بل نعيده إلى جوهره: بناء قيادات، وصناعة سياسات، وربط المعرفة بالقرار. الفرق بين أن نقترب من نموذج هارفارد أو نبتعد عنه لا يتحدد بالاسم أو الهيكل، بل بالإجابة على سؤال واحد: هل نريد مؤسسة تُدرّب الموظفين، أم مؤسسة تُخرّج قادة الدولة؟ في الإجابة على هذا السؤال، يتحدد مستقبل هذه الأكاديمية، ومعها جزء مهم من مستقبل الإدارة العامة في الأردن. .

Go to News Site