عكاظ عاجل
على امتداد سنوات عملي في قطاعات ترتبط بالإنتاج الإبداعي، كنت مُدركاً جداً كيف تتشكل الأعمال الناجحة من بُناة الأفكار أولاً، وعلى يقين بأن الفكرة الذكية تعني منتجاً محترفاً وناجحاً، وقس على ذلك الأعمال الغنائية التي ذاع صيتها وسارت بها الحناجر إلى مسامع.كم من لحظة كانت تُصاغ فيها الأغنية قبل أن تُغنّى؛ لحظة لا تُرى على المسرح ولا تُسمع في اللحن، لكنها التي تحدد إن كان العمل سيبقى، أو يمرّ كغيره.من هنا، يمكن قراءة الأعمال الوطنية الخالدة، مثل «فوق هام السحب» لمحمد عبده، بوصفها ملاحم فنية كانت نتاج فكرة خلّاقة، لا مجرد إبداع فردي، حين كانت الأغنية تُبنى كمنتج ثقافي طويل العمر، تُدار عناصره بعناية من الفكرة ثم النص ومنهما إلى اللحن والتوقيت، والسياق الذي يمنحها معناها الأوسع.وحين تراجعت هذه الأفكار، لم تختفِ الأغنية الوطنية بقدر ما تراجع انتشارها إلى حضور موسمي، بلا امتداد حقيقي.في هذا السياق، يبرز عمل «برا وبعيد»، بوصفه محاولة واعية لاستعادة هذا التوازن؛ بفكرة من سالم الهندي الذي دعم تجسيدها إلى أرض الواقع كما يليق بمشاعرنا الوطنية، عبر صوتين يمثلان ثقلاً فنياً هما نوال الكويتية وماجد المهندس، مع نص لخالد المريخي ولحن أحمد الهرمي، كل ذلك كان يشي بمحاولة تقديم الأغنية كمنتج متكامل، لا كمجرد إصدار.القيمة الحقيقية لهذا الاتجاه لا تكمن في نجاح عمل بعينه، بل في ترسيخ فكرة أن الأغنية الوطنية يمكن أن تكون جزءاً من صناعة إبداعية مستدامة، تُدار بعقل إستراتيجي، وتُبنى على فهم عميق للمتلقي، وتُقدَّم بلغة معاصرة دون أن تفقد جذورها.هنا فقط، تستعيد الأغنية دورها الحقيقي: ليست صوتاً يعلو في مناسبة، بل أثر يبقى في الذاكرة.
Go to News Site